خمس سنوات علي رحيل مبارك: ماذا حدث للثورة المصرية؟
19-2-2016

د. زياد عقل
* خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 مرت منذ أيام قليلة الذكرى الخامسة لرحيل حسني مبارك عن حكم مصر، أو تخليه عن منصب رئيس الجمهورية كما جاء في البيان الذي ألقاه عمر سليمان في 11 فبراير 2011، وكان رحيل مبارك مطلباً رئيسياً من مطالب ثورة 25 يناير. وقد ذهب الكثير من متابعي الشرق الأوسط بشكل عام، ومصر بشكل خاص، لاستنتاج أن رحيل مبارك يُعد بمثابة نجاح لثورة 25 يناير في تحقيق مطالبها بإنهاء مرحلة من الفساد والقمع والسُلطوية امتدت على مدى ثلاثين عاماً. وفي نفس الوقت، ارتفع سقف التوقعات فيما يتعلق بدخول مصر مرحلة من التحول الديمقراطي الفعلي في أعقاب تحرك شعبي استطاع أن يتصدي لمحاولات اجهاضه وأن يجمع بين طياته تحالف عريض من قوى سياسية واجتماعية متنوعة. ولكن بعد مرور خمسة أعوام علي رحيل مبارك، يُشير الواقع السياسي في مصر إلى أن هذه التوقعات لم تتحقق علي أرض الواقع، ولم تُترجم لسياسات مؤسسية قادرة علي إحداث تحول نوعي في بنية النظام السياسي المصري. بل في واقع الأمر، اتخذت مصر خطوات بعيدة عن الديمقراطية بمفهومها الفعلي القائم علي المشاركة والإجماع من خلال التنوع والاختلاف وإفساح المجال للتعددية السياسية في ظل سياسات تدعم الشفافية وآليات تضمن المحاسبية. ولجأت مصر في المراحل المختلفة التي تلت ثورة يناير، سواء مرحلة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو مرحلة حكم محمد مرسي أو مرحلة ما بعد 30 يونيو، إلى عملية سياسية مؤسسية في ظل غياب البنية الأساسية للديمقراطية، وبالتالي كانت المحصلة النهائية لهذه العملية المؤسسية هي إعادة إنتاج النخب السياسية التي عرفتها مصر علي مدار عقود طويلة، سواء التيار الإسلامي في 2011 و2012، أو رموز نظام مبارك ورجال الدولة في مرحلة ما بعد 30 يونيو، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو من خلال دعم هذه الرموز لكيانات سياسية جديدة. وبالتالي، بات منطقياً أن نتساءل عن الأسباب والعوامل التي قادت مصر لهذا المسار الذي ينتمي للديمقراطية شكلاً ويفتقدها موضوعاً، وعن مُسببات إخفاق ثورة 25 يناير في تحقيق أهدافها التي سعت لها، وعن مستقبل الديمقراطية في مصر بعد مرور خمس سنوات علي إسقاط حسني مبارك. ولذا، نحاول في سياق هذه الدراسة الإجابة عن تساؤل رئيسي، وهو ماذا حدث للثورة المصرية، ولماذا لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها بالرغم من نجاحها في تحقيق أهم مطالبها وهو رحيل حسني مبارك عن سدة الحكم؟ ومما لا شك فيه، أن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الكثير من التحليل، فمن غير الممكن اختزال الإجابة في سبب أو اثنان، فتحديد العوامل المؤثرة في مسار الثورة المصرية والمُسببات التي أدت إلي عدم تمكن الثورة من تحقيق أهدافها يظل في النهاية مرهوناً بالأُطر النظرية الحاكمة للتحليل السياسي والاجتماعي الذي تقوم عليه الدراسة. وبالتالي، نسعى في سياق هذه الدراسة للإجابة عن هذا التساؤل من خلال التعرض لعاملين رئيسيين، نموذج أو نمط الثورة أولاً، وطبيعة التفاعل بين نخب ما بعد الثورة ثانياً. ونحاول من خلال هذه العوامل توضيح نقطتين رئيسيتين، أولاً، وجود نوع من التناقض بين مطالب ثورة 25 يناير وبين النمط الاحتجاجي الذي لجأت له الثورة، وهو ما أدى لتباين كبير بين أهداف الثورة وبين مُخرجاتها الفعلية. وثانياً، تأثير صراعات نُخب ما بعد الثورة وتحدياتها الداخلية كقوى سياسية علي حجم التغيير الذي سعت هذه النخب لإحداثه. أما عن العامل الأول وهو نموذج أو نمط الثورة، فأغلب الإسهام النظري في تلك النقطة جاء من جاك جولدستون في التفرقة بين "الثورات المُلونة والثورات الراديكالية" أو color revolutions and radicalizing revolutions. وبالرغم من أن مصطلح "الثورات المُلونة" استُخدم بشكل رئيسي لتوصيف ثورات مرحلة التسعينات من القرن الماضي والسنوات الأولى من القرن الحالي كالثورة الصفراء في الفلبين، والثورة القرمزية في تشيكوسلوفاكيا، والثورة الوردية في جورجيا، إلا أن هناك نماذج لأنماط ثورية مماثلة على مر التاريخ كالثورة الهولندية في 1566، أو الثورة الأمريكية في 1766، أو الثورة البريطانية في 1688. وتتميز الثورات المُلونة بكونها ثورات لا تشهد الكثير من العنف، وتحدث في مجتمعات تحتوي على قطاعات حضرية وتجارية كبيرة، وعادة ما تتم التعبئة في هذه الثورات على اُسس وطنية وسياسية أكثر من الاُسس المتعلقة بعدم المساواة الطبقية . وبالنظر لثورات الربيع العربي بشكل عام، نلحظ أن عامل الصراع الطبقي لم يكن موجوداً بشكل كبير في مراحل التعبئة ما قبل الثورات وخلالها بالرغم من وجود تفاوت رهيب بين طبقات المجتمعات العربية التي شهدت انتفاضات في 2011. وبالتالي فثورات الربيع العربي هي ثورات سياسية أكثر منها ثورات اجتماعية، بمعنى انها ثورات قامت لتعديل أوضاع سياسية تتعلق بأنظمة الحُكم أكثر من قيامها لأسباب اجتماعية تتعلق بإحداث تغييرات في الهيكل الطبقي أو في التركيبة الريفية-الحضرية للمجتمعات التي شهدت عمليات ثورية خلال العام 2011. وبالرغم من أن ثورة 25 يناير في مصر شهدت عدداً وافياً من الاحتجاجات والإضرابات العمالية خاصة خلال الأسبوع الأول من فبراير وحتي تنحي مبارك في 11 فبراير، إلا أن عوامل وأساليب التعبئة لم تستند علي آليات طبقية بقدر استنادها علي مطالب سياسية. ولعل التباين بين الحالة المصرية والتونسية، والحالة السورية والليبية له علاقة بهيكل الدولة ووضع القوات المُسلحة في هذا الهيكل أكثر من علاقته بنموذج العملية الثورية في حد ذاتها. بمعني أن الاختلاف الرئيسي بين النمطين يكون في العملية الثورية نفسها، فتختلف أدوات التعبئة من نمط لآخر، ويختلف نوع وحدة التفاعل بين القوى الثورية وبين مُمثلي الدولة، كما يختلف الهدف الرئيسي من الاحتجاج بين احتجاج مطلبي يهدف لوضع الدولة تحت ضغط حتى ترضخ لمطالب المحتجين، وهي الحالة الأقرب لحالتي مصر وتونس، أو احتجاج قائم علي الفعل، وهو ما يُمكن أن نطلق عليه action-based protest ، حيث يعتمد المحتجون في هذا النمط علي إحداث التغيير من خلال الفعل المباشر وليس من خلال المطالبة، وهو النمط الأقرب لحالتي سوريا وليبيا بالرغم من اختلاف المُسببات. والعامل الثاني الذي نلجأ إليه في هذه الدراسة هو طبيعة نُخب ما بعد الثورة. ولعل طبيعة نُخب ما بعد الثورةpost-revolutionary elite، وحجم التوافق أو التفكك بينها، وقدر التباين أو التماثل الإيديولوجي بين هذه النخب طالما كان أحد أهم العوامل التي وضعت الكثير من الفوارق بين العملية الثورية في مرحلة ما قبل سقوط الأنظمة ونتائج ما بعد الثورة في مراحل ما بعد سقوط النظام. فمما لا شك فيه تُعد الثورة الإيرانية ضد الشاه خير دليل على كيفية تأثير نُخب ما بعد الثورة على مستقبل الثورة التي قام بصناعتها تحالف عريض من القوى السياسية والاجتماعية. فالثورة الإيرانية في مرحلة التعبئة والعملية الثورية في الفترة من 1977-1979 تشكلت من تحالف واسع ضم فئات مختلفة كعُلماء الدين، ومُثقفون من الطبقة المتوسطة، والعديد من العُمال المُضربين، وطلبة، والعديد من النساء من الطبقة الحضرية الدُنيا . ولكن في عام 1980 تم إقصاء النُخب الليبرالية واليسارية من المشهد السياسي في إيران بالرغم من الدور المؤثر الذي قامت به هذه النُخب في مرحلة العملية الثورية ضد الشاه، كما تم أيضاً إقصاء النساء من المشهد السياسي، بل ومن المجال العام ككل بعد سيطرة تيار العُلماء على مُجريات الامور وإعلان الجمهورية الإسلامية . وبالقياس على الحالة المصرية، نرى أن حجم الخلاف بين القوى الثورية في مرحلة ما بعد إسقاط النظام كان أحد أهم العوامل السياسية والاجتماعية التي كان لها تأثير مباشر على مُخرجات الثورة. فكان الخلاف بين التيار المدني مُمثلاً في القوى الليبرالية واليسارية، والتيار الإسلامي مُمثلاً بشكل أساسي في جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي أحد أهم العوامل التي غيرت من مسار الثورة المصرية بدءاً من استفتاء التعديلات الدستورية في مارس 2011، مروراً بانتخابات الرئاسة في 2012، وانتهاءً بإسقاط حُكم محمد مرسي بعد 30 يونيو 2013. ولا يختلف الوضع كثيراً في الحالة الليبية عن الحالة المصرية فيما يتعلق بهذا الشأن، وإن كانت الطبيعة المؤسسية للدولة والنظام السياسي في مصر لها دوراً في إحداث بعض الاختلاف، ولكن يظل الانقسام بين التيار الإسلامي والتيار المدني أو غير الديني عاملاً مؤثراً في بلورة مُخرجات ثورات الربيع العربي بشكل عام. تُشير كل الدلائل أن نمط ثورة 25 يناير في مصر كان نمطاً سياسياً، أو نمطاً ديمقراطياً، خاصة فيما يتعلق بالشرائح المجتمعية المشاركة في الثورة، وأساليب التعبئة، وطبيعة الاحتجاج الذي اعتمد علي الاستخدام السلمي للمساحة العامة في المقام الأول ولم يلجأ للعنف إلا لأهداف دفاعية كنموذج موقعة الجمل يوم 2 فبراير 2011 علي سبيل المثال ، أو كحلقة من سلسلة عنف متبادل بين المتظاهرين وقوات الأمن كنموذج احتراق مقر الحزب الوطني. وبالرغم من بعض العنف الذي شهدته أحداث ثورة يناير، إلا أنه من غير الممكن تحليل هذه الأحداث كنهج عنيف أو مسلح انتهجته الثورة. ولكن في نفس الوقت، تمحورت مطالب الثورة التي لخصها شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" حول قضايا اجتماعية في الأساس، تحتاج لما هو أكثر من الآليات السياسية لتحقيقها، ولعل هذا التباين بين المطالب الاجتماعية والآليات السياسية التي انتهجها المجلس العسكري في مرحلة ما بعد الثورة تُعد أحد أهم جوانب معضلة مسار ثورة 25 يناير. فمطالب الثورة كانت مطالب اجتماعية، خاصة في مرحلة ما بعد موقعة الجمل عندما بدأ ميدان التحرير من خلال ائتلاف شباب الثورة يُعلن عن مجموعة من المطالب، بدأت برحيل مبارك (وهو مطلب سياسي مما لا شك فيه) ولكنها لم تنته عند رحيله ، ولكن كانت آليات تحقيق هذه المطالب آليات سياسية اعتمدت علي التظاهر السلمي وعلي وضع الدولة تحت ضغط من الشارع، وهو الضغط الذي تزايد في الأيام الأخيرة قبل رحيل مبارك من خلال الزيادة الملحوظة في عدد الإضرابات العمالية، وهو ما يعني أن نمط الثورة لم يتطور لنموذخ إحداث التغيير من خلال الفعل المباشر، ولكنه اعتمد علي نموذج الضغط المطلبي لحين تحرك الدولة نزولاً علي مطالب وضغوط الشارع. وبمعني آخر، بالرغم من المطالب الاجتماعية التي عكستها شعارات ثورة 25 يناير، لم يتوافر في نمط الثورة متطلبات الثورات الاجتماعية أو الراديكالية كالتعبئة علي اُسس طبقية، أو انشقاقات داخل صفوف القوات المسلحة، أو خلافات حادة بين النخب السياسية والاقتصادية داخل المجتمع أو وجود قيادة موحدة لصفوف الثوار، في حين أن متطلبات الثورات الديمقراطية أو الثورات السياسية كانت متوفرة مثل الخلافات بين نخب مؤسسية داخل هيكل الدولة، والتعبئة علي اُسس وطنية وقومية، وسيطرة قطاع حضري علي المشهد الثوري وعلي آليات الحشد. وعادة، لا تأتي الثورات السياسية أو الديمقراطية بإصلاحات اجتماعية جوهرية كسياسات للإصلاح الزراعي أو إعادة توزيع للثروة والموارد أو تضييق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية في سبيل تحقيق معدلات أعلى من العدالة الاجتماعية، (وهو الفارق الذي من الممكن ملاحظته في نماذج الثورات الراديكالية كروسيا والصين وما كان لهذه الثورات من أثر علي الهيكل الاجتماعي، وثورات دول شرق أوروبا في تسعينيات القرن العشرين، وهي ثورات كانت معنية في الأساس بالتخلص من أنظمة سلطوية دون إعادة صياغة للهيكل الاجتماعي)ولكنها تأتي في حال نجاحها بنظم ديمقراطية ضعيفة تعاني من أزمات بُنيوية تراكمت خلال سنوات من سيطرة نظم سياسية قمعية واستبدادية علي مفاصل الدولة ومواردها ومؤسساتها. ونحن لا نحاول هنا أن نجزم بأنه من غير الممكن بناء نظم ديمقراطية علي أطلال وبقايا نظم شمولية واستبدادية، فهو أمر ممكن نظرياً وعملياً، ولكنها عملية صعبة ودقيقة وعادة ما تكون طويلة الأجل تأتي بثمارها خلال فترة زمنية غير قصيرة، ولكن الأهم من ذلك، هو ضرورة توافر عدد من العوامل والظروف التي تسمح بالانتقال السلمي من السلطوية إلى الديمقراطية كمعدلات وافية من التنمية الاقتصادية، ونسب متزايدة من التعليم، ووجود طبقة متوسطة فاعلة، وغياب الصراعات ذات الطابع العرقي أو الديني أو المذهبي. لذا، كان نمط الثورة في الحالة المصرية أحد العوامل التي شكلت المسار الذي اتخذته ثورة 25 يناير منذ إسقاط حسني مبارك في 11 فبراير 2011 وحتي الآن. حيث اعتمد هذا النمط علي الآليات السياسية لتحقيق التغيير من خلال عدد من الإجراءات المؤسسية كالاستفتاءات والانتخابات، والتي تُقام تحت رعاية الدولة، ومن ثم، لم يتعد التغيير السياسي أو الاجتماعي الذي أفرزته ثورة 25 يناير خلال اعتصام ميدان التحرير الذي استمر ثمانية عشر يوماً حيز الضغط علي الدولة من خلال الشارع، وهو ما سارع بإعلان القوات المسلحة في 31 يناير 2011 أن الجيش المصري تفهم شرعية مطالب المتظاهرين، وأن القوات المسلحة لن تستخدم العنف مع أبناء الشعب ، ويُعد هذا الموقف من القوات المسلحة في حد ذاته أحد أهم العوامل التي سارعت بإنهاء حكم حسني مبارك، بغض النظر عن الدوافع والمُحفزات التي ساعدت علي تبلور هذا الموقف. وبالتالي، كان نمط الثورة المصرية في حد ذاته نمطاً سياسياً ومطلبياً نجح في تحقيق جزء من المطالب التي تحركت من أجلها الجماهير عندما استطاعت القوى الثورية المعتصمة بميدان التحرير الاستمرار في الحشد والتعبئة حتي أعلن عمر سليمان تخلي مبارك عن الحكم وتفويض المجلس الأعلي للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، أما باقي التغيرات التي تلت إعلان 11 فبراير 2011فقد كانت نتاج مجموعة من العوامل السياسية، وعدد من التفاعلات بين القوى الرئيسية في المشهد ما بعد الثوري خاصة بين جماعة الاخوان المسلمين من ناحية، وبين الدولة مُمثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة من ناحية أخرى. نأتي بعد ذلك إلى أحد العوامل التي تؤثر علي مُخرجات الثورات وتصنع فارقاً ملموساً بين نتائجها ومستقبل مسارها، وهو العامل المتعلقبطبيعة وإيديولوجيا وتفاعلات نخب ما بعد الثورة. ففيما يتعلق بدور النخب في الثورات، عادة ما يكون هناك تحالفاً بين مجموعة من النخب خلال مرحلة العملية الثورية، وفي حال نجاح الثورة في تحقيق مطالبها، يواجه هذا التحالف تحديان رئيسيان، الأول هو الحفاظ علي وحدة هذا التحالف في مرحلة ما بعد إسقاط النظام، والثاني هو مجموعة من الصراعات بين نُخب الثورة والنُخب السياسية والمجتمعية الأخرى التي لا تنتمي لهذا التحالف. ويُعد هذا العامل أحد أهم الأبعاد التي تقوم بتشكيل المسار السياسي في مرحلة ما بعد الثورة، فاستمرار تحالف نخب الثورة قد يؤدي لإفراز كيانات سياسية مؤسسية أو غير مؤسسية قادرة علي المشاركة في صناعة القرار، أما التشرذم والانشقاق داخل تحالف النخب الثورية فقد يؤدي لانقسامات إيديولوجية، أو ظهور كيانات وتحالفات سياسية ذات أهداف تتعارض مع الأهداف الرئيسية للثورة، أو لمجموعة من التفاعلات بين النخب المنقسمة علي نفسها التي قد تتطور لحالة مُمنهجة من الإقصاء السياسي أو إلى سجال مسلح وصدامات عنيفة. وهذه النقطة تحديداً من غير الممكن فصلها عن الطبيعة البُنيوية للدولة ووضع مؤسسات القوة الجبرية في البناء الهيكلي للدولة، وهي أحد النقاط التي صنعت فارقاً ملحوظاً في إطار صراع النخب في حالات الربيع العربي المختلفة. وبغرض تحري الدقة العلمية والأكاديمية، ربما كانت نقطة البداية الأفضل هي وضع نوعمن التعريف الواضح للنخب حتي لا يتم خلط المعاني أو إطالة السرد في مفاهيم مبهمة. فما نقصده بمصطلح "النخب" هو مجموعات من المواطنين لا يشكلون بالضرورة أغلبية، ولكنهم يتفقون علي مجموعة من المصالح المشتركة، ويمتلكون السُبل والوسائل، التي قد تتعدد في طبيعتها وتتنوع في آليات تطبيقها، لكي يكونوا ذوي تأثير فاعل داخل المجتمع، ويسمح لهم هذا التأثير الفاعل بالمشاركة بأدوار تختلف في محوريتها في عملية صناعة القرار السياسي. وقياساً علي الحالة المصرية، نجد أن هناك أربعة فئات ينطبق عليها هذا التعريف، وهم أولاً، النخب السياسية والاقتصادية التي كانت فاعلة أثناء فترة حكم حسني مبارك، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة من حكمه، وثانياً، النخبة العسكرية التي تنتمي للقوات المسلحة والتي باتت تلعب دوراً سياسياً قيادياً بحكم التطور السياسي للمرحلة الانتقالية ما بعد العملية الثورية، وثالثاً، التيار الإسلامي بعناصره المختلفة كجماعة الإخوان المسلمون والتيار السلفي، ورابعاً، مجموعة القوى السياسية المؤسسية وغير المؤسسية التي ظهرت من خلال الحراك السياسي خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك وتعاظم دورها خلال فترة الحشد لمظاهرات ميدان التحرير في 2011 وخلال اعتصام ميدان التحرير في الفترة من 25 يناير إلى 11 فبراير، وهي نُخب أنتجت بعد ذلك عدد من الكيانات السياسية والتحالفات الانتخابية كائتلاف شباب الثورة وقائمتي الثورة مستمرة والكتلة المصرية خلال الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2011. وفي حقيقة الأمر، لم يستمر التحالف بين النخب الذي كان موجوداً خلال اعتصام ميدان التحرير طويلا، ولعل الخلاف علي العملية السياسية وفعاليتها المختلفة، والصدام مع السلطة الانتقالية مُمثله في المجلس الأعلى للقوات المسلحة كانا من أهم النقاط التي تسببت في حدوث تفكك جوهري في هذا التحالف النخبوي الذي لم يتمتع بالقدر الكافي من الترابط في المقام الأول. بدأ الصراع بين العناصر المختلفة لهذا التحالف في مرحلة مبكرة، تحديداً في مارس 2011 عندما أقام المجلس الأعلي للقوات المسلحة استفتاءاً علي التعديلات الدستورية، ففي حين أيد التيار الإسلامي هذه التعديلات بشدة، رفضتها القوى الثورية الأخرى، وحاول كل من الفصيلين الحشد بأدوات مختلفة لدعم موقفه، وجاءت النتيجة النهائية للإستفتاء لتعلن أن التعديلات الدستورية تم قبولها شعبياً من خلال التصويت بنعم بنسبة فاقت ال 70?. وحتى لا نُطيل في سرد الأحداث التي عبرت عن صراع نُخب ما بعد الثورة في الحالة المصرية، يمكننا استنتاج أن مسار الثورة المصرية تم التأثير عليه من خلال صراع نخب ما بعد الثورة من خلال العملية السياسية، أو بمعنى آخر، أدى إسقاط حكم حسني مبارك لخلق هيكل جديد للفرصة السياسية تلخص في فعاليات العملية السياسية التي أعلنت عن إجراءها الدولة، وقد كان لهذا الهيكل أثراً مضاعفاً في زيادة حجم الانشقاق والتفكك داخل التحالف الذي كان موجوداً بين النُخب الثورية، فانقسمت النُخب الثورية إلى فصيلان، فصيل يحاول أن يحشد كل طاقاته وموارده لاستغلال هذا الهيكل والاستفادة القصوى منه، وهو ما فعله التيار الإسلامي بعناصره المختلفة، وفصيل آخر استهلك قدراته في معارضة هذا الهيكل ورفض فعالياته، وهو ما فعلته عدد من القوى الثورية والحركات الاجتماعية التي باتت تحارب التيار الإسلامي من ناحية، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة من ناحية أخرى. بالإضافة للخلاف الذي تطور لصراع سياسي وإعلامي وفي بعض الأحيان ديني بين نُخب ما بعد الثورة في مصر، عانت بعض القوى الثورية من عدد من المشاكل الداخلية التي كان لها أثراً سلبياً علي القدرات التعبوية والتماسك الداخلي لهذه القوى. ففي حين اتجه التيار الإسلامي إلى المؤسسية من خلال إنشاء أحزاب سياسية لفصائله المختلفة، انقسمت القوى الثورية ما بين مؤيدلفكرة التحول لمؤسسات سياسية وبين مُعارض لها، وأدى هذا الانقسام لحالة من التفكك داخل التحالف الثوري الذي تم صياغته من خلال اعتصام ميدان التحرير في 2011. اتجهت بعض هذه القوى لإنشاء كيانات سياسية مؤسسية مثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي وحزب مصر القوية وحزب العدل وحزب مصر الحرية وحزب المصريين الأحرار. وبغض النظر عن اختفاء عدد من هذه الأحزاب من الساحة السياسية والمجال العام ككل، إلا أن ظهورها في مرحلة ما بعد الثورة كان بمثابة إعلان عن حالة من التشرذم عكستها نتائج الانتخابات التشريعية في 2011 والانتخابات الرئاسية في 2012. كما مرت الحركات الاجتماعية المؤثرة في المشهد السياسي بحالة مشابهة من التفكك، فانقسمت حركة 6 أبريل إلى جبهتان كنتيجة لصراع داخلي على عقد انتخابات لهيكل القيادة داخل الحركة، ودخلت حركة الاشتراكيين الثوريين، والتي كانت قد شهدت انقساماً داخلياً في عام 2009، في مرحلة مواجهة مع عدد من الصعوبات كنتيجة لزيادة عدد أعضائها وعدم قدرة الحركة علي التنسيق بين المجهودات المختلفة المطلوب بذلها لمواكبة زيادة عدد الأعضاء والانتشار الجغرافي للحركة . بالإضافة لذلك، لم تتمكن حركات الالتراس من الاستمرار في ممارسة دورها السياسي نظراً للجدل الدائر داخل حركة ألتراس أهلاوي وألتراس وايت نايتس حول مدى اتفاق فكرة العمل السياسي مع الأهداف الرئيسية للحركة، والتي تتلخص في دعم الكيانات الرياضية التي تنتمي كل حركة لها ، كما أن أحداث العنف التي تعرضت لها حركات الألتراس في ملعب بورسعيد وملعب الدفاع الجوي دفعت هذه الحركات لمسار معني في المقام الأول بالمطالبة باسترجاع حقوق الشهداء ومحاسبة المسئولين عن قتلهم. وبالتالي، نرى أن دور النخب في مسار الثورة المصرية من الممكن تلخيصه في نقطتين، الأولى هي صراع هذه النخب مع بعضها البعض في سياق العملية السياسية، والثانية هي التفكك الداخلي لبعض النخب مما أضعف من قدراتها التعبوية والتنظيمية. ومما لا شك فيه أن الدولة لعبت دوراً رئيسياً في تمكين أو تقليص دور هذه النخب من خلال وضع القواعد الرئيسية للعملية السياسية، وتحديد آليات حمايتها وتطبيقها، وكان للدولة أداتين رئيسيتين في هذا السياق هما التعامل الأمني والتشريع. فلجأت الدولة للتعامل الأمني مع عدد من الفعاليات التي حاولت القوى السياسية الحشد من خلالها كفض الاعتصامات واعتقال ومحاكمة المتظاهرين، سواء في مرحلة ما بعد 25 يناير أو مرحلة ما بعد 30 يونيو. كما لجأت الدولة أيضاً لإصدار عدد من التشريعات التي من شأنها التأثير السلبي علي تواجد بعض القوى السياسية من ناحية كقانون التظاهر وقانون الجمعيات الأهلية وقانون الإرهاب، وقامت بحظر عدد من القوى السياسية من خلال أحكام قضائية من ناحية أخرى. نستنتج في النهاية أنه من غير الممكن تلخيص المسار الذي اتخذته الثورة المصرية منذ يناير 2011 وحتى الآن في عامل واحد أو فاعل بعينه، كما أنه من غير الممكن ربط مُجمل أحداث الخمس سنوات الماضية بثورة 25 يناير فقط، فالثورة في النهاية لم تحكم، ولكنها كانت بمثابة أداه للضغط علي الدولة التي لم تكن غائبة عن المشهد السياسي المصري في أي وقت خلال الخمس سنوات الأخيرة. ومثلما هو الحال في العديد من النماذج التاريخية للانتفاضات الاجتماعية والثورات السياسية، لم تنجح الثورة المصرية في التوصل للأهداف التي قامت من أجلها، وتداخلت مجموعة من العوامل والأحداث مع بعضها البعض لتُشكل مساراً سياسياً يختلف عن ذلك الذي كان مأمولاً في يناير 2011. وربما كان من المنطقي أن نتفهم أن مصر بها واقع سياسي راسخ، وموازين قوة ثابتة، وطبيعة بُنيوية ذات اُسس صلبة، بحيث لم يكن بمقدور ثمانية عشر يوماً من الاعتصام السلمي تغيير ثوابت تم بناء هيكل دولة وإطار حاكم للنظام السياسي عليهامنذ خمسينيات القرن العشرين. وفي النهاية، يجب أن ندرك أنه اذا لم تتمكن الثورة من إحداث تغيير شامل، تظل محاولات الإصلاح قادرة علي علاج عدد من المثالب إذا ما توافرت الإرادة السياسية لذلك، كما أن ثورة 25 يناير لم تنجح في إحداث تغيير مؤسسي ينعكس علي الطبيعة البُنيوية للدولة ومن ثم علي مُجمل سياساتها، ولكنها مما لا شك فيه نجحت في إحداث عدد من التغيرات والتحولات الثقافية التي سوف تتبلور في السنوات القادمة لتحولات فكرية وسياسية قادرة علي إحداث فارق في الطبيعة الهيكلية للدولة والنظام السياسي من ناحية، والتوجهات الفكرية للنخب الفاعلة من ناحية أخرى.


رابط دائم: