حركة المحافظين والتعديلات الإدارية الجديدة في مصر
| ||||||||
فى السبع عشر من إبريل الماضى أعلنت حركة المحافظين، كما تم تعديل نطاق الحدود الإدارية لبعض المحافظات، تم بمقتضاه إنشاء محافظتين جديدتين هما حلوان والسادس من أكتوبر، بجانب تقسيم وتعديل نطاق الحدود الإدارية للقاهرة التي قُسّمت إلى ثلاث مناطق إدارية على رأس كل منها نائب محافظ، وتم تفسير ذلك بأنه يستهدف إعادة التوازن إلى التوزيع السكاني والمقومات الاقتصادية لهذه المحافظات، ودفع عملية التنمية البشرية والاقتصادية في نطاقها، وهي الأهداف التي أكد عليها الرئيس مبارك خلال ترؤسه الاجتماع الأول لمجلس المحافظين بعد تشكيله الجديد، إلى جانب ترسيخ اللامركزية التي صارت جزءاً من الدستور، وأن تعديل الحدود الإدارية لمحافظات مصر وإنشاء محافظتين جديدتين هو تخفيف العبء وخلق محاور جديدة للتنمية الزراعية والصناعية.
الملامح الرئيسية لحركة المحافظين والتعديلات الإدارية الجديدةكان لافتا في الحركة أمران، الأول: أنها جاءت واسعة، بما يعكس اتجاها للتغيير الواسع نسبيا، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية التي تعرضت لها مصر في الآونة الأخيرة، ومن أبرزها ارتفاع الأسعار وأزمة نقص الخبز. حيث تضمنت الحركة تعيين 12 محافظاً جديداً ونقل ثلاثة آخرين من محافظاتهم إلى أخرى، في حين استمر 13 محافظاً في مواقعهم. أما الأمر الثاني فهو أن التغييرات التي شملت 12 محافظة، جاءت بأربعة من قيادات القوات المسلحة و3 من قيادات الشرطة. أبرزهم اللواء أحمد ضياء الدين الذي عُين محافظا للمنيا، وكان يشغل منصب مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية، واللواء محمد عبد الفضيل الذي عُين محافظا لشمال سيناء، وكان يشغل منصب قائد قوات حرس الحدود، فيما اعتبر إشارة إلى اتجاه مصر لتشديد ضبط حدودها مع قطاع غزة وإسرائيل. ورغم أن القاعدة جرت على أن يتولى ضباط القوات المسلحة المحافظات الحدودية، وأن يتولى ضباط الشرطة بعض محافظات الصعيد، إلا أن تعيين اللواء عبد الحميد الشناوي محافظا للغربية، وكان يشغل منصب مدير أمن الدقهلية، مثل خروجا على هذه القاعدة، وهو ما فسره البعض بالأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة المحلة الكبرى ثاني أكبر مدن محافظة الغربية، إضافة إلى تكرار إضرابات العمال بها، والتي تحتاج إلى حسم أمني. وقد تضمنت التعديلات الإدارية استحداث محافظتين جديدتين هما حلوان والسادس من أكتوبر، حيث تم ضم عدة مناطق من محافظتي القاهرة والجيزة للأولى، وضم عدة مناطق من محافظة الجيزة للثانية، ليرتفع عدد المحافظات المصرية إلى 28 محافظة. وفي الوقت الذى لاقى قرار تحويل حلوان و6 أكتوبر إلى محافظتين ترحيباً من قاطني هذه المناطق، فقد احتج قاطنو الواحات البحرية على ضمهم إلى محافظة المنيا، مطالبين بالانضمام إلى محافظة 6 أكتوبر، وأرجعوا أسباب رفضهم قرار الضم لمحافظة المنيا، إلى مخاوفهم من عودة الواحات إلى دائرة النسيان والتجاهل الحكومي وتراجع الخدمات التي شهدت تحسنا كبيرا خلال فترة تبعيتها لمحافظة الجيزة باعتبارها محافظة سياحية من الدرجة الاولى على عكس وضع محافظة المنيا. ولحل المشكلات التي ظهرت في عدد من المناطق التي أعلن تغيير تبعيتها، تم تعديل حدود 4 محافظات، وهي: الجيزة و6 أكتوبر وحلوان والفيوم، وذلك بضم