سوريا وتنظيم القاعدة .. نقلة نوعية فى مسار الأزمة
2-4-2012

صافيناز محمد أحمد
* باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

أطل تنظيم القاعدة من جديد على ساحة الصراعات السياسية فى منطقة الشرق الأوسط بعد فترة انحسار أعقبت مقتل زعيم التنظيم أسامه بن لادن فى عملية عسكرية أمريكية خاصة بمدينة أبوت أباد الباكستانية خلال شهر مايو الماضى، هذه الإطلالة الغريبة والمفاجئة فى توقيتها ومردودها جاءت عبر البيان الذى أدلى به الزعيم الجديد للتنظيم أيمن الظواهرى فى الثالث عشر من فبراير الماضي بشأن دعم القاعدة للثورة السورية فى مواجهة نظام الأسد داعيا الثوار السوريين إلى الاعتماد على أنفسهم بدلا من الاعتماد على الدول العربية أو تركيا أو الدول الأوروبية وداعيا فى الوقت نفسه أنصاره "للجهاد" فى الأراضى السورية، الأمر الذى عده البعض نقلة نوعية جديدة يشهدها مسار الثورة السورية التى تعد أصعب الثورات العربية لا من حيث العلاقة بين النظام القمعى القائم وبين القوى الثورية من ناحية وقوى المعارضة بتكتلاتها المختلفة من ناحية ثانية، ولكن أيضا من حيث ارتباطاتها الإقليمية والدولية التى جعلت من الأزمة اختبارا صريحا لصراع الإرادات الإقليمية والدولية المتباينة بين إرادة ايران الداعمة لنظام الأسد ماديا ومعنويا ولوجستيا باعتباره نافذتها إلى المنطقة العربية ومطبق السياسة الإيرانية فيها تحت إدعاءات مقاومة المشروعين الأمريكى والصهيونى، وبين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الأوروبية والعربية الراغبة فى إنهاء حالة القمع الممنهج الذى يمارسه النظام السورى ضد شعبه لا من أجل القيم الإنسانية وحقوق الإنسان، ولكن أيضا من أجل إعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية فى المنطقة بعد تسونامى الربيع العربى الذى اجتاح العديد من دولها المؤثرة بما يخدم مصالحها؛ أى الاستفادة من حالة انهيار الحلفاء المستبدين من زعماء تلك الدول الذين مثلوا درعا حاميا للولايات المتحدة ومصالحها التى ارتكزت على هدفين: الأول، ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكرى والنووى. والثانى، ضمان تدفق النفط إلى الأسواق الأمريكية وأسواق حلفائها الأوروبين، وكذلك الاستفادة من واقع التغييرات الجديدة والحادة فى تلك الدول باحتواء ثوراتها الشعبية ومحاولة تطويعها بما يصب فى النهاية بخدمة مصالحها مرة أخرى ولكن فى أجواء مختلفة وفاعلين جدد. تنظيم القاعدة فزاعة المستبدين ضد ثورات الشعوب بيان الظواهرى سبقه وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية تصريحات عدد من المسئولين العراقيين واللبنانيين المعروفين بارتباطاتهم المصلحية بالنظام السورى والتى دفعتهم إلى تمويل النظام فى دمشق ودعمه على البقاء والصمود فى مواجهة المطالب الشعبية والدولية برحليه وتعتبر المتظاهرين " جماعات إرهابية مسلحة"!! حيث أشارت تلك التصريحات إلى وجود فعلى لعناصر من تنظيم القاعدة فى سوريا، بل واعتبارها مسئولة عن الضربات التى يشنها الجيش السورى الحر ذو المذهب السنى على المرافق الحيوية للدولة الأمر الذى يدفع إلى التساؤل حول مدى وجود دور لتنظيم القاعدة فى دعم الثورة السورية وهل يمكن التأريخ لهذا الدور بذلك البيان الصادر عن الظواهرى؟ وهل ستشهد سوريا خلال الفترات القادمة ضربات نوعية تحمل ملامح التنظيم أم أنها مجرد دعاية إعلامية تحاول القاعدة من خلالها إعادة جذب الانتباه الدولى إليها للخروج من حالة الانحسار التى شهدتها فى أعقاب مقتل بن لادن وفى أعقاب ثلاثة ثورات عربية ناجحة لم تلعب القاعدة فيها أية أدوار؟ الواقع يشير إلى استخدام النظام السورى كغيره من النظم العربية التى انهارت فى مواجهة الثورات الشعبية بها فزاعة انتشار القاعدة فى حالة رحيله لخلق حالة من التخوف ليس لدى الشعب السورى فقط وأقلياته الشيعية والمسيحية ، ولكن أيضا لدى القوى الكبرى التى تعتبر القاعدة العدو اللدود لها خاصة الولايات المتحدة والتى ستتحسب بدورها وفقا لهذا التصور لعدم تحويل سوريا القريبة من اسرائيل إلى ساحة جديدة للقاعدة، ومن ثم ووفقا لتلك التصورات فإن الترويج لمثل هذه الفزاعة يمكن أن يدفع القوى الدولية إلى إعادة النظر فى مواقفها الداعمة للثورة فى مواجهة النظام السورى القمعى، بل إن هذا التصور من شأنه التأكيد على دور الأيادى الخارجية فى دعم تحركات المعارضة والتآمر على النظام كأحد الادعاءات التى يروج لها النظام السورى!! إلا إنه حتى الآن لم تثبت القاعدة مسئوليتها عن وجود عناصر لها فى سوريا إلا إذا اعتبرنا عناصر القاعدة التى كانت تمر عبر الحدود السورية العراقية قبل خمسة سنوات مضت تحت علم القيادة السورية التى وفرت لها التدريب والسلاح لاستخدامها ضد الوجود الأمريكى فى العراق خلايا نائمة ستعود لنشاطها مرة أخرى وفقا لبيان الظواهرى، وفى هذا السياق يأتى تبرير بعض المحللين بوجود القاعدة فى سوريا عبر الإشارة إلى أن التفجيرات التى شهدتها دمشق فى الثالث والعشرين من ديسمبر الماضى وتلك التى استهدفت مقار الأجهزة الأمنية فى مدينة حلب فى العاشر من فبراير الجارى تحمل ملامح التنظيم من حيث أسلوب التنفيذ وذلك استنادا إلى تقارير وكالة الاستخبارات الأمريكية التى نشرتها صحيفة "ماكلاتشى" الأمريكية وتؤكد مسئولية تنظيم القاعدة (فرع العراق) عن تنفيذ تلك التفجيرات داخل سوريا ، بينما يشير البعض الآخر إلى مسئولية النظام نفسه عن هذه التفجيرات لإلقاء تبعاتها على وجود عناصر من القاعدة فى صفوف المنشقين استنