الهجوم على مصنع اليرموك : إحدى محطات الحرب السرية بين إسرائيل وإيران
11-11-2012

شيماء منير
* باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

جاء الهجوم على مصنع اليرموك للأسلحة فى العاصمة السودانية الخرطوم، والذى وقع فى منتصف ليل 23 أكتوبر الماضى بصواريخ اطلقتها أربع طائرات على المصنع ومخزن للسلاح على عمق 120 متراً تحت الأرض، متزامنا مع التهديدات الإسرائيلية بأن الحل العسكرى للملف النووى الإيرانى سيظل من الحلول غير المستبعدة. ويفيد ذلك المدخل في التعرف على أسباب ودلالات ذلك الهجوم ومن هو المستهدف من وراءه. حيث تعد إسرائيل المتهم الأول بارتكاب الهجوم على اليرموك، وذلك وفقا للأدلة التى أعلنت الخرطوم أنها فى حوزتها، فضلا عن كل الشواهد والسوابق العدائية بين الدولتين والتى تشير إلى أن إسرائيل هى المستفيد الأول من وراء ذلك الحادث. ولا يعد الهجوم على مصنع اليرموك الأول من نوعه الذى تتعرض له السودان من قبل إسرائيل، حيث سبق واستهدفت المقاتلات الإسرائيلية عام 2009 قافلة من المركبات شمال شرقي السودان بحجة أنها كانت تنقل أسلحة إلى قطاع غزة، كما اتهمت الخرطوم فى شهر إبريل من العام الماضى إسرائيل بتنفيذ غارات جوية استهدفت عربات شحن سودانية في منطقة بورتسودان. أما بالنسبة لرد فعل إسرائيل على هجوم اليرموك، فقد أتسم بالغموض، حيث لم تؤكد القيادة المدنية والعسكرية الاتهام، إلا أنها أيضا لم تسع لنفيه. وقد جاءت رؤية المحللين العسكريين فى إسرائيل مستندة على الذرائع الأمنية التى تخول لإسرائيل الحق فى ضرب أى أهداف تعتقد أنها تهدد أمنها ووجودها، وعلى الرغم من أنهم لم يعلنوا صراحة مسئولية إسرائيل عن الهجوم، إلا أنهم لم يستبعدوا فى الوقت نفسه أن تبادر به إسرائيل كإجراء استباقى لردع أي تهديدات محتملة. ومن بين هذه التهديدات تلك القادمة من جهة قطاع غزة، حيث أشار المحلل للشؤون العسكرية في موقع YNET التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، "رون بن يشاى" إلى أن القصف كان يستهدف شحنات أسلحة متطورة من صنع إيرانى كانت سترسل إلى حركة الجهاد الإسلامى الفلسطينى وفصائل أخرى في القطاع ذات صلة بإيران. كما صرح عاموس جلعاد، رئيس الدائرة السياسية الأمنية بوزارة الدفاع الإسرائيلية بأن السودان بالنسبة لإسرائيل "شأنها شأن حماس وايران، يمكن استهدافها حماية للمصالح الاسرائيلية". فضلا عن آراء أخرى زعمت أن المخزن المستهدف كان يحتوى على كميات كبيرة من الأسلحة والصواريخ المتطورة التى تم تهريبها من ليبيا بهدف نقلها إلى قطاع غزة. وعلى الجانب الأخر هناك تحليلات إسرائيلية أخرى لم تستبعد أن يكون الهدف من وراء ذلك الحادث هو إجراء بروفة عملية لهجوم محتمل على المنشآت النووية الإيرانية، حيث أن الطائرات الإسرائيلية قطعت مسافة تقترب من 1900 كيلو متر أى أطول من المسافة بين إسرائيل ومجمع (فوردو) الإيرانى للتصنيع النووى والتي تبلغ 1600 كيلو متر. ومن ثم فتلك رسالة إلى طهران بأن بعد المسافة لا يشكل عقبة فى وجه إسرائيل، فضلا عن تجاوز مشكلة إمكانية التزود بالوقود، بما يعنى أن القدرات النووية الايرانية ليست بعيدة عن القدرات العسكرية الإسرائيلية. ويعد ذلك التحليل مقبولا إلى درجة كبيرة فى حالة ثبوت انطلاق الطائرات الإسرائيلية وفقا للمسار المرجح الذى حددته صحيفة صنداى تايمز البريطانية، فى تقريرها الصادر يوم الأحد الموافق 28 أكتوبر والتى أشارت فيه إلى عبور ثمانية طائرات وطائرتان مروحيتان من فوق خليج العقبة عبر أجواء مضايق تيران ثم إلى المياه الدولية بالبحر الأحمر، وصولاً إلى مدينة بورتسودان الساحلية ومنها إلى الخرطوم. وذلك استنادا على أن منطقة منتصف خليج العقبة منطقة دولية لا تستطيع الأردن أو مصر أو السعودية التصدى فيها للطائرات الحربية الإسرائيلية بموجب القانون الدولى، ثم دخلت الطائرات المجال السوداني من الشرق مستخدمة تكنولوجيا متطورة لتجنب اكتشافها داخل الأراضي السودانية. وقد رجح ذلك المسار العديد من الخبراء العسكريين، إلا أنه هناك أيضا من رجح أن تكون نقطة انطلاق الطائرات من ميناء إيلات المطل على البحر الأحمر، مرورًا بخليج العقبة إلى البحر الأحمر، ومنه إلى مدينة بورتسودان الساحلية السودانية ومنه إلى الخرطوم. وحيث تمتلك إسرائيل طائرات (F16) التى تستطيع قطع تلك المسافة، وهى طائرات يتم تزويدها بالوقود فى الجو من خلال طائرات (C130). ومما يجدر ذكره أن وصول الطائرات إلى المجال الجوى الدولى لا يتطلب إذناً من أى دولة. وهناك أراء أخرى رأت أن انطلاق الطائرات ربما تم من قاعدة "رامون" الجوية الإسرائيلية فى جنوب صحراء النقب، ثم مرت هذه الطائرات على المنطقة الواقعة جنوب الأردن – وهى لا تحظى بمراقبة جيدة من السلطات الأردنية - مخترقة شمال خليج العقبة ثم إلى البحر الأحمر، ومنه إلى بورتسودان وصولاً إلى العاصمة السودانية الخرطوم. واستخدمت في هذه العملية طائرات من طراز F16 التى لديها تقنية التزود بالوقود ذاتيا داخل جسمها عبر خزانات متعددة. وتستطيع هذه الطائرات التحليق لمسافات بعيدة جدًا بما يمكنها من الوصول إلى الأهداف الإيرانية. أما المسار الأخير والذى يفند مزاعم العديد من المحللين الإسرائيلين، الذين اعتبروا ذلك الهجوم بمثابة تفوق وإنجاز وإنذار لضرب إيران، فلم يستبعد اعتماد إسرائيل فى ذلك الهجوم على طائرات بدون طيار، انطلقت من قاعدة جنوب البحر الأحمر واتجهت شمالا لضرب السودان ولم تأت من إسرائيل مباشرة وذلك استنادا على تقارير مخابراتية أفريقية. ويرجح البعض انطلاقها من القاعدة الجوية الخاصة بالولايات المتحدة فى مدينة أربامنش جنوب إثيوبيا، وهو ما يشير إلى احتمال تورط واشنطن فى ذلك الهجوم الذى قامت على إثره بتقليص عدد دبلوماسيها العاملين بالسفارة الأمريكية بالخرطوم. ويعد ذلك المسار أقل كلفة بالنسبة لإسرائيل. وفى ضوء