اتجاهات الحوار حول الدعم

أكرم حنا خليل

‏العدد2‏:23يناير2008
أُثيِرَت قضية الدعم مؤخراً بشدة بمناسبة المؤتمر العام التاسع للحزب الوطنى الديموقراطى وما أكده بعد ذلك الرئيس مبارك فى خطابه فى افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، إذ أعطى إشارة البدء لهذا النقاش حول الدعم حينما قال: إن الحاجة ملحة لإعادة النظر فى آليات الدعم الراهنة، لنصل إلى توافق مجتمعى يعيد تعريف مستحقيه، ويصل بالدعم إليهم فقط، دون غيرهم من القادرين.
وبالرغم من أهمية قضية الدعم وحساسيتها الشديدة لدى جمهور المصريين إلا أن الحكومة لم تحسم هذه القضية منذ بدايتها ولم تحدد المقصود من تكليفات الرئيس، وهل المقصود هو تحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى أم المقصود هو تخفيض قيمة الدعم وبصفة خاصة مع إشارة الرئيس إلى ما يمثله الدعم من ضغوط متزايدة على ميزانية الدولة، وتركت الحكومة الأمر برمته للتصريحات العائمة والشائعات التى وصلت إلى حد إلغاء الدعم نهائياً. وعندها انتبهت الحكومة إلى ما يمثله الأمر من خطورة على الاستقرار السياسى وخصوصاً مع تزامن ذلك مع حالة الغلاء التى يشعر بها أغلب المواطنين، وتذكرت أحداث 18 و19 يناير 1977، فعقد مجلس الوزراء اجتماعاً فى 12/12/2007 وحدد ثوابت الحوار المجتمعى واتجاهاته فى الآتى: *أن المطروح للحوار هو التوصل لأفضل السبل لتوصيل الدعم للفئات التى تستحقه، وليس مطروحاً على الإطلاق إلغاء الدعم أو تخفيضه. * أن منطلق القضية هو مواجهة عيبين أساسيين فى منظومة الدعم الحالية، هما: عدم كفاءة منظومة التوزيع، وتسرب كم كبير من الدعم بصورة غير قانونية. * لن يكون هناك قرار مفاجئ أو اتخاذ أية خطوات قبل انتهاء الحوار وبلورته فى نتائج واضحة تحظى بتوافق مجتمعى. * التأكيد على أنه حرصاً على مكاسب الطبقات المحتاجة فسيكون الاستهداف فى المرحلة الأولى لكل من يطلب الدعم، ويتم التدقيق طبقاً للدخل فى مراحل لاحقة بعد اكتمال كافة المعلومات اللازمة لقاعدة البيانات. والتعريف العلمى للدعم هو تدخل الدولة لتضمن لسلعة (أو خدمة) معينة سعراً أعلى أو أدنى من السعر الذى تحدده قوى العرض والطلب فى لحظة معينة، فحين تتدخل الدولة لتضمن سعراً أعلى من سعر السوق فهى بذلك تدعم المنتجين مثل بعض حالات الدعم التى تقدمها للمزارعين، أما إذا تدخلت لتضمن سعراً أدنى من سعر السوق فإنها بذلك تدعم المستهلكين (وهى الحالة التى نحن بصددها الآن). وتعبر قيمة الدعم ببساطة عن الفرق بين سعر بيع السلعة أو الخدمة للمستهلك والتكلفة المتوسطة لها، ويأتى دعم الحكومة لأسعار العديد من السلع والخدمات - إما بصورة ظاهرة أو ضمنية - فى إطار المسئولية الاجتماعية للدولة بهدف توفير الاحتياجات الضرورية للفقراء ومحدودى الدخل بأسعار مناسبة. ويُقصَد بالدعم الظاهر الإنفاق العام الذى يتم تسجيله بصورة واضحة وصريحة فى جانب النفقات بالموازنة العامة للدولة، وهو ينقسم إلى نوعين: الدعم المباشر للسلع والخدمات الأساسية (كدعم السلع التموينية مثل الخبز والسكر وزيت الطعام والأرز والشاى)، والدعم غير المباشر لتمويل عجز الهيئات الاقتصادية العامة، إذ أن الهيئات الاقتصادية العامة مثل السكك الحديدية ومرافق المياه والصرف الصحى وهيئتى النقل العام بالقاهرة والإسكندرية تقدم خدماتها بأسعار اجتماعية لا تعكس التكلفة الحقيقة لها وتتحمل الخزانة العامة أعباء متزايدة نتيجة قيامها بالمساهمة فى معالجة العجز الجارى وتعويض فروق أسعار الخدمات وتمويل عجز التحويلات الرأسمالية لهذه الهيئات. أما الدعم الضمنى (المستتر) فهو