مركزي الصف و أطفيح إلى محافظة حلوان بدلا من الفيوم، وضم مركزي العياط والواحات البحرية إلى محافظة 6 أكتوبر. وكانت العياط تابعة للفيوم في القرار الجمهوري، وكانت الواحات البحرية تابعة لمحافظة المنيا. ووفق هذا التعديل أصبحت محافظة الجيزة تضم سبعة أحياء هي: الدقي والعجوزة وشمال وجنوب الجيزة والعمرانية والهرم وبولاق الدكرور إلى جانب الوراق التي سيتم تحويلها إلى حي مستقل، أما محافظة 6 أكتوبر فتضم كلاً من أبو النمرس والبدرشين والحوامدية ومنشأة القناطر وكرداسة و أوسيم ومدينتي 6 أكتوبر والشيخ زايد والمنطقة الصناعية والمنطقة الاستثمارية والواحات البحرية. وقد لوحظ الغياب التام للقيادات النسائية في حركة المحافظين الأخيرة، رغم الوعود والقرارات المتعلقة بتمكين المرأة سياسياً وإداريا،ً وآخرها المؤتمر الثامن للمجلس القومي للمرأة، الأمر الذي دفع الدكتورة فرخندة حسن الأمين العام للمجلس، للإعراب عن حزنها الشديد لعدم وجود أية سيدة ضمن قائمة المحافظين الجدد.التعديلات الإدارية الجديدة بين التأييد والمعارضةأثارت حركة المحافظين والتعديلات الإدارية الجديدة حالة من الجدل والانقسام بشأنها، حيث رأى المؤيدون أنها تعزز مبدأ اللامركزية الذي بدا أن الحكومة تتجه نحوه بقوة، وأنها تنسجم مع قانون المحليات الجديد المزمع طرحه على الدورة الجديدة لمجلس الشعب من أجل إقراره، والذي يعزز من صلاحيات المجالس المحلية المنتخبة مؤخراً وسيطر الحزب الوطني الديمقراطي على غالبيتها الساحقة، علاوة على أن التقسيم الإداري الجديد يعكس الرغبة في إعادة تخصيص الموارد وتوزيعها على مختلف مناطق مصر، وهو الأمر الذي جسده إنشاء محافظتين جديدتين في المناطق والمدن الجديدة. ومن الجدير بالذكر أن اللامركزية الإدارية يقصد بها إعادة توزيع السلطة، والمسئولية والموارد المالية لتقديم الخدمات العامة بين مستويات الحكم المختلفة. وتتضمن نقل مسئولية التخطيط والتمويل والإدارة لوظائف عامة محددة من الحكومة المركزية وهيئاتها لفروع الهيئات الحكومية والوحدات التابعة أو مستويات الحكم والهيئات العامة شبه المستقلة أو البلديات على مستوى إقليمي أو وظيفي. كما أن القرار يهدف لإعادة توزيع السكان بالعاصمة التي يقطن بها نحو 8 ملايين مواطن وفقا لتعداد 2006، بالإضافة إلى وجود نحو 5 ملايين مواطن يتنقلون من القليوبية والجيزة للعاصمة بحثا عن العمل والخدمة الأفضل، مما أدى إلى تفاقم مشكلات العاصمة التي حان الوقت لإعادة تخطيطها. ولهذا فإن إنشاء المحافظتين الجديدتين يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح وفقا للمؤيدين، يجب أن تتلوها خطوات أخرى لإعادة تقسيم المساحة الكلية للجمهورية إلى العديد من المحافظات مثل وسط سيناء ومنطقة توشكي، التي يمكن تقسيمها إلى محافظة أو محافظتين حسب الهيكل التنظيمي الخاص بها. وعلى الجانب المقابل أبدى خبراء من مختلف التخصصات معارضتهم للتقسيمات الإدارية الجديدة واستحداث محافظتين جديدتين، إذ رأى خبراء التنمية الزراعية والمياه أنها ستؤدي إلى تهميش مشروعات التنمية المستقبلية والمشروعات القومية الكبري، لافتين إلى أنها قد تكون مستوحاة من مقترحات الدكتور فاروق الباز العالم المصري في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) سابقا، والخاصة بإيجاد محاور للتنمية العرضية للمحافظات، رغم أنها تتجاهل استحداث محافظات تخدم التنمية في المناطق الصحراوية. كما أن استحداث محافظتي حلوان والسادس من أكتوبر، سيؤدي إلى زيادة مشاكل القاهرة، لاسيما وأن الدراسات الإستراتيجية تؤكد حاجة مصر إلى عاصمة جديدة تبعد عن القاهرة بأكثر من 400 كيلو متر، بهدف إيجاد مجتمعات عمرانية جديدة ومشروعات تنموية تجتذب التجمعات السكانية من الوادي والدلتا بدلاً من تركيز الكثافة السكانية فيها. وفي السياق ذاته، اعتبر عدد من أساتذة الهندسة والتخطيط العمراني قرار إنشاء المحافظتين محكوماً بالرؤية الإدارية فقط، دون رؤية سياسية واضحة، رافضين اتخاذه دون مشاركة الحكم المحلي وبعض الجهات الشعبية ومروره على مجلسي الشعب والشورى. ولمواجهة جوانب القصور سالفة الذكر، اقترح البعض الاهتمام بالمحافظات الحدودية، إذ يمكن تقسيم محافظة مطروح إلى محافظتين، والصحراء الغربية إلى محافظتين أيضاً بدلاً من محافظة الوادي الجديد التي تشغل حالياً 60% من مساحة مصر، وتقسيم محافظة الوادي الجديد إلى محافظتين بدلاً من واحدة، وإضافة محافظة في وسط سيناء بهدف استغلال مبدأ اللامركزية الذي تتبناه الدولة لتحقيق الاستفادة من المزايا النسبية بكل محافظة، وتحويل مشروع توشكي إلى محافظة لزيادة معدلات التنمية به، علاوة على ضرورة شمول التقسيم الإداري لمحافظات الصعيد لضم منافذ جديدة لها على البحر الأحمر لزيادة معدلات التنمية بها، بالإضافة إلى إنشاء محافظة جديدة على الحدود السودانية تضم منطقة مرسى علم وحلايب وشلاتين وأبورماد ورأس بناس. ومن ناحية أخرى فقد اتفق على أن استحداث محافظتين جديدتين وتعديل حدود أربع محافظات جاء فجائياً وعشوائياً وصدر بشكل فوقي بدون دراسته أو عرضه على القوى السياسية أو المتخصصين، وكان يجب على الحكومة طرح هذه القرارات قبل إصدارها للحوار المجتمعي للوصول إلى توافق عام بشأنها، وهو الأمر الذي نفاه الدكتور أحمد درويش وزير الدولة للتنمية الإدارية بتأكيده أن القرارات لم تكن فجائية أو عشوائية وأنه تم إجراء دراسة استمرت 9 شهور بواسطة شركة عالمية متخصصة في التنمية المحلية لدراسة الحدود الإدارية للمحافظات. وثمة من يبرر معارضته بأن استحداث محافظتين جديدتين باستقطاع ضواحي بكاملها من القاهرة يهدف إلى تسهيل السيطرة الأمنية على العاصمة، سواء بفصل كثير من التجمعات العمالية الصناعية أو بزيادة القدرة على تركيز إجراءات الأمن في مناطق الاحتجاج السياسي بقلب القاهرة، بدليل طلب وزارة الداخلية زيادة موازنتها عن السنة المالية الجديدة بمبلغ 364 مليون جنيه لتغطية تكاليف إنشاء مديريتى أمن جديدتين في المحافظتين الجديدتين.متحفظونأما الاتجاه المتحفظ، فقد عبرت عنه مواقف رجال الأعمال والمستثمرين، فرغم ترحيبهم بإنشاء محافظتي حلوان و6 أكتوبر، وتعديل حدود بعض المحافظات، لما سيترتب عليه من انعكاسات إيجابية، إلا أنهم أبدوا مخاوفهم من عدم حصد ثمارها، نتيجة لعدم تفعيل القرارات التي تتلاءم وطبيعة الاستثمار أو اختيار شخصيات غير متخصصة في الاستثمار ومعوقاته، إضافة إلى استمرار الفساد والبيروقراطية التي صارت سمة المحليات. لم يقتصر الجدل بشأن التعديلات الإدارية الجديدة على الخبراء والمتخصصين فحسب، بل امتد أيضاً إلى مجلس الشعب الذي شهد مناقشات ساخنة حولها، حيث اتهم النواب الحكومة برفع معلومات مضللة إلى الرئيس مبارك جعلته يصدر قراراً رئاسياً بتقسيم محافظتي القاهرة والجيزة، بما لا يتلاءم مع مصالح المواطنين وعلاقتهم الإدارية بالمناطق التي يقيمون فيها ومقار المحافظات التي ضمُّوا إليها، بدليل اضطرارها إلى تعديل القرار الرئاسي بعد 24 ساعة من العمل به، مشيرين إلى وجود صعوبة شديدة في تقسيم القرى والمدن طبقاً للقرار المعدل. وهي الاتهامات التي دافع عنها وزير الإسكان المهندس أحمد المغربي بتأكيده أن التعديلات لم تكن وليدة اللحظة، وسبق دراستها طويلاً عن طريق الوزارة وهيئة التخطيط العمراني.النتائج المترتبة على التعديلات الإدارية الجديدةثمة مجموعة من النتائج المترتبة على التقسيمات الإدارية الجديدة واستحداث محافظتي حلوان والسادس من أكتوبر، يمكن رصدها على النحو التالي: - إجراء تعديلات على قانوني مجلسي الشعب والشورى بشأن تحديد الدوائر الانتخابية بعد إنشاء المحافظتين، وإنشاء دوائر جديدة فيهما وأيضاً إلغاء التداخل الموجود حالياً. - أصبح إقليم القاهرة الكبرى مكوناً من 5 محافظات، الأمر الذي يتيح الفرصة لدعم الخدمات والمرافق وتزايد الاستقلالية في اتخاذ القرار وتنفيذه في الإقليم. - سحب الظهير الصحراوي عن محافظتي القاهرة والجيزة، حيث توقفت حدود محافظة القاهرة عند الطريق الدائري جنوباً وشرقاً وشمالاً ونهر النيل في الغرب، وبالتالي باتت بلا أي ظهير صحراوي، الأمر الذي يجعلها غير جاهزة للتوسع الرأسي، مما يدفع الشباب إلى الهجرة منها للإقامة في المدن الجديدة، أما محافظة الجيزة فقد اختفت مساحتها الصحراوية نهائيا، حيث حرمتها محافظة 6 أكتوبر من كل امتدادها الطبيعي جنوباً وغرباً، ونتج عن ذلك طبقا للقرار الجمهوري امتداد حدود محافظة 6 أكتوبر حتى حدود محافظات القليوبية والمنوفية والبحيرة شمالاً ومطروح غرباً وبني سويف جنوباً ونهر النيل شرقاً، الأمر الذي سيترتب عليه عدم امتلاك محافظة الجيزة أي مساحات خلاء تصلح للبناء، وبالتالي لم يعد أمام أبنائها سوى الخروج إلى المدن الجديدة كما هو الحال في محافظة القاهرة. ومن هنا فقد ارتفع عدد المحافظات التي بلا ظهير صحراوي إلى 4 محافظات بدلا من 2 هي المنوفية والغربية والقاهرة والجيزة. - ضرورة إدخال تعديلات في الموازنة العامة للدولة لتدبير الأموال اللازمة لإنشاء المقار الإدارية وفروع لجميع الوزارات في المحافظتين الجديدتين، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الأعباء المالية والإدارية في جميع القطاعات خاصة الصحة والتعليم والإسكان والزراعة وحتى المرافق الخدمية من كهرباء ومياه وصرف صحي وري. - إعادة هيكلة الإجراءات الإدارية المركزية بالقاهرة، بسبب نقل تبعية القطاعين الجنوبي والشرقي إلى محافظة حلوان وما يتبعه ذلك من نقل مواقع الخدمات الإدارية والاجتماعية وغيرها من القاهرة إلى حلوان، بجانب إعادة النظر في التقسيمات الجديدة للقاهرة بعد التعديلات الأخيرة، حيث ستحتاج محافظة حلوان لتنظيم جديد لها من الناحيتين الإدارية والمالية، خاصة بعد تبعية بعض مناطق القاهرة لها، مثل حلوان والتبين والبساتين، وهي الأمور التي تصب في مجملها في اتجاه تحقيق مزيد من اللامركزية الإدارية على المستوى القومي. |
||||||||
|
علق على المقال نسخة الطباعة | ||||||||
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037 فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023 |