حالة الغموض الذى يكتنف مجمل أركان هجوم اليرموك، فثمة ملاحظات يجب التوقف عندها لمعرفة أسبابه ودلالاته: * أرادت إسرائيل من ذلك الحادث تحذير حكومة الخرطوم بأنها سوف تدفع ضريبة تقربها من إيران التى تسعى لتقوية نفوذها فى إفريقيا والبحر الأحمر، على حساب النفوذ الإسرائيلى. * دخول السودان طرفا فى الصراع بين إيران وإسرائيل، وقد أكد على ذلك الخبراء العسكريين الذين اعتبروا وصول السفن الحربية الإيرانية إلى السودان عقب هجوم اليرموك إنما هو دليل ومؤشر على ذلك، وأنه بمثابة إعلان للعلاقة العسكرية بين السودان وإيران. * يمكن اعتبار ذلك الهجوم أحد فصول حرب إسرائيل السرية فى المنطقة والتى تهدف لردع إيران من خلال منع حلفائها مثل حزب الله والحركات الجهادية الموالية لإيران فى غزة من الحصول على أسلحة لاستخدامها فى حالة ضرب إيران. * كما أرادت إسرائيل أن تثبت تفوقها ليس فقط تجاه إيران، ولكن أيضا تجاه جميع دول المنطقة بالقول أن لديها تقنيات عسكرية تمكنها من تفادى رادارات الدول العربية، وذلك إذا افترضنا انطلاق الطائرات من إسرائيل إلى الخرطوم لتنفيذ ذلك الهجوم. * كما أنها أرادت أن تكشف العوار فى توجهات مصر ما بعد الثورة والتناقض بين الواقع والشعارات، وربما يكون ذلك الهجوم رسالة أرادت أن تبعثها إسرائيل إلى الرئيس محمد مرسى إثر استقباله للرئيس السودانى بمقر رئاسة الجمهورية بقصر الاتحادية يوم الأحد 16 سبتمبر 2012. * أرادت إسرائيل من وراء تلك الضربة قياس أقصى ردود الأفعال الممكنة على اختراق سيادة دولة سنية، يحكمها الإخوان المسلمون فى السودان بقيادة البشير، مما يعد بمثابة بروفة ورسالة طمأنة بأنه فى حالة ضرب إيران الشيعية، فإنه لن تكون هناك ردود أفعال ذات قيمة يمكن أن تؤثر على منظومة العلاقات القائمة مع إسرائيل. * كما أن ذلك الهجوم له دلاله تتعلق بالداخل الإسرائيلى المقبل على انتخابات عامة مبكرة فى مستهل العام القادم، ومن المعلوم أن رصيد الأحزاب اليمينية يرتفع مع وجود تهديدات أمنية أو خوض حروب خارجية تتوحد بمقتضاها الجبهة الداخلية ويتحقق فى ضوءها شبه إجماع وطنى. وذلك يعد مؤشر على أن القادم سوف يكون أسوأ خاصة فى ضوء تحالف حزب الليكود اليمينى مع حزب إسرائيل بيتنا اليمينى المتطرف وأن الفاتورة الانتخابية التى سوف تقدمها تلك الأحزاب اليمينية سوف تكون على حساب القضية الفلسطينة وتغليب الأجندة الأمنية على الأجندة الاقتصادية ومطالب العدالة الاجتماعية، وإيهام الشعب الإسرائيلى بأن سياسات "الليكود بيتنا" هى الضامنة لحماية إسرائيل وأمنها. ومن نافلة القول أن كافة التحليلات السابقة ما هى إلا مجرد اجتهادات، بينما ستظل الحقيقة غائبة فى ضوء الغموض الذى يكتنف جوانب الحرب السرية التى تخوضها إسرائيل مع إيران، خاصة مع ضلوع أطرافا أخرى فيها مثل الحركات الجهادية الموالية لإيران فى قطاع غزة، فضلا عن حزب الله وأخيراً السودان.


رابط دائم: