الملامح الرئيسية لانتخابات مجلس نقابة الصحفيين


محمد عز العرب

‏العدد1‏:8يناير2008
شهدت نقابة الصحفيين واحدة من أشرس انتخاباتها ، على مدار تاريخها ، لاختيار النقيب ( لمدة عامين ) وأعضاء المجلس ( لمدة أربع سنوات ) في السابع عشر من نوفمبر الماضي . ويعد هذا المجلس رقم 44 في تاريخ النقابة .
وقد تنافس على منصب النقيب أربعة مرشحين - بعد انسحاب أحد المرشحين - أبرزهم الكاتب مكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال سابقا والصحفي رجائي الميرغني مدير تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط ووكيل النقابة السابق ، وتنافس على عضوية المجلس 77 صحفيا ، منهم 13 امرأة ، اختار الصحفيون من بينهم 12 عضوا ، يمثلون من هم تحت السن أو فوق السن . وقد ترشح 17 عضوا من جريدة الأهرام و12 من الجمهورية و7 من الأخبار و3 من روز اليوسف و1 من المصري اليوم وخمسة من صحيفة العربي الناصري ، في حين ترشح الباقون عن صحف قومية وحزبية وخاصة أخرى . شهدت هذه الانتخابات إقبالا متزايدا من جانب الناخبين ، حيث بلغت نسبة التصويت 70.3 % وهي أعلى نسبة للتصويت في تاريخ نقابة الصحفيين ، بل أن معدل المشاركة في هذه النسبة يقترب من معدل المشاركة في انتخابات مجلس إدارة الأندية الرياضية ، لسبب بسيط هو قناعة الناخب (الصحفي) بجدوى صوته بل وقدرته على حسم الكفة لأحد المرشحين أي المعرفة المسبقة بنزاهة الانتخابات وسلامتها ، في الوقت الذي يصبح من المعتاد أن توجه انتقادات دورية كلما أجريت انتخابات برلمانية أو محلية أو حتى طلابية ، بتزويرها لصالح مرشح بعينه أو اتجاه سياسي محدد. ورغم تقديم بعض الطعون من جانب بعض الصحفيين وهتاف البعض بالتزوير باطل .. باطل بشأن ما تردد عن قيام عشرة من رؤساء اللجان بتسليم الصناديق الخاصة بلجانهم إلى اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات بجنوب القاهرة ، لكن الملمح العام للانتخابات هو النزاهة والشفافية . فقد أجريت الانتخابات تحت إشراف قضائي كامل منذ فتح باب الترشيح وحتى إعلان النتائج ، في صناديق زجاجية لضمان نزاهة العملية الانتخابية ، ورتبت أسماء المرشحين طبقا للحروف الأبجدية وليس تبعا للمؤسسات الصحفية كما كان في الماضي . وقد أعلنت النتائج بفوز الكاتب مكرم محمد أحمد بمنصب النقيب بفارق 1219 صوت عن المنافس الذي يليه الميرغني ، وفاز بعضوية المجلس أربعة صحفيين من الأهرام وخمسة من الأخبار وواحد من الجمهورية وواحد من الكرامة والأخير يدير مركز إعلامي وهو مركز الإعلام العربي ، بما يعني أن المؤسسات الصحفية الأهرام والأخبار والجمهورية سيطرت على ثلاثة أرباع مجلس النقابة . فقد تمخضت الانتخابات عن مجلس متوازن يمثل مختلف ألوان الطيف السياسي ، دون سيطرة تيار فكري محدد أو اتجاه سياسي معين، بحيث يكون لكل شخص الحق في اختيار النهج السياسي الذي يؤمن به ويعبر عن هذا النهج في إطار العمل المهني للنقابة دون تحويل الأخيرة مقرا للأحزاب السياسية أو الجماعات الدينية ، أو على حد تعبير نقيب الصحفيين الأسبق كامل زهيري يقلع الصحفي قبعته الأيديولوجية عندما تطأ قدميه مبنى النقابة .
برامج المرشحين
إن تحليل مضمون أو قراءة تحليلية للبرامج الانتخابية يشير إلى أن ثمة توافق عام بين معظم المرشحين سواء على منصب النقيب أو المجلس على إعطاء الأوضاع المهنية الأهمية وتقليل الاعتماد على الشعارات السياسية ، ووفقا لبعض التقديرات كانت 90 % من برامج المرشحين مهنية. وقد تمثلت أهم الأفكار التي طرحها المرشحون في النقاط التالية : 1- وحدة الصف الصحفي . استحوذ موضوع توحيد الصف الصحفي على اهتمام المرشحين وهو ما ظهر جليا في شعاراتهم الانتخابية على غرار نقابة لكل الصحفيين و نقابة موحدة في ظل التنوع و نحو نقابة مهنية لخدمة الصحفيين و معا لأجل نقابة حرة قوية و من أجل نقابة قوية تحافظ على جمع الصحفيين و مجلس قوي متماسك يساوي نقابة قوية و معا نحقق المستحيل و معا نحقق مطالبنا و لننضال معا ولنكمل كفاحنا معا و معا نحقق مطالبنا و أبسط حق لينا .. أجر عادل ونقابة تحمينا . 2- الآمان الوظيفي . إن أحد الملامح الأساسية في برامج المرشحين هو تقليل المعاناة الاقتصادية التي يمر بها الصحفيون بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة . وفي هذا الصدد يتم التمييز بين مؤسسات الشمال القومية ومؤسسات الجنوب الحزبية ، بل التمييز داخل المؤسسات القومية بين الشمال الأهرام والأخبار ودار التحرير والجنوب التعاون ودار المعارف ، الأمر الذي يتطلب دراسة حالة كل مؤسسة على حدة فيما يتعلق بأعداد الصحفيين ونسبة توزيعها وإعلاناتها ..فأحد البنود الأساسية لبرامج المرشحين هو رفع أجور الصحفيين من خلال إنشاء كادر خاص لهم تلتزم به المؤسسات الصحفية عند تعيين الصحفي ، ولا تقبل النقابة بأقل منه عند قبوله في عضويتها ، وذلك في ضوء تزايد احتياجات الصحفي المهنية .فليس من اللائق أن تكون هناك فجوة في الدخل بين مندوب الإعلانات والمحرر تصل إلى عشرات الألوف من الجنيهات . فثمة ضرورة ملحة لتحسين الأجور وصرف المكافأت التي تليق بالصحفيين وتغنيهم عن اللجوء إلى الأبواب الخلفية لزيادة دخولهم ، علاوة على رفع معاشات شيوخ المهنة. 3- الارتقاء المهني . إن أحد المطالب الأساسية للمرشحين الارتقاء بمهنة الصحافة باعتبارها مهنة تنويرية وتثقيفية تقود الرأي العام وتوجهه ، في الوقت الذي تتعرض فيه الصحافة المصرية لعوامل تعرية مختلفة تؤثر على إمكانات وقدرات الصحفيين المصريين في منافسة نظرائهم اللبنانيين والسوريين والسودانيين في الأسواق العربية ، لدرجة أن أحد المرشحات اتخذت شعارا انتخابيا لها المهنة أولا وأطلقت بعض الكتابات على المجلس المنتخب مجلس الإنقاذ ، لاسيما أن هناك خريجين من كليات غير متخصصة مثل التجارة والحقوق والآداب وغيرها ، الأمر الذي يتطلب تأهيلهم وتعلمهم أصول المهنة وقواعد الحرفة ، خصوصا أن أجيالا كاملة لم تعد تقرأ الصحف وتراجعت القدرة في أوساط الأجيال الجديدة بصورة خطيرة . وفي هذا الصدد ، برزت أفكار مختلفة من جانب المرشحين مثل توفير دورات تدريبية في الحاسب الآلي واللغات وتطوير مكتبة النقابة من خلال شراء الكتب الصادرة حديثا في مجالات الصحافة والإعلام والسياسة والاقتصاد والتاريخ والحضارة والسينما والمسرح ، والتدريب في كبرى الصحف والمؤسسات الإعلامية الأجنبية. 4- إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر ( أو ما يسمى بقضايا الحسبة السياسية ) ووقف الدعاوى العشوائية التي ترفع ضدهم والأحكام التي تصدر عليهم ، لاسيما أن المستوى المهني لهذه الأحكام منخفض ويتناقض مع القواعد التي أرستها محكمة النقض تاريخيا فيما يتعلق بـ جرائم النشر . كما أنها تمثل عائقا أمام حرية التعبير لأن الصحافة مثل المحاماة أكثر المهن التي تتنفس هواء العمل الحر ، فإذا غاب هذا الهواء النظيف أصيبتا بالاختناق . ويمكن الاستعاضة بدلا منها بالغرامة المالية في حالات التجاوز الصحفي وكفالة حق الرد وفقا للتقاليد المهنية المتعارف عليها . لكن ثمة مشكلة أساسية في هذا الإطار ، وهو وضع تحديد دقيق لمفهوم العلاقة بين الدور العام للصحافة والحياة الخاصة . فالتأكيد على الحرية يتطلب أن يتوازى معه الالتزام الشديد بالمسئولية الاجتماعية والالتزام بالقوانين التي تحمي الحياة الخاصة وتوازن بين حرية الصحافة وحق المجتمع . 5- التدفق المعلوماتي . ثمة توافق عام في برامج المرشحين على ضرورة إزالة القيود التي تمنع الوصول إلى المعلومات الصحيحة والإسراع لصياغة قانون حرية تداول المعلومات ، لأن غياب هذه المعلومات يساعد على نشر قناعات مغلوطة وانتشار الشائعات . وبالرغم من مرور ما يقرب من 11 عام على إصدار القانون 96 ، مازالت مادته الثامنة حبر على ورق في معظم الأحوال ، وهي التي تنص بوضوح شديد على حق الصحفي في الحصول على المعلومات والإحصاءات والأخبار ، مع عدم التمييز بين صحيفة وأخرى وفقا لما تنص عليه المادة التاسعة من القانون نفسه ، والتي تؤكد على تكافؤ الفرص بين مختلف الصحف . 6-التواصل الجيلي . إن أحد ملامح البرامج الانتخابية للمرشحين الاهتمام الواضح بالأجيال الجديدة من الصحفيين والدعوة إلى إيجاد صيغة فعالة لربط شباب الصحفيين بالأجيال السابقة سعيا لتبادل الخبرات وحوار الأفكار . وطرحت في هذا السياق أفكار مختلفة ، منها تخصيص قاعة من مبنى النقابة لعقد لقاءات دورية بين الطرفين ، وتمكين الأجيال الجديدة من الصحفيين من المنافسة في السوق الإعلامية وإتاحة الفرصة لمئات من الطاقات المعطلة والمواهب الراكدة في سوق المهنة . علاوة على ذلك ، ثمة مطالبة بالحماية النقابية لأعداد ليست بالقليلة من الصحفيين الذين لم يعينوا في مؤسساتهم ويعانون من امتداد فترة ما يسمى تحت التمرين لسنوات طويلة . وقد تعرض بعض المرشحين لمسألة أهمية وجود عقد العمل الموحد الذي يقضي بأن تكون النقابة طرفا ثالثا فيه لصيانة حقوق شباب الصحفيين وكذلك حق غير المعينين في الحماية النقابية وفتح جداول المنتسبين كمظلة حماية مؤقتة حتى يتم تعينهم مع وضع حد زمني يمكن خلاله للصحفي الشاب الحق في التعيين تلقائيا . وقد تضمنت 50% من برامج المرشحين لمشكلات القيد للصحفيين الجدد.
ملامح
عكست هذه الانتخابات عددا من الملامح الأساسية ، من أبرزها ما يلي : 1-البعد الدعائي . استخدم في هذه الانتخابات انواع مختلفة من الدعاية مثل الزيارات الميدانية للمؤسسات الصحفية فيما يسمى بــ طرق الابواب كما تم استخدام كافة انواع الدعاية ووسائلها وخاصة تكنولوجيا الاتصال من قبل المرشحين 2-الحراك النسائي . شهدت هذه الانتخابات ارتفاع عدد المرشحات لعضوية المجلس حيث بلغ عددهن 13 مرشحة نصفهن تحت السن ، مع ارتفاع نسبة المرشحات من الصحف الحزبية مقارنة بالمنتميات للصحف القومية . وبحسب النسبة والتناسب فإن إجمالي عدد المرشحات لا يتناسب مع إجمالي نسبة الصحفيات في الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين واللاتي يمثلن نحو ثلث الجمعية العمومية ، إلا أنه على الرغم من ذلك فإن هذا العدد من المرشحات يعد أفضل من انتخابات سابقة ، والتي لم تزد مشاركة المرأة فيها عن ثماني مرشحات في أفضل الأحوال .الأكثر من ذلك ، أن المرأة اكتسبت مقعدا في هذا المجلس المنتخب ( عبير سعدي من مؤسسة الأخبار ) ، بعد غياب استمر لمدة ثماني سنوات . 3- التقسيم المناطقي . اتسم المشهد الانتخابي ببروز التقسيمات المناطقية للصحفيين ، أي الانتماءات الجغرافية لمحافظات ، بحيث بحث بعض المرشحين عن انتماءات أعضاء النقابة بالمحافظات التي ينتموا إليها .. فعلى سبيل المثال ، بدأ البعض الرهان في كسب السباق اعتمادا على 1100 من الشرقية و1000 من المنوفية و 800 صحفي من سوهاج و300 من قنا و70 من المنصورة . وقد أطلق الكاتب سلامه أحمد سلامه على هذه الظاهرة الانتماء العنصري لأنها تعبر عن ازدياد ملمح العصبية والقبلية في تفكير عدد لا يستهان به من أعضاء الجماعة الصحفية . 4- الاتجاه التأمري . وهو ما يظهر في عبارات محددة في برامج بعض المرشحين مثل إنقاذ النقابة مما يحاك ضدها - كشف الحيل - نقابة تواجه تيار المؤامرات . إن جوهر الانتخابات - سواء الخاصة بالصحفيين أو البرلمانيين أو حتى انتخاب اتحاد طلاب المدارس - قائمة على التربيطات التي قد تتطلب استخدام كل الوسائل والأساليب لإنجاح مرشح وإسقاط أخر ، فالاكتاف القانونية في هذه الحالة مباحة بل ومشروعة . 5- ظاهرة التغيير والاستمرار معا فقد بقي من المجلس السابق سته اعضاء في المجلس المنتخب ولم يترشح ثلاثة ولم يوفق ثلاثة اخرون وحصل الاعضاء الست الجدد على اعلى الاصوات

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023