يمثل إيرادات عامة ضائعة على الدولة لا تظهر بشكل صريح فى الموازنة العامة للدولة لكنها تسهم فى زيادة العجز بها مثل دعم بعض الخدمات كالتعليم والصحة. وحتى وقت قريب كان دعم أسعار المنتجات البترولية والكهرباء مثالاً للدعم الضمنى إلا أنه بداية من عام 2005/2006 تم إدراج دعم أسعار المنتجات البترولية (كالغاز الطبيعى والبوتاجاز والبنزين والكيروسين والسولار والمازوت) لأول مرة فى جانب النفقات من الموازنة العامة كدعم ظاهر، وبلغ دعم المنتجات البترولية فى هذا العام نحو 41.8 مليار جنيه وهو ما يفسر طفرة ارتفاع قيمة الدعم مؤخراً من نحو 13.8 مليار جنيه خلال عام 2004/2005 لنحو 54.2 مليار جنيه خلال عام 2005/2006. كذلك قامت الحكومة بإظهار دعم الكهرباء (والذى تم تخصيص مليارى جنيه له) لأول مرة فى مشروع الموازنة العامة للعام 2007/2008. وبالرغم من بساطة تعريف الدعم المشار إليه أعلاه، إلا أنه من الصعب تحديد قيمة الدعم بدقة بسبب صعوبة تحديد قيمة الدعم الضمنى والآراء المختلفة حوله، لذلك يُشار فى الغالب لقيمة الدعم بقيمة الدعم الظاهر فقط.
المؤشرات المبدئية للحوار المجتمعى:
بالرغم من أن الحوار المجتمعى لم ينتهى بعد ولا تزال المناقشات مستمرة، إلا أنه يمكن رصد الجدل المثار مؤخراً حول قضية الدعم فى الآتى:
موقف الحكومة والأحزاب:
يتضح موقف الحكومة من قضية الدعم برغبتها فى تحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى، حيث عبر د. نظيف رئيس الوزراء عن اقتناعه بأفضلية الدعم النقدى الذى من خلاله يتم وصول الدعم لمستحقيه وعدم تسربه، وأوضح أن الدعم النقدى الذى تقترحه الدولة مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بسعر السلعة وليس بحجم التكلفة مشيراً إلى نجاح التجربة المكسيكية والتى طبقت قرار الدعم النقدى وربطته بمحددات وشروط لصرفه، واستبعد فكرة حدوث تضخم نتيجة الدعم النقدى مؤكداً أن تطبيقه لن يبدأ فجأة وإنما يكون بالتدريج سواء على مستوى السلع أو على مستوى المناطق الجغرافية يليها عملية تقييم. وأشار أنه لو جرى تغيير الدعم إلى دعم نقدى، فسوف يعطى الدعم لكل من يطلبه فى البداية وبعد ذلك سوف تكون الحكومة قادرة على إيصال الدعم النقدى لمن يستحقه فى المرحلة الثانية بعد توافر قاعدة بيانات سليمة لديها. ومن جانبه، نظم حزب التجمع مؤتمراً حول الدعم ضم لفيف من أحزاب المعارضة، وأكدت أحزاب الوفد والتجمع والناصرى رفضها لما طرحته الحكومة من تحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى. وخلال المؤتمر أوضح د. رفعت السعيد رئيس حزب التجمع أن الدعم النقدى خدعة كبيرة محذراً من أن الأسعار ستزيد بمعدلات كبيرة، مشيراً إلى أن الدعم هو الفتات الذى تبقى على مائدة الوطنى بعد أن التهم الأغنياء كل ما تحتويه من طعام، محذراً من أن على الحكومة أن تدرك أن التعدى على هذا الفتات يهدد البناء الذى يتحصنون به. وذكر د. محمود أباظة: أن العدول عن الدعم العينى إلى النقدى الذى يبدو أنه الحل السحرى من وجهة نظر بعض أهل الخبرة تسوقنا إلى حقيقة أن المجتمعات الفقيرة لا توجد بها أولويات ثابتة للإنفاق ويمكن أن يؤدى تحويل الدعم العينى لنقدى إلى نتيجة عكسية. وفى نفس السياق، رفض حزب مصر 2000 وحزب مصر العربى الاشتراكى نظام الدعم النقدى، وبرر الأول رفضه بأن تطبيق فكرة الدعم النقدى صعبة، وتساءل إذا كانت الحكومة غير قادرة على إعادة تحديد مستحقى الدعم فكيف تستطيع أن توصله لهم؟ أما الثانى فأكد أنه إذا كانت هناك مشكلة فى عدم وصول الدعم العينى لمستحقيه فإن الدعم النقدى سوف تتضاعف فيه هذه المشكلة.
نتائج الأبحاث والدراسات:
فى دراسة نشرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء فى أغسطس الماضى بعنوان: استطلاع رأى المواطنين حول منظومة الدعم، أظهرت النتائج أن 62% من العينة التى أُجرى عليها الاستطلاع على وعى بدعم الحكومة لبعض السلع والخدمات، وأن أصحاب المستويات الاقتصادية المرتفعة أكثر وعياً بالدعم الحكومى للسلع والخدمات (69%) يليهم أصحاب المستويات الاقتصادية المتوسطة (60%) ثم المنخفضة (57%). وأبدى 68% من المبحوثين رضاهم التام عن نظام الدعم الحالى، و10% أبدوا رضاهم إلى حد ما، و15% أبدوا عدم رضاهم. وهو ما يؤكد أنه إذا كانت هذه العينة ممثلة تمثيلاً جيداً للشعب فإن هذا معناه أن الشعب لا يقبل التحول إلى الدعم النقدى. من جانب آخر، كان المركز المصرى للدراسات الاقتصادية قد أعد دراسة بعنوان: كفاءة وعدالة سياسة الدعم فى مصر ونشرها فى نوفمبر 2005، وخلصت الدراسة إلى أن الدعم النقدى المشروط هو أفضل البدائل الممكنة لتحقيق مزيد من العدالة وكفاءة سياسة الدعم فى ضوء الخبرة الدولية. وقد أكدت الدراسة على أن سياسة الدعم النقدى المشروط تساعد ليس فقط على تحسين نمط الدخل وتخفيف حدة الفقر فى الأجل القصير ولكن أيضاً تراكم رأس المال البشرى وتحقيق النمو الاقتصادى فى الأجل الطويل مما يحقق قدراً أكبر من العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.
أراء خبراء الاقتصاد والمتخصصين:
يرصد عدد من الاقتصاديين فوائد عديدة لسياسة الدعم الحالية، من أهمها تخفيف حدة الفقر وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية لحمايتهم من سوء التغذية وتحقيق الاستقرار السياسى. فى حين يقر عدد آخر بأن سياسة الدعم الحالية تؤدى إلى سوء تخصيص الموارد نتيجة لتشويه الأسعار والمغالاة فى الاستهلاك وتربح البعض من ازدواجية الأسعار، مع تحيزها لصالح الأغنياء على حساب الفقراء ويستفيد منها المقيمين فى الحضر أكثر من المقيمين فى الريف كما يستحوذ سكان الوجه البحرى على النصيب الأكبر بالمقارنة بسكان الصعيد، إضافة إلى أن عدم وصول الدعم إلى المواطنين الأكثر فقراً واحتياجاً له وتسربه لغير المستحقين يؤدى إلى عدم العدالة الاجتماعية. وإن كان أغلب الاقتصاديين يتفقون على أن الدعم النقدى أفضل من الدعم العينى من ناحية رفاهية المستهلك، إلا أنهم يختلفون على تطبيقه بسبب الواقع الاجتماعى الخاص بمصر. لذلك أفرز الجدل الدائر بينهم ثلاثة بدائل، هى: البديل الأول: ويطالب بتطبيق سياسة الدعم النقدى ويؤكد على أن هذه السياسة سوف تعالج العديد من الأمراض التى ألمت بالمجتمع من وراء الاستغلال والاستيلاء على المبالغ المخصصة لدعم الفقراء وإيجاد العديد من الأسواق السوداء التى تعيد استغلال الفقراء مرة أخرى. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الدعم بالشكل الحالى صار عبء ثقيلاً على الموازنة العامة ويشجع على تضخم السوق السوداء ولا يصل لمستحقيه. واعتمد أصحاب هذا الاتجاه على دراسة للبنك الدولى تكشف عن أن 34% فقط من المبالغ المخصصة للدعم تصل للمستحقين بينما يتسرب 66% من هذه المبالغ للأغنياء والقادرين ويعتقدون أن تطبيق الدعم النقدى سوف يضمن وصول الدعم لمستحقيه فضلاً عن ترشيد الدعم وبالتالى الإنفاق وما يستتبعه من تخفيض فى عجز الموازنة. أما البديل الثانى: فيذهب إلى أن أفضل طريقة لحل المعضلة هو تبنى سياسة متكاملة للإصلاح الاقتصادى يمكنها أن تأخذ بمنهج الدعم العينى والدعم النقدى فى الاعتبار، بمعنى أن يتم تطبيق الدعم النقدى على ما يصلح له والاعتماد على الدعم السلعى فى القطاعات الأخرى مع إصلاح الأوضاع الحالية للسلع التى تقدم فى إطار الدعم. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الدعم النقدى لا يصلح إطلاقاً فى الخدمات العامة مثل النقل والمياه والكهرباء والطرق وغيرها. أما البديل الثالث: فيرفض الدعم النقدى ويطالب بإصلاح الدعم العينى ويتشكك فى نوايا الحكومة معتبراً أن الدعم النقدى هو بداية لإلغاء الدعم. ويعد البديل الثالث أكثر البدائل قبولاً بين الاقتصاديين، وهم ينطلقون من صعوبة تطبيق الدعم النقدى والآثار السلبية المترتبة عليه ويؤكدون على أنه إذا كان الدعم العينى يعانى من عيب واحد هو تسرب الدعم لمن لا يستحقه فإن التحول إلى الدعم النقدى سوف يضيف عيباً آخر هو حرمان بعض المستحقين للدعم من الحصول عليه. ويتساءلون كيف يمكن تحديد الفئات المستحقة للدعم النقدى؟ وكيف يتم الوصول إليهم؟ ولمن يُسلَم الدعم النقدى هل إلى رب الأسرة الذى ربما يكون ضالاً أم إلى الأم؟ وما قيمة الدعم النقدى الشهرى للفرد؟ ... ثم إذا كان هناك 20% من المواطنين تحت خط الفقر والـ 20% التالية فوق حد الفقر مباشرة يحتاجون إلى الدعم، أى أن نحو 40% على الأقل من المواطنين يحتاجون إلى الدعم، فهل يعقل أن يطبق الدعم النقدى على كل هؤلاء؟! وإذا كانت معرفة الفقير عملياً هى المشكلة الحقيقية وأحد أهم أسباب الاعتراض على الدعم النقدى، فإن أحد أهم المشكلات المترتبة على تطبيقه هى التضخم المتوقع نتيجة لذهاب الأموال إلى أفراد يرتفع لديهم الميل للاستهلاك مما يؤدى إلى المزيد من الارتفاعات فى الأسعار وبالتالى تتآكل القدرة الشرائية لأى مبلغ من الدعم. وأخيراً ينتقد أصحاب البديل الثالث مخصصات الدعم فى الموازنة العامة، فيستنكرون أن تدعم الدولة الأغنياء ورجال الأعمال من المصدرين بنحو مليارى جنيه دعماً للصادرات ويكون دعم الفقراء فى الصعيد فقط 200 مليون جنيه. وينتقدون دعم المواد البترولية والكهرباء بالشكل الحالى، ويطالبون بوضع آلية لتسعير المنتجات البترولية والكهرباء، كأن يتحمل أصحاب السيارات الفارهة جزء من قيمة الدعم عند الترخيص، وتعديل نظام شرائح الكهرباء بحيث تنحاز للفقراء ويتحمل الأغنياء جزء كبير من الدعم. كما يطالبون بإلغاء دعم الأغنياء المتمثل (فى نظرهم) فى منح الإعفاءات الضريبية والمزايا الأخرى للمشروعات الجديدة.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023