كيف تفاعل المصريون مع دعوة إضراب 6 أبريل ؟

محمد عز العرب

‏العدد8‏:26ابريل2008
أثار إضراب 6 أبريل 2008 جدلا مجتمعيا وسياسيا وإعلاميا بل ودينيا واسعا في الساحة المصرية، سواء من حيث القوى الداعية إليه أو المناخ العام الذي ظهر فيه أو النتائج المترتبة عليه.. فقد جاءت الدعوة للإضراب من عمال مصنع الغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى في مارس الماضي لمطالبة الحكومة بتحسين أجورهم وأوضاعهم المادية وسائر شروط العمل. ورغم ذلك، لا يوجد لاعب رئيسي وحيد دعا إلى إضراب 6 أبريل، حيث اتخذ الإضراب صيغة شعبية وليست نخبوية شارك فيها الطلاب وأساتذة الجامعة والعمال والمهنيون والموظفون وربات البيوت. وفي مرحلة لاحقة، انضمت إلى الدعوة عدة حركات سياسية احتجاجية معارضة وأحزاب تحت التأسيس وفعاليات شبابية اخرى .
بيئة الإضراب
لم يكن إضراب 6 أبريل وليد لحظة حدوثه وإنما سبقته إضرابات عدة، حيث تصاعدت الإضرابات الجزئية في مصر مؤخرا كأحد الظواهر الجديدة، بقصد ممارسة الضغط والتأثير في الحكومة والاستجابة للمطالب الفئوية للمضربين، وهو ما يشير إلى أن النشاط المطلبي للمصريين- من واقع المشاهدة المباشرة- تزايد بصورة واضحة، رغم أن الإضراب كثقافة سائدة أو كحركة منظمة لا تعد متبلورة في الذهن الجماعى المصري العام باستثناء ما يتعلق بوضع العمال، وذلك لاسباب تاريخية. ووفقا لبعض التقديرات ، شهدت مصر ما يقرب من 228 وقفة احتجاجية وإضرابا في عام 2006 ، في حين بلغ عدد الاحتجاجات والإضرابات في عام 2007 ما يقرب من 240 احتجاجا. وفي الشهور الماضية، برزت إضرابات مختلفة قام بها العمال وموظفو الضرائب العقارية وأساتذة الجامعات والأطباء للمطالبة بتحسين أوضاعهم المادية وظروفهم المعيشية، وهو ما يعرف بنظرية العدوى أو نموذج كرة الثلج. ومن ثم، فإن هناك توافقا عاما بشأن السبب الرئيسي للإضراب وهو مصالح ومطالب ذات طبيعة اقتصادية تخص العمال كشريحة اجتماعية في المقام الأول بخلاف فئات اجتماعية أخرى تدخل جميعها تحت سقف الطبقة الوسطى التى باتت تعانى كثيرا نتيجة ارتفاع الأسعار وموجة الغلاء التى شملت كل شئ، حيث أن ارتفاع الأسعار لم يواكبه زيادة في الدخول والمرتبات. كما أن معدلات التضخم وصلت إلى 16 في المائة خلال مارس الماضي، مع الأخذ في الاعتبار أن ظاهرة ارتفاع الأسعار اتخذت بعدا عالميا وتزايدت حدتها في الدول الغنية والمتقدمة ايضا ولكن بدرجة اقل مما حدث فى البلدان المتوسطة والنامية. لكن المعضلة الواضحة في الحالة المصرية أنها تزامنت مع مشكلات داخلية. وبالتالي فإن الضغوط المجتمعية والأزمات الاقتصادية وفق مفهوم الحرمان النسبي سهلت تحفيز البعض للمشاركة في الإضراب سواء بشكل سلبي أو إيجابي.
أشكال الإضراب
وبوجه عام، لم يتعامل المصريون مع الإضراب الفائت وفق شكل واحد بل حمل أشكالا مختلفة منها: البقاء في المنزل وعدم النزول للشارع، وتعليق علم مصر فوق الشرفات ، وارتداء الملابس السوداء وهو ما عرف بدعوة خليك بالبيت، والاتجاه إلى عدم شراء السلع ومقاطعة المنتجات المختلفة، وإضراب بعض عمال المحلة عن العمل والمطالبة بوضع حد أدنى للأجور، والقيام بمظاهرات سلمية في بعض الميادين الرئيسية بالقاهرة ومحافظات مختلفة، وهو ما يشير إلى اختلاف أشكال التجاوب لدعوة الإضراب وفقا لإدراك كل فئة لمعنى الإضراب ووظيفته. أما بالنسبة للمشاركة المجتمعية في الإضراب فقد كانت محدودة بحيث صار الهدوء الملمح المميز لحركة الشوارع الرئيسية في العاصمة القاهرة ، كما أغلقت بعض المحال التجارية وبدا أن التعقيدات المرورية لا وجود لها، وأصبح التواجد في وسائل النقل العام ومحطات المترو الرئيسية محدودا، ولم تظهر حركات احتجاجية باستثناء تظاهرة أمام نقابة المحامين وسط القاهرة، وصدام بين قوات الأمن وأكثر من 500 عامل بشركة النقل النهري أمام وزارة القوى العاملة.
الموقف الرسمي
فى مرحلة ما قبل الإضراب، حيث أصدرت وزارة الداخلية بيانا توعدت فيه من أسمتهم محترفي الإثارة والتيارات والقوى غير المشروعة باتخاذ إجراءات فورية وحازمة لمواجهة أية محاولة للتظاهر أو تعطيل المرور أو إعاقة العمل في المرافق العامة أو التحريض على أي من هذه الأفعال ووصف البيان الإضراب والدعوة إليه بأنه مؤثم قانونا. وفيما بعد الإضراب، وما شهدته مدينة المحلة الكبرى من مصادمات بين فئات من المواطنين ليسوا محسوبين على العمال الذين تحصنوا فى مصانعهم، وقوات الأمن وما حدث من أعمال تخريب مقصودة، ارتكز موقف الحكومة على التفرقة بين العمال الذين وصفوا بالشرفاء والفئة الخارجة على القانون. واتجهت الحكومة إلى مكافأة العمال عبر محاولة تقديم وتنفيذ بعض المطالب المحدودة لهم، وهو ما تجسد في الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء د. أحمد نظيف ومجموعة من الوزراء في أعقاب أحداث المحلة بناء على تعليمات رئاسية، وتم اعتماد منحة لجميع عمال قطاع النسيج وشهر مكافأة لعمال غزل المحلة وصرف شنطة تموينية مدعمة وزيادة رواتب العاملين ابتداء من يوليو القادم. وفى إطار المواجهة الأمنية، قامت أجهزة الأمن باعتقال كل من جورج اسحاق منسق حركة كفاية ووجهت إليه تهم الدعوة إلى الإضراب، وبعد التحقيق معه لعدة أيام أفرج عنه بكفالة نظرا لكبر السن. كما قامت أجهزة الأمن باعتقال إسراء عبد الفتاح، وهى فتاة لم تتجاوز الثلاثين من العمر ووجه إليها الاتهام بالدعوة إلى الإضراب عبر مدونة لها فى موقع فيس بوك الشهير على شبكة الإنترنت، وهى المدونة التى استقطبت عددا كبيرا من المؤيدين لدعوة الإضراب وصل إلى حوالى 60 ألف شخص، وكانت مدونات أخرى لشباب آخرين شاركوا فى تأييد الدعوة للإضراب. وقد اصدر النائب العام قرارا بالإفراج عنها بعد أربعة أيام من اعتقالها، غير أن الإفراج عنها تأخر 18 يوما، حتى 24 أبريل 2008.
مواقف القوى السياسية
تباينت مواقف الأحزاب السياسية من المشاركة في إضراب 6 أبريل. ، فقد نأت غالبية الأحزاب السياسية ومنها أحزاب الوفد والتجمع ومصر 2000 والخضر والدستوري الحر والغد عن دعوة الإضراب واعتبرته دعوة فى غير محلها. فحزب الوفد لم يؤيد الإضراب أو المشاركة فيه وتجاهل تغطيته إعلاميا بل وصف سكرتير عام الحزب منير فخري عبد النور الإضراب بأنه عمل عشوائي. كما أعلن حزب التجمع رفضه للإضراب على لسان رئيسه، في حين دعا الأمين العام للحزب سيد عبد العال لتأييد إضراب العمال ولكنه يرفض الإضراب العام. في مقابل ذلك، شاركت بعض الأحزاب مثل العربي الناصري و الكرامة والجبهة الديمقراطية، حيث أعلن الحزب الناصري تضامنه مع الإضراب وتأييده لأساليب الاحتجاج السلمي وكان شكل التضامن معه هو منح العاملين بصحيفته إجازة في ذلك اليوم. أما حزب الجبهة فقد أعلن تضامنه الرمزي مع الإضراب دون اتخاذ إجراءات فعلية وهو ما سبب انتقادات داخلية. علاوة على ذلك، شاركت عناصر من الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية في الإضراب والتي أصدرت بيانا اعتبرت فيه 6 أبريل يوم الغضب العام وليس يوم الإضراب العام، بحيث أن الهدف ـ وفقا لنشطائها ـ جمع فكرة الغضب من موارد مختلفة في اتجاه واحد هو تصحيح الأوضاع. أما بالنسبة للقوى المحجوبة عن الشرعية القانونية، فقد أعلن بيان لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة قانونا عدم مشاركة الجماعة فى الإضراب، لكنه ترك الحرية لأعضاء الجماعة التصرف وفقا لما يرونه. وكان محمد حبيب نائب المرشد العام للإخوان المسلمين قد أعلن أن الجماعة ضد الإضراب العام ولن تسانده، أو تدعمه حرصا منها على عدم إشاعة الفوضى على حد وصفه. ووفقا لتصوره، فإن الإضراب تقرره الأمة عن طريق ممثليها من القوى السياسية والمنظمات المدنية، وبما أن الأمة لم تجتمع ولم تناقش، فليس من حق فصيل سياسي أن يفرض رؤيته وخططه على بقية القوى السياسية. وذكر هذا المعنى د.عبد الحميد الغزالي مستشار المرشد العام للجماعة بقوله أن الأخوان يؤيدون الإضراب السلمي من حيث المبدأ، لكنه اعتبر أن الإضراب العام يتطلب دراسة واعية بمشاركة جميع القوى السياسية وقرارا ديمقراطيا يحفظ مصلحة البلد.في حين أكد المتحدث باسم الجماعة د. عصام العريان أن الدعوة للإضراب جاءت من أطراف غير معروفة، وبطريقة تتسم بالعشوائية والإخوان جماعة منظمة وتأخذ قراراتها بطريقة منظمة.
مواقف الطلاب
جاءت الخبرة الطلابية فى تفاعلها مع دعوة الإضراب والامتناع عن الذهاب إلى الجامعة ذات طابع خاص، فقد حدثت مظاهرات طلابية فى جامعات القاهرة وحلوان وأسيوط، بينما شهدت جامعة الأزهر نسبة غياب مرتفعة. وكان لافتا للنظر أن المظاهرات الطلابية شهدت رفع مطالب وثيقة الصلة بالطلاب مثل الدعوة إلى تخفيض الرسوم الدراسية وأسعار الكتب الدراسية والمطالبة بلائحة طلابية اكثر ديموقراطية وتقييد نظام الحرس الجامعي.
مواقف وسائل الإعلام
اختلفت معالجات الصحف القومية للإضراب عن معالجات الصحف الخاصة والحزبية اختلافا كبيرا، فبينما أكدت الصحف القومية فشل الإضراب واستقرار الحالة الأمنية وتواصل العملية التعليمية والحركة التجارية، ذكرت الصحف الخاصة والحزبية نجاح الدعوة إلى الإضراب وإن بدرجات مختلفة، فمنها من اعتبره نجاحا جزئيا ومحدودا وبصورة ترضى جميع الأطراف، ومنها من اعتبر الإضراب حقق نجاحا مبهرا يقترب في تأثيره من ثورة 1919.
مواقف رجال الدين
وقد أثارت الدعوة إلى الإضراب جدلا فقهيا بين علماء الدين. ففي حين اعتبره د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر ويوسف البدري الداعية الإسلامي غير جائز شرعا لأنه يعمل على تعطيل المصالح العامة للمصريين وهو ما ترفضه الشريعة الإسلامية والأديان السماوية، رأى اتجاه أخر يمثله د. منيع عبد الحليم محمود ود. سعاد صالح أنه يجوز شرعا كصورة من صور التعبير عن الرأي دون الإساءة لحقوق الغير، بحيث لا يترتب على الإضراب ضرر بالنسبة للإنتاج ومؤسسات الدولة. وفي حال خروجه عن المألوف والاتجاه للتخريب والاعتداء على الملكيات العامة فهو حرام.
نتائج الإضراب
نظرا لغياب وسيلة علمية موثوق بها لقياس درجة نجاح او فشل الدعوة إلى الاضراب، فقد حدث تباين شديد فى تقدير حجم ما حدث ، وتفوقت حملة خليك بالبيت على حملة النزول إلى الشارع. لكن عدم الخروج إلى الشارع والبقاء في المنازل لا يعني بالضرورة التعاطف المجتمعي مع الإضراب والاستجابة للدعوة إليه، فهناك عامل الخوف من حدوث أعمال العنف، وهو ما اثر حسب بعض التحليلات على عزوف قطاع من المصريين عن الذهاب إلى العمل ذلك اليوم أو إرسال أولادهم إلى المدارس. علاوة على ذلك، تعاطفت الطبيعة مع دعوة خليك بالبيت حيث ساءت الأحوال الجوية وبرزت العاصفة الترابية كأحد الأسباب القوية لامتناع كثيرين عن الذهاب إلى أعمالهم يوم الاضراب. ورغم أن الطابع السلمي صار الملمح المميز للقائمين بالإضراب في بعض محافظات مصر، لكن أحداث المحلة مثلت الاستثناء لهذا الطابع، وهو ما أظهرته أعمال الشغب والتخريب لمنشآت عامة وخاصة. فقد تم إحراق بعض سيارات الشرطة وتم الاعتداء على قسم شرطة المحلة الكبرى وإيقاف القطارات القادمة من وإلى المحلة. فضلا عن إضرام النيران في بعض المدارس، الأمر الذي أحدث خسائر عديدة ومنها إحراق معمل يضم 40 جهاز كمبيوتر فضلا عن مكاتب المدرسين والفصول الدراسية. علاوة على ذلك، حدث إتلاف في خمسة فروع للبنوك الكبرى بالمدينة وهي بنك مصر ومصر للمعاملات الإسلامية وبنك الإسكندرية وبنك فيصل والوطني للتنمية. كما أسفرت الأحداث عن إتلاف ماكينتي صرف آلي يقدر ثمن الواحدة منها مليون جنيه مصري بالإضافة إلى إحراق بعض المحلات التجارية وبعض السيارات الخاصة وأعمدة الإنارة والهواتف العمومية. كما توفى شخص نتيجة إطلاق الرصاص عليه وهو في شرفة منزله، بخلاف إصابات مختلفة لأفراد الشرطة والمتظاهرين والمارة. وثمة توافق عام على رفض ما حدث، لأنه خروج عن الطابع السلمى لدعوة الإضراب نفسها، لكن ثمة اختلاف في تحديد مسئولية القائم بالحدث بحيث أن كل الاحتمالات واردة انتظارا لنتائج التحقيقات النهائية. ويعد من أبرز ما تم الكشف عنه في إضراب 6 أبريل هو ميلاد جيل جديد ينبغي الالتفات إليه، فالقائمون على أحداث العنف في المحلة تتراوح أعمارهم ما بين 18 - 22 عام، وهو ما يشير إلى أن الأجيال الشابة والتي تعاني أكثر من غيرها من حدة الأزمة الهيكلية التي تعيشها مصر، تحاول أن تعبر عن احتجاجها عبر طرق وآليات لم تكن مألوفة من قبل.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023