«مسارات متعرجة» العلاقات المصرية - التركية بعد 15 يوليو
27-12-2016

في تطور لافت وسريع على مسار العلاقات المصرية – التركية، شهدت العاصمة كاراكاس، على هامش قمة دول مجموعة عدم الانحياز، لقاءً جمع بين وزير الخارجية المصري، سامح شكري، ونظيره التركي، مولود تشاويش أوغلو، بما أعطى انطباعا بصدقية الترجيحات الخاصة باتجاهات خفوت سمك الجليد بين البلدين، سيما في ظل توالي التصريحات الودية التي انطلقت من مستويات سياسية متعددة بشأن العلاقات التاريخية بين الشعبين المصري والتركي، والرغبة في تجسير هوة الخلاف، وإيجاد أرضية مشتركة تساهم في تخفيض منسوب "الصدام" بشأن القضايا العالقة ومصادر التوتر بين البلدين.
وعلى ما يبدو، فإن تعليق الخارجية المصرية بشأن اللقاء والذي يعد الأول من نوعه على هذا المستوى منذ عام 2013، من خلال التأكيد على "أن اللقاء جسد رغبة في تحسين العلاقات بين الجانبين"، يوحي بأن ثمة مسعى جديا لتطوير الروابط والصلات، خصوصا في ظل إشارة بعض المصادر لوجود حلقات ودوائر للتواصل "منخفض المستوى" خلال الفترة الماضية تحققت عبر قنوات مختلفة، جاءت على خلفية ما بدا من استدارة إقليمية مغايرة انتهجتها الدولة التركية، وتقوم على استراتيجية "ردم الفجوات" مع الفاعلين الرئيسيين على مسرح عمليات الشرق الأوسط.
محركات محلية
مع تزايد مؤشرات التحسن المحتمل في مسار العلاقات بين مصر وتركيا، يبدو على جانب آخر، أن ثمة معطيات تدفع بضرورة التروي حتى تتضح كافة أركان مشهد العلاقات بين الجانبين، سيما أن اللقاء السريع بين الوزيرين، شكرى وتشاويش، من حيث طبيعته ونمطه، وطريقة إخراجه، وعدم تعليق الجانب التركي عليه، يوحي بأن هناك العديد من المحركات والقضايا لا تزال محل التباحث أو التفاوض وتُبقي العلاقات بين الجانبين في إطار ما يمكن اعتباره "التأزم المؤقت" أو "الانفراجة المؤجلة".
فعلى ما يبدو من سياسات تركيا الخارجية في مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو الخالي، أن الحكومة التركية تتجه لبناء سياساتها وتحديد أنماط توجهاتها الخارجية، بناء على طبيعة المواقف الإقليمية والدولية حيال التطورات التركية الأخيرة، بما قد يجعل العلاقات بين البلدين غير مرشحة للتطور السريع، وذلك بالنظر إلى عدم "تعاطف" مصر مع الحكومة التركية، انطلاقا من اعتبارات ارستها وجذرتها سياسات تركيا ذاتها حيال الدولة المصرية وتفاعلاتها الداخلية. هذا بالإضافة إلى الدور الذي لعبته الدبلوماسية المصرية في مجلس الأمن، من خلال التدخل لإعادة صوغ بيان المجلس بشأن "الأحداث الدرامية" التي شهدتها تركيا، حيث رفضت مصر صدور ما اعتبرته "بيان غير متوازن" يقوم على دعم الحكومة، من دون تأكيد، في الوقت نفسه، على أهمية احترام القيم الديمقراطية والمبادئ الدستورية، بما عطل إصدار البيان، وأوجد سجالاً بين مسئولي الدولتين، أعاد إنتاج مشهد العلاقات المتأزم وقنواتها المتصلبة.
وبينما أنبأ ذلك باحتمال تصاعد المواجهة السياسية والإعلامية بين البلدين على غرار ما شهدته العلاقات المشتركة طيلة الأعوام الثلاثة الخالية، غير أن ثمة مؤشرات تذهب إلى هامشية تأثير ذلك، بالنظر إلى أن طبيعة الظروف التي تمر بها تركيا ومسعاها إلى إحداث اختراق حقيقي في علاقاتها الإقليمية، ولكونها تخوض من ناحية، مواجهة مفتوحة مع التنظيمات الكردية في جنوب شرق البلاد، سيما بعد التدخل التركي في شمال سوريا في 24 أغسطس الماضي.
ومن ناحية أخرى، في ظل توالي التحذيرات من احتمالات أن تشهد عمليات إرهابية، على النحو الذي دفع - مؤخرا - عدداً من البلدان الأوروبية إلى إغلاق سفاراتها في أنقرة مؤقتا، بفعل تصاعد التهديدات والمخاطر الأمنية، فضلا عن الكشف عن بعض التقديرات والتقارير الاستخباراتية التي تحذر من وجود "خلايا نائمة" و"عناصر سائبة" تتبع تنظيمات جهادية غدت تتحرك في بعض المدن التركية، استعدادا للقيام بعمليات إرهابية تستهدف مواقع محورية أو مناطق حيوية، وهو ما يجعل تركيا ليست في وارد التصعيد خارجي مع أيا من القوى الإقليمية، وإنما تؤسس أحد محاور تحركاتها الإقليمية على عزل تأثير القوى الإقليمية سلبيا على الأوضاع التركية الداخلية.
هذا فيما تشير بعض التقديرات التركية إلى أن التحولات التركية النسبية حيال الدولة المصرية. ترتبط بتحركات "تحذرية" من طرف أجهزة الدولة المصرية، إزاء بعض القضايا والأطراف والملفات التركية التي تتسم بحساسية بالغة بالنسبة للجانب التركي، وذلك في محاولة للتلويح بامتلاك الجانب المصري أوراق ضغط عديدة ومتشعبة يمكن استخدامها أو توظيفها حال ما اضظرت الدولة المصرية إلى ذلك، لتهدئة اندفاعة التصعيد من قبل الجانب التركي.
المدخل الاقتصادي
وقد أشارت هذه التقديرات إلى أن ذلك وقف وراء اجتماعات عديدة لدى الجانب التركي، شملت مستويات سياسية وأمنية، خلصت إلى ضرورة عزل أثر اللاعبين الإقليميين عما تشهده الساحة الداخلية في تركيا، عبر تحسين العلاقات مع الدولة المصرية، على أن يرتكز ذلك أولا على الجانب الاقتصادي، والذي يمثل أولوية لدى الجانب التركي، حيث تلعب مجموعات ضغط مختلفة من رجال أعمال أدوار هامة في هذا المجال، سواء من أجل اقتناص بعض الفرص الاستثمارية والتجارية في الدولة المصرية، أو بهدف تحسين الأوضاع الخاصة ببعض الشركات التركية الموجودة في مصر، والتي يشكو البعض منها من التضرر، بسبب تدهور العلاقات بين الجانبين، أو بسبب بعض الإجراءات المصرية الخاصة بالتدقيق والتأجيل فيما يخص بعض التسهيلات أو الإجراءات الروتينية الخاصة بطبيعة العمل.
وربما يشكل العمل في هذا المجال محورا هاما بالنسبة للجانبين معا، فقد أشار وزير التجارة والصناعة في مصر، طارق قابيل، إلى تزايد معدلات التبادل التجاري بين مصر وتركيا خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2016، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، حيث تزايدت الصادرات المصرية إلى تركيا بنسبة 7.6 %، حيث سجلت 681.5 مليون دولار، مقارنة بنفس الفترة من عام 2015 التي بلغت633.1 مليون دولار، مضيفا أن الواردات المصرية من تركيا قد تراجعت من 1.485 مليار دولار إلى 1.395 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي بانخفاض بلغت نسبته 6.1 %.
وأشار الوزير المصري إلى أن إجمالي حجم التجارة بين البلدين خلال النصف الأول من العام الجارى بلغ نحو 2.077 مليار دولار، مقارنة بزهاء 2.119 مليار دولار، عن نفس الفترة من العام الماضي بانخفاض بلغت نسبته 2 % تقريبا، لافتا إلى احتلال تركيا المركز السادس في قائمة الدول المستوردة من مصر، والمركز السابع في قائمة الدول المصدرة لها، كما احتلت المركز السادس من حيث حجم التبادل التجاري بين البلدين.
هذا في حين استقبل مطار شرم الشيخ الدولي أول رحلة طيران تركية بعد إعلان تركيا رفع حظر الطيران إلى المنتجعات المصرية عقب حادث الطائرة الروسية فوق سيناء، وكان على متن الرحلة 145 سائحا من جنسيات مختلفة، على أن تستأنف الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى شرم الشيخ بواقع 4 رحلات أسبوعية. وكان رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، قد أعلن أنه "يمكن أن يذهب مستثمرو تركيا إلى مصر، وأن يطوروا من استثماراتهم، وقد يؤدي ذلك مستقبلا لتهيئة المناخ لتطبيع العلاقات، وحتى إلى بدء علاقات على مستوى الوزراء، لا يوجد ما يمنع حدوث ذلك، وليست لدى أنقرة تحفظات فيما يتعلق بهذا الموضوع".
وتشكل الرغبة التركية في مضاعفة حجم التبادل التجاري وتعزيز الفرص الاستثمارية أمام مجموعات رجال الأعمال والدوائر التجارية دافعا إلى طرح مقاربة تسعى إلى القفز على الخلافات، عبر تحسين العلاقات على مستوى ما دون رئاسة الوزراء، وقد شهدت الأراضي المصرية بالفعل تحركات من قبل الجانب التركي، حيث زار أكثر من مسئول تركي على هذا المستوى وفي سياقات مختلفة.
بيد أن المشكلة التي تواجه ذلك ترتبط من ناحية، بأنه في الوقت الذي يحظي فيه الملف الاقتصادي بالأولوية لدى الجانب التركي، فإن الجانب المصري لا يزال الملف الأمني لديه يحتل الأولوية، سيما في ظل استضافة تركيا لعناصر من جماعة الإخوان المصرية، ودعمها على المستوىين الإعلامي والسياسي. هذا إضافة إلى أن الخلفيات التي يأتي منها النظامين المصري والتركي تجعل من مدركات القيادة السياسية وتوجهاتها حيال بعضها بعضا لا تتسم بالإيجابية، وفق ما يمكن تسميته "تباينات الكينونة".
هذا على الرغم من أن "المتغير القيادي" ذاته، قد يلعب دورا أساسيا في إعادة توجيه نمط سياسات تركيا الخارجية. فقد أشارت بعض التقديرات السياسية إلى أن رئيس الوزراء التركي الجديد، بن علي يلدريم، ينتمى إلى "جناح الصقور" داخل حزب العدالة والتنمية، غير أن الرجل - على ما يبدو - أكثر انفتاحا وسعيا في الوقت نفسه إلى تدشين جسور جديدة لعلاقات تركيا الخارجية، ترتكز على ما هو مشترك لتصفية ما هو مختلف بشأنه. وقد يفسر ذلك التوازي بين فتح مسارات تحسن العلاقات مع جملة من القوى الإقليمية، عبر ممرات عديدة، وليس من خلال قناة واحدة، وفق ما يمكن اعتباره "تبديل عكسي" لعلاقات تركيا الإقليمية، وهو أمر إن لم يسهم في تحسين العلاقات المصرية - التركية، فقد يفضي إلى عدم تصاعد مظاهر توترها واضطرابها.
التحولات الخارجية
ثمة محركات تتعلق بالبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بتركيا، تدفع بدورها لان تتحرك العلاقات بين مصر وتركيا في إطار حدين يحولا دون حدوث تدهور دراماتيكي. ذلك أن العلاقات التركية – الغربية تشهد تحولات غير مسبوقة وذلك بسبب اتهام كل طرف للآخر بالمسئولية عن عدم تنفيذ بنود الاتفاق بشأن اللاجئين، والموقع في مارس 2016، هذا إضافة إلى تحميل بعض المجموعات الغربية الحكومة التركية مسئولية عدم التعاطي بجدية مع تصاعد تهديدات التنظيمات الجهادية وانتقالها إلى مسارح العمليات الغربية، وهو الأمر الذي ساهم في تصاعد حضور قوى اليمين المتشدد على مسارح العديد من البلدان الأوروبية، وقد أدت هذه المدخلات والمعطيات إلى تحرك أنقرة لإعادة ضبط وتنظيم علاقاتها الإقليمية والدولية، بما من شأنه تعزيز القدرة على المناورة، واستباق التحولات التي تشهدها الساحة الدولية.
وتشير التطورات المرتبطة بتوجهات تركيا الخارجية إلى أن ثمة تحولات دراماتيكية على صعيد تفاعلاتها الدولية، خصوصا في مرحلة ما بعد 15 يوليو، ففيما يبدو من مؤشرات، فإن أنقرة ستتجه خلال المرحلة المقبلة إلى تصعيد مستويات العلاقات مع كل من موسكو وبكين، وذلك بعد تزايد إدراك القيادة السياسية أن تأخر بيانات الأدانة الغربية لمحاولة الانقلاب، ومن قبلها نمط التعاطي مباشرة مع رئيس الوزراء السابق، أحمد داوود أوغلو، وأهدافه يشير إلى أن الغرب بات يتحسس خطاه حيال تركيا وقياداتها الحالية، وأنه لا إمكانية إلى الارتكان إلى نمط التحالفات التاريخية مع الغرب أو الأدوار الوظيفية التي تؤديها القيادة التركية حيال المصالح الغربية، لضمان دعم الغرب للمعادلة السياسية التي يحاول ترسيخها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لدعم ركائز أركان حكمه في تركيا.
 لذلك، فإن تسارع وتيرة ومظاهر العلاقات مع روسيا، والقفز على أزمة الدولتين سريعا قد يمثل إجراءً أولياً في سلسلة من الإجراءات اللاحقة التي قد ترتبط بمساعي تركيا لدعم علاقاتها مع القوى الشرقية، وقد يعني ذلك فرصة لتحسين العلاقات المصرية - التركية، أو على أقل تقدير الحفاظ على وضعها الحالي، من حيث تطور اقتصادي بطيء، وتحرك سياسي هادئ لتحسين العلاقات على مستوياتها السياسية غير عالية المستوى.
ويمكن اعتبار أن التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية التركية لجهة تحسين علاقاتها وقنوات تواصلها مع عدد من الفاعلين النشطين على مسرح عمليات الإقليم، مثلما مثلت فرصة مهمة لتطوير سياق مناسب لتحسن تدريجي في العلاقات المصرية – التركية، غير أن رؤية الجانب التركي لإدارة هذا "التحسن" وأولويات كل طرف، وطبيعة المسارات المقترحة لتحسين العلاقة بين الجانبين، هذا إلى جانب مساحات الخلاف الذي جذرته المواقف المصرية غير المؤيدة للحكومة بالمطلق، فيما يخص ما شهدته تركيا منذ ليلة السادس عشر من يوليو الماضي، قد ألقت بعض من العثرات والعقبات التي قد يصعب على الجانبين القفز فوقها، أو قد لا يسهل تفاديها، كونها تعكس نمط إدراك ورؤية عميقة لكل طرف حيال الطرف الآخر.
ومن ثم، قد لا يتصور أن يحدث تحسن سريع في العلاقات ولا يتوقع أيضا حدوث تدهور دراماتيكي، وإنما صعود وهبوط متزن، إلى أن تدفع التطورات المحلية لدى أي من الطرفين أو كليهما معا، أو تحولات البيئة الإقليمية أو الدولية بظهور سياقات جديدة تدفع العلاقات بعيدا عن هذا المسار لجهة تحسن مطرد في العلاقات وتجسيد الرغبة المشتركة في إيجاد السياق الذي يحفظ ماء وجه كل منهما، حينما يتم الإعلان عن هذه الخطوة، والتي قد تأتي عبر تحرك ثنائي، أو من خلال مبادرة ترعاها إحدى القوى الإقليمية أو الدولية.


رابط دائم: