|
أثار قرار اشرف زكى نقيب الممثلين المصريين فى 5 أبريل الماضى، و الخاص بعدم التصريح للفنانين العرب إلا بعمل واحد فقط فى العام، موجة من المناقشات حول تأثير القرار على دور الفن المصرى، ومدى إفادته فى علاقات مصر العربية التى تتجه نحو مزيد من تحرير تجارة الخدمات فى كافة المجالات.
وفى مواجهة موجات الاحتجاج والرفض التى قوبل بها القرار فى صيغته الاولى ، فسر نقيب الممثلين المصريين دوافع القرار بقوله انه تقرر وقف جميع تصاريح العمل بالتمثيل للمصريين والعرب على حد سواء، لأن بعض المنتجين لم يعملوا بقرارات النقابة التي تلزمهم باستخدام خريجي المعاهد والأكاديميات الفنية ولجأوا إلى تشغيل أقاربهم ومعارفهم وأصدقائهم. أما بالنسبة للفنانين العرب فيشترط عضويتهم في نقابة الفنانين ببلادهم، كما لا يسمح لأي منهم بالمشاركة في أكثر من عمل فني واحد طيلة العام، على ألا يزيد عدد الممثلين العرب في العمل عن اثنين فقط حتى تتاح الفرصة للمئات من أعضاء النقابة الذين لا يجدون عملاً بسبب تزايد أعداد الفنانين العرب خلال الأعوام الماضية. وفي حالة عدم الالتزام بهذا القرار فإن النقابة سوف تستخدم ميزة الضبطية القضائية على من يقرر المخالفة، وأن النقيب سوف يقوم بنفسه بالتفتيش على مواقع التصوير لضبط المخالفين.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن النقيب فجر مفاجأة أخرى في مؤتمره الثاني، حيث أكد على أن النقابة ستطلب مشاهدة الأعمال الجديدة، وذلك للتأكد من عدم تسرب وجه جديد إلى الشريط، وهو ما يعد دورا رقابيا جديدا. وفي حال تطبيق هذا الطلب، فإن اعتراضات المنتجين والمخرجين، لن تتوقف.
الخطاب الدفاعى لنقيب الممثلين
وفى مواجهة الاعتراضات الكثيرة التى واجهت القرار ، تضمن خطاب نقيب الممثلين النقاط الآتية:
1 ـ أن القرار جاء بإجماع مجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية المصرية، وليس نابعا عن إرادة منفرة، ولكن جاء ليضع ضوابط معينة تحمى الجميع خاصة وأن هوليوود الشرق لا تستطيع غلق أبوابها أبداً في وجه الفنانين العرب، لكنها سترحب فقط بمن هم نجوم في بلادهم. أما عن صناعة نجوم عرب جدد، فهو عبء يلقى على كاهل الممثلين المصريين الذين سيفتقدون الفرص الجيدة.
2 ـ أن نقيب الممثلين المصريين لا يستطيع منع أي ممثل عربي موهوب من العمل بكثرة في مصر، والقرار لا يمثل تأميمًا للفن المصري أو تضييقًا على بعض الفنانين العرب، وإنما مجرد تقنين لأوضاع مهنة التمثيل ومحاولة المساعدة على تفريخ مواهب جديدة تحظى بفرص عمل بدلاً من منحها لآخرين.
3 ـ أن اللجوء إلى هذا القرار جاء بعد اتجاه معظم المنتجين والمخرجين للاستعانة بالفنانين العرب في كافة الأعمال مما قلل من شأن الممثل المصري، لذلك صدر القرار بهدف حماية حقوق الفنانين من الدخلاء على المهنة سواء كانوا مصريين أو عرب، وحتى تتاح الفرصة أمام الفنانين النقابيين وأصحاب الموهبة الحقيقية.
مؤيدون مصريون وعرب
كان من الطبيعى أن يؤيد بعض الفنانين ، مصريين وعرب ، مثل هذا القرار. وجاءت حجج الفنانين المصريين على النحو التالى:
ـ أن القرار سليم جدًا، لأنه سوف يفرض ضوابط وقواعد تنظيمية علي المنتجين والمخرجين الذين باتوا يفضلون الاستعانة بالفنانين العرب في مختلف الأدوار. في الوقت الذي يوجد فيه فنانون أكاديميون وموهبون يستطيعون تقديمه. ولا يعني ذلك - طبقا لوجهة نظر هذا الفريق - أنهم ضد مشاركة الفنانين العرب في الأعمال المصرية ولكن لابد من حدوث توازن.
2 ـ أن القرار لم يصدر اعتباطًا ولا هزليًا، ويهدف لتوفير فرص عمل لمصريين لم تتح لهم الفرصة حتى الآن، والذين يعانون من البطالة منذ فترة طويلة بعد أن أصبحت معظم شركات الإنتاج ترشح فنانين وفنانات عرب في كل الأدوار.
3 ـ أن القرار ذو طبيعة تنظيمية لضبط حركة المشاركات الفنية وهو عبارة عن إجراءات نقابية لا تعني التقييد بصورة مطلقة، وانما مجرد تحديد عدد معين من الأعمال.
4 ـ ان هدف القرار هو التصدى لهوجة الاستعانة بوجوه من لبنان وسورية وتونس والمغرب للعمل في السينما والدراما المصرية, وهى وجوه ليست نقابية فى بلدانها، ولكنها أثرت على فرص الفنانين المصريين، وان وظيفة النقابة المصرية ان تحافظ على كيان الممثل المصري، وانه من الظلم أن يأتي نجوم من العرب ويصبحوا أبطالا، في حين يتحول النجوم المصريين إلى نجوم صف ثان وثالث.
5ـ أنه من الضرورى حصول أي فنان أو فنانة علي تصريح لمزاولة المهنة.
رأى المؤيدين من الفنانين العرب
جاء رأى بعض الفنانين العرب مؤيدا لقرار نقيب الممثلين منهم نقيب الممثلين السوري صباح عبيد واللبناني أنطوان كرباج معتبرين أن من حق النقيب المصري اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة لمصلحة الفن والفنانين المصريين. وكان من جملة ما ذهب إليه بعض الفنانين العرب في تأييد القرار ما يلي:
أ ـ أن هناك بالفعل فوضي موجودة حاليًا في الاستعانة بالفنانين والفنانات العرب في أعمال فنية مصرية. وكان لابد من هذه الوقفة ضد أنصاف الفنانين والدخلاء، وليس ضد النجوم العرب الذين اثبتوا مكانتهم على الساحة المصرية.
ب ـ أنه يفضل أن يتم إلحاق هذا القرار بملحق آخر لتقنينه، بحيث يتم إعطاء تصريح للممثلات أو الممثلين العرب إذا كانت الشخصية التي يقدمونها في العمل الفني تناسبهم ولا تستطيع الممثلة المصرية أن تؤديها بإقناع.
ج ـ بعد إصدار هذا القرار أصبح الواقع يقول أن المسئولية لا تقع علي الفنان أو الفنانة العربية ولكن علي شركات الإنتاج التي تتعامل معهم، فهي لابد أن تجتمع لمناقشة النقيب في القرار ولإيجاد صيغة ترضي كل الأطراف فالشركات المنتجة لابد أن تقف بجانب الفنان العربي سواء السوري أو اللبناني أو التونسي أو المغربي إذا كانت تريد أن تتعامل مع النجوم العرب ولا تترك النجم يناضل في الملعب بمفرده.
د ـ أنه لابد من حصول الفنانين العرب على عضوية النقابة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن مصر مهد الفن والحضارة وتعمل علي احتضان واستقبال المواهب الحقيقية منذ قديم الأزل.
معارضون ولأسباب مختلفة
وصف الفريق المعارض قرار زكي بأنه ضد التوجه المصري، وضد المصلحة العليا لمصر، بأن تكون ساحة انطلاق للفنانين العرب سواء في الغناء أو في التمثيل أو أي فن آخر. خاصة وأن مهنة التمثيل ترتبط بها عدة مهن أخرى يستفيد منها الآلاف من العاملين المصريين. ومن ناحية أخرى، أعلنت غرفة صناعة السينما احتجاجها الرسمي علي قرارات نقيب الممثلين، وطالب أعضاؤها النقيب بتقديم اعتذار رسمي والعدول عن قراراته، كما هددوا بمقاضاته. وأكدت الغرفة في بيان لها بترحيبها بكل الفنانين العرب في مختلف المجالات علي أرض مصر التي كانت ومازالت وطنهم الكبير.
تضمنت حجج الفريق المعارض ما يلي:
1 ـ أن القرار خطأ يجب الرجوع عنه فورًا لأنه ضد مصلحة مصر التي لها الريادة في المنطقة العربية كلها، وانه من الخطأ ايضا وصف وجود الفنانين العرب فى مصر بالسينما والدراما المصرية بأنه احتلال فني.
2 ـ أن وجود فنانين عرب أمر ضروري، وأن هذا القرار لو تم تطبيقه بحذافيره سيحرم مواهب كثيرة من التمثيل، خاصة وأن عامل الحسم في اختيار الفنان للعب دور معين هي موهبته التي تفرض نفسها وليست الجنسية التي ينتمي إليها، فالفن ليس وظيفة حتى نتحدث عن البطالة وتوفير فرص العمل فيه, ويعتمد أساسًا على الموهبة التي يجب ألا تكون مقيدة بجنسية.
3 ـ أن القرار يتدخل فى عمل المنتجين وصناع السينما ويثير إشكالية المدى الذى تستطيع فيه النقابة الوقوف أمام رغبة المنتج الذي يريد فنانا ما؟ ، فضلا عن أنه من الصعوبة بمكان أن يفرض أحد على أي مخرج اختياراته للممثلين أو جنسياتهم أو يقول له إن هذا الدور انسب لفنانة مصرية أو لبنانية.
4 ـ أنه في الوقت الذي تقترب فيه الشعوب العربية من بعضها وكسر الحواجز العديدة التي صنعتها السياسة، يأتى القرار ليفتِّت وحدة الفنانين العرب، ويعرقل الوجوه الجديدة.
5 ـ أنه إذا كانت القضية مرتبطة باعتبارات اقتصادية فهناك حلول عملية أكثر عملية لمصلحة الفنانين المصريين مثل: رفع الحد الأدنى للأجور وخفض ساعات العمل وزيادة مخصصات النقابة من 2 إلى 5 % لمواجهة المرض والشيخوخة.
وفى ضوء هذه الحجج الكلية عبر بعض الفنانين العرب عن معارضتهم للقرار من زاوية أن هناك حالة من الإخاء والتعاون الدائم بين الفنانين السوريين وأشقائهم في مصر تمتد لسنوات بعيدة حسب تعبيرات المخرج السورى هيثم حقى. ونظرا لأن جهات الإنتاج في مصر خاصة, وفي الوطن العربي عامة, تابعة للقطاع الخاص فهي التي تسعى إلى الفنانين العرب بعد أن قدموا أعمالا شديدة التميز في بلدانهم، فالإبداع لا يعرف جنسا وليس له وطن.
تدخلات رسمية حذرة
جاء الموقف الرسمى ممثلا فى وزارة التجارة و الصناعة ووزارة الثقافة متحفظا على القرار وداعيا إلى التراجع عنه. فمن جانبها تحفظت وزارة التجارة والصناعة على القرار واعتبرت أنه يعوق المفاوضات الجارية حاليًا، حول تحرير مختلف القطاعات الخدمية بين مصر والدول العربية، وعلى مشروع إنشاء سوق عربية مشتركة. كما اعتبرت الوزارة أن القرار يتناقض وما انتهجته مصر في إطار منظمة التجارة العربية، إذ تضمن جدول الالتزامات منح معاملة تفضيلية حصرية لاتفاقات الإنتاج المشترك، في مجال الخدمات السمعية والمرئية الموقعة بين مصر وسوريا والجزائر والعراق والأردن والمغرب وعمان وتونس والإمارات ولبنان. فهذه الاتفاقات تلزم مصر بعدم التمييز في المعاملة بين أعمال الإنتاج المشترك مع هذه الدول، وأي أعمال مصرية، وقد يتطلب تنفيذ هذه الاتفاقيات استقدام فنانين عرب للعمل جنبًا إلى جنب المصريين، لذلك يعتبر تسهيل مزاولة فناني العرب نشاطهم في مصر عنصرًا أساسيًا لضمان تطبيق الاتفاقات، ما دام ذلك لا يتعارض وقوانين العمل المصرية. كما أن مصر سبق وأن تقدمت بطلبات إلى الدول العربية، لفتح أسواقها لخدمات عرض وتوزيع الأفلام السينمائية المصرية، وتملك وإدارة دور العرض، وأن استجابة الدول العربية للطلبات المصرية في هذا الشأن، باتت صعبة بعد صدور قرار نقابة المهنالتمثيلية. كما أن القرار لا يتفق والتوجه العام للحكومة في تشجيع التجارة العربية البينية في مجال الخدمات، كخطوة أولى لإنشاء سوق عربية مشتركة، وسعى مصر لإتاحة الفرصة لانتقال العمالة بصفة مؤقتة للعمل في مختلف القطاعات الخدمية بالدول العربية، والتي قد تتأثر سلبًا نتيجة لهذا القرار.
أما وزير الثقافة، فقد عقد اجتماعًا مع أمين عام المجلس الأعلى للثقافة وأعضاء مجلس إدارة غرفة صناعة السينما ونقابة المهن التمثيلية، وانتهي الاجتماع باتخاذ قرارات تضمنت أن تكون هناك استثناءات في حالة إصرار المنتج على فنان معين يرى أنه الأصلح للدور مثلما حدث في مسلسل أسمهان الذي يشارك فيه بالتمثيل 50% مصريون و50% عرب، وهو ما يعطي مرونة في التعامل مع هذا القرار بمنطق الاستثناء الضرورى الذي يعتبر تراجعًا غير معلن حفاظًا على ماء وجه نقيب الممثلين.
وأكد وزير الثقافة أنه ليس من حقه التدخل في مثل هذه الأمور لأنها تخص نقابات لها حريتها وهي تعرف كيف تدير شئونها جيدًا، ولكن أن يصل الأمر إلى تعدي الأمر على المستوى العربي وإمكانية حدوث مشاكل لها بعد عربي، فهنا لابد من أن يتدخل لإصلاح الأخطاء أيا كان حجمها وأيا كان سوء التفاهم فيها، خاصة أن القاهرة عاصمة العالم العربي الثقافية والفنية والسياسية، وأنه لابد من الحفاظ على الممثل المصرى كتاريخ وكواجهة لها تأثيرها في العالم العربي، ولكن هذا لا يمنع من وقوفنا بجانب الفنان العربي وهو الدور الذي تلعبه مصر من زمن طويل.
وفي هذا الاجتماع أكد ممثلو غرفة صناعة السينما أنهم ضد القرار، وليس ضد النقيب، لأن القرار يشوه الوسط الفني إجمالاً والمنتجين بشكل خاص. وأنهم كجهة إنتاجية أكثر حرصا على عدم وجود مشاكل على الساحة الفنية.
المخرج
وفي خطوة متوقعة من قبل الكثيرين، تراجع نقيب الممثلين عن قرار منع الفنانين العرب في المشاركة في أكثر من عمل. فنى واحد فى العام. إذ أصدر مجلس النقابة قرارين أعادا الهدوء فى الساحة الفنية، وهما:
1- منح النجوم العرب الذين أثروا الشاشة المصرية والعربية بأعمال متميزة بأن يحصلوا علي عضوية منتسبة من نقابة الفنانين المصريين. أما بالنسبة لغير هؤلاء النجوم فالوضع سيظل علي ما هو عليه حيث سيحظر مشاركة المجهولين أو أولئك الذين لا يحملون عضوية النقابات الفنية في بلدانهم من العمل في القاهرة.
2- دعوة النقابات العربية لاجتماع في القاهرة من أجل وضع المعايير والنظر في اللوائح التي من شأنها تنظيم التعامل مع الفنانين العرب في مختلف العواصم مع تذليل العقبات التي تقف في وجه أصحاب المواهب الحقيقية.
وبذلك أسدل الستار على واحدة من الأزمات الفنية التى اختلطت فيها معايير الاقتصاد بالسياسة على نحو كبير.
|