دروس مستفاده من أزمة الخبز

محمود حمدى أبو القاسم

‏العدد6‏:25مارس2008
فى 16 مارس الجارى عقد الرئيس حسنى مبارك اجتماعاً ضمّ وزراء الدفاع والداخلية والبترول والمالية، وأعلن خلاله تكليف جهاز الخدمة الوطنية، ووزارة الداخلية بحلّ أزمة الخبز وقال سليمان عواد، المتحدث باسم الرئاسة المصرية: أن الرئيس مبارك توجه في مستهل الاجتماع إلى الوزراء المعنيين متسائلا: أين المشكلة؟ ومن ثم خاطبهم قائلا: إن كانت المشكلة في الإنتاج، فيتعين زيادته، أما إذا كانت في التوزيع، فيجب فتح منافذ جديدة, ويجب أن نزود المواطنين بالخبز، ويجب أن تختفي الطوابير من أمام الأفران، وذكر عواد أن مبارك كان قد أمر الحكومة أيضا باستخدام بعض أرصدتها الخارجية، من أجل شراء كميات إضافية من القمح من الأسواق الدولية.
أسباب الأزمة
للأزمة فاعلين كثر أولهم الحكومة التى يقع على عاتقها توفير الغذاء لمواطنيها وتحقيق النمو الذى يستوعب الاحتياجات المتجددة داخل المجتمع, ثانيهم أصحاب المخابز ودورهم يبرز فى تقديم رغيف الخبز للمواطنين دون تلاعب فى سعره أو حجمه, وعدم بيع دقيق الشعب فى السوق السوداء, وأخر هؤلاء الفاعلين هو المواطن الذى يفترض أن يستفيد من الدعم المقدم الى رغيف الخبز وألا يسيء استخدامه, لكن الأزمة الحادة التي يواجهها المصريون في الحصول على رغيف الخبز كشفت عن دور سلبى لكل هؤلاء الأطراف أدى إلى تفاقم الأزمة: - فالحكومة أهملت التعامل مع ملف زراعة القمح فى مصر وتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه لسلعة الاستراتيجية فتجاهلت الفلاح المصرى فى الوقت الذى تدعم فيه المزارع الأجنبى حيث يتم شراء القمح بأسعار مضاعفة للسعر المحلى، وهو ما يثير علامات استفهام كثيرة, وزادت الأزمة بارتفاع أسعار الحبوب عامة والقمح خاصة على المستوى العالمى حيث ارتفع سعر طن القمح من 170دولار فى نهاية عام 2006 الى ما يزيد عن 500 دولار فى نهاية عام 2007 مما أوصل دعم القمح ليصل إلى 16 مليار جنيها ليمثل عبئأ إضافيا على الموازنة العامة، بينما كانت تفكر الحكومة فى إلغاء الدعم العينى. وأزمة الخبز بالطبع لم تكن وليدة هذه المرحلة لذا ظهر القصور فى أساليب معالجتها وظهر التخبط وفقدان الرؤية المستقبلية. كما أن الحلول التى تم طرحها أكدت فشل الجهاز الادارى فى مواجهة الأزمة وفساد المحليات وإلا لماذا تدخل جهاز الخدمة الوطنية بناءا على توجيهات الرئيس مبارك, أضف إلى ذلك أن ارتفاع الأسعار غير المسبوق وانخفاض مستوى المعيشة الناتج عن بطء عجلة التنمية أديا إلى إقبال شرائح أوسع من الشعب المصرى على الخبز المدعم, كما أن تضاعف عدد المخابز أدي لاقتطاع حصص المخابز لصالح مخابز جديدة وهو ما دفع أصحاب المخابز لتقليل حجم الرغيف تعويضاً للخسائر. - ومن جانبهم اتهم أصحاب المخابز وزارة التضامن بالمسئولية عن أزمة رغيف الخبز, وقالوا ان الوزارة تتعمد افتعال سوق سوداء جديدة للدقيق تمهيداً لإلغاء الدعم عن رغيف الخبز, كما تبدو فى الصورة عوامل متعلقة بالفساد منها عدم الرقابة على أصحاب المخابز الذين يتاجرون فى قوت الشعب ويبيعون الدقيق المدعم فى غفلة من رجال التموين أو بمعرفتهم, فبعض أصحاب المخابز يلجأون إلى تهريب الدقيق للاستفادة من الفجوة السعرية بين الدقيق البلدى والدقيق الفاخر حيث يصل الفرق إلى ما يقرب من 250 جنية فى الجوال الواحد. - أما المواطن الذى يعتبر المستفيد الأول من الدعم فان زيادة أسعار القمح عالميا أدت إلى ارتفاع أسعار ما كان يسمى بالرغيف السياحي الذي كان يباع بسعر يتراوح ما بين 10 إلى 25 قرشا, مما أدى إلى تحول نسبة كبيرة ممن كانوا يعتمدون عليه إلى الرغيف المدعم الذي لا يتجاوز سعره خمسة قروش, إضافة إلى غلاء أسعار معظم السلع الأخرى مما أثر على موازنة الأسرة المصرية التي باتت تركز على الرغيف المدعم لتقليل نفقاتها, وقد أشار برنامج الغذاء العالمى إلى أن مصاريف الأسرة المتوسطة المصرية ازدادت بنسبة 50% منذ مطلع العام الجارى, علما بان مستوى الدخل لم يطرأ عليه أى تغيير. كما أن ارتفاع أسعار بعض السلع والتى تمثل بدائل للخبز مثل الأرز والمكرونة وغيرها أدى إلى زيادة الطلب على الرغيف البلدى كما أدى ارتفاع الأسعار إلى تقديم الخبز للحيوانات كبديل للأعلاف الذى ارتفعت أسعاره ارتفاعا جنونيا مثله مثل جميع السلع فى مصر فكانت التضحية بالرغيف المدعم, حتى أصبح هناك أسواق فى كل المدن المصرية يباع فيها الخبز بالكيلو بعد تنشيفه وتعبئته فى أجولة, وهذا يفسر شراء بعض الناس لكميات كبيرة جدا تفوق احتياجاتهم اليومية بغرض الإتجار وليس الاستهلاك, كما أن هناك فئة تقوم بشراء الخبز بكميات كبيرة ثم تقوم بعد ذلك ببيعه كخبز سياحى, وكل هذا يوضح أن نسبة الهدر فى الاستهلاك عالية جدا, ففى عام 1994 كان نصيب المواطن المصرى من القمح المستخدم فى إنتاج الخبز المدعم 101 كيلو جرام, وفى عام 2008 يصل نصيب الفرد إلى 117 كيلو جرام وهو بالمعايير العالمية معدل مرتفع للغاية. جهود حل الازمة - من أجل تامين احتياجاتها من القمح تستورد الحكومة من الأسواق العالمية سبعة ملايين طن سنويا (نصف الاحتياجات) مما يجعلها من أعلي الدول استيرادا لهذا المحصول, و قد أجبر الارتفاع العالمي للأسعار، الحكومة المصرية على تخصيص ‏4.7‏ مليار جنيه لمواجهة ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية‏‏ بهدف توفير رغيف الخبز المدعوم بالسعر السائد ـ خمسة قروش للرغيف. - والأزمة لم تكن وليدة الأيام القليلة الماضية بل انتبهت إليها الحكومة منذ عام عندما طبقت مشروع فصل الإنتاج عن التوزيع وكان من المفروض أن يضمن عدم تلاعب أصحاب المخابز، وتحقيق إنتاج خبز مطابق للمواصفات من خلال ربط حصص الإنتاج بنسبة ما تسلموه من أجولة الدقيق، فإذا تسلم صاحب المخبز 10 أجولة وإنتاجية الجوال ألف رغيف.. فإن عليه أن يسلم 10 آلاف رغيف بما يعدم فرص التلاعب. فماذا حدث ؟ هذه التجربة لم تقض على التلاعب أو تهريب الدقيق المدعم, بل أصبحت المحليات هى المسئولة عن الإشراف على التوزيع, وانتقل الفساد من دائرة أصحاب المخابز إلى دائرة أصحاب النفوذ, بل لتداخل الأسباب السالف ذكرها تفاقمت الأزمة وتفجرت بتزاحم المواطنين فى طوابير لشراء الخبز وأدى التدافع إلى سقوط بعض الضحايا ليصف البعض ما يحدث أمام الأفران بحرب الخبز، ويمنح الضحايا لقب الشهداء. وقد أشارت بعض التقارير إلى سقوط 12 ضحية وعشرات المصابين. حلول ذاتية للمحافظات ولان الخبرة المصرية تزكى المخاوف من حدوث توتر اجتماعى عام، كما حدث فى يناير 1977 حين حرطت الحكومة آنذاك اسعار عدد من السلع الاساسية، فحدث مظاهرات وعمليات نهب وحرق ممتلكات عامة فى القاهرة ومدن أخرى، ونظرا لأهمية توفير الخبز للمصريين، لان البديل هو حالة من الغليان الشديد مما قد يفجر الأوضاع الداخلية، لذا لجاء القرار بمشاركة جهاز الخدمة الوطنية والشرطة لحلّ الأزمة منعا لأى توتر اجتماعى يهدد الاستقرار الداخلى. وكان الرئيس مبارك قد شدد فى الاجتماع الذى حضره وزراء الدفاع والداخلية والبترول والمالية، على المسؤولية الكاملة للحكومة والمحافظين، لإتاحة رغيف الخبز للمواطنين، وإنهاء ظاهرة طوابير الخبز، باعتبارهم الأخبر بأوضاع محافظاتهم وسبل معالجة هذا الموضوع المهمّ على مستوى المحليات, مؤكداً على أهمية توفير الاعتمادات المالية اللازمة قد جرى تخصيصها لزيادة الدعم. - بعد إعطاء الإشارة إلى المحافظين بوضع الحلول المناسبة لحل أزمة طوابير الخبز مع مراعاة ظروف محافظاتهم - وفى إطار تفعيل مشروع فصل الإنتاج عن التوزيع - أعلن محافظ الإسكندرية إنشاء مجلس أمناء لكل مخبز في المحافظة يتولي أعمال الإدارة والإشراف علي أنشطته وشدد علي أهمية فصل الإنتاج عن التوزيع لمنع تسريب الدقيق وضمان التوزيع بطريقة صحيحة. - وفي القليوبية بدأت لجان مشكلة من مديريات التموين متابعة بيع أكياس العيش في اليوم الأول من تطبيق نظام تكييس العيش وهو وضع العيش فى أكياس بواقع 8 أرغفة لكل كيس على ان تحصل كل أسرة على كيسين, ويتم خصم ثمن 2رغيف بواقع 8 قروش لصاحب الفرن و2 قرش للتموين الذى يتولى عملية توزيع الخبز قبل السادسة صباحا, وشهد أول يوم لتطبيق نظام تكييس العيش زحاما شديدا أملاً في الفوز بكيسين من الخبز، حسب الحصة التي حددتها وزارة التموين لكل أسرة وشكا الكثير من المواطنين تقليص الحصة من 20 رغيفاً إلي 16 رغيفاً فقط، بواقع 8 أرغفة في كل كيس. - وفى أسيوط تم تطبيق تجربة جديدة عن طريق تخصيص كارت لكل مواطن لشراء خبزه اليومي من المخبز أو منفذ البيع الموجود بمنطقة سكنه, و الهدف من هذه التجربة هو التيسير على المواطنين الراغبين في شراء الخبز والقضاء على ظاهرة تسرب الدقيق وبيعه فى السوق السوداء، فضلا عن المساهمة في الحد من الزحام وتوفير فرص عمل للشباب. - وفى الجيزة تقرر إنشاء 745 منفذا لتوزيع الخبز على مستوى مراكز ومدن المحافظة بمواصفات معينة مع تعيين 783 شابا من الخريجين بهذه المنافذ بمكافأة شهرية لا تقل عن 150 جنيها خلال الوردية الواحدة. - وفى مطروح قرر المحافظ تولي قوة من الأمن المركزي عملية البيع في أحد المخابز هناك، لضمان عدم تسريب الدقيق.
دروس مستفادة
المتفق عليه أن رغيف الخبز المدعم لا يقل أهمية لدى المصريين عن الماء- خاصة الفقراء الذين يعتمدون عليه بصورة أساسية فى غذائهم, فالخبز سلعة اقتصادية واجتماعية جوهرية فى حياة المصريين حتى أنهم يطلقون عليه عيش وهى تعنى الحياة, كما انه رسخ فى أذهان المصريين هذه الأهمية فأصبح من غير المقبول المساس برغيف الخبز. ويلاحظ على كل هذه التجارب أنها عممت تجربة إنتاج الخبز بالمخابز قبل بيعه بساعتين ليبدأ تشغيل المخابز اعتبارا من الساعة الرابعة صباحا بينما يبدأ التوزيع فى الساعة السادسة صباحا, وأنها شددت على الدور الرقابى ومعاقبة المقصرين من أصحاب المخابز أو المسئولين, وركزت على فصل الإنتاج عن التوزيع. والواضح ان بعض هذه الأساليب قضت على طوابير الخبز، ولكنها لم تعالج الأزمة الحقيقية حيث نفذ الخبز دون أن يحصل البعض علي احتياجاتهم مما دفعهم إلى شراء نفس الخبز المدعم ولكن بأسعار مضاعفة, حيث انتقل الفساد من المخابز, ومن الادارة الى المواطنين. كما أن تدخل جهاز الخدمة المدنية يعطى دلالات أهمها الفشل الصريح للجهاز الادارى وعدم قدرته على التعامل مع الأزمة، وفقدان الثقة فى الدور الرقابى الذى لم يُفَعل إلا بعد سقوط عدد من الضحايا. والمؤكد أن الأزمة لا تعبر عن نقص المعروض من الدقيق بقدر ما تعتبر انعكاسا لأزمة اقتصادية ضخمة يعيشها المواطن المصري, فهناك فجوة كبيرة بين الدخول وأسعار السلع, فيما يؤكد الخبراء أن معدل التضخم أكبر بكثير من الأرقام التي تعلنها الحكومة، التى ترى أن أدائها الاقتصادي قد حقق نموا يصل إلى 7% العام الماضي وهو معدل أكثر من ممتاز, ومع ذلك وجدت نفسها أمام جموع من المصريين يتقاتلون عند المخابز من اجل رغيف الخبز, ليثبتوا أن هذا النمو لم يطلهم بعد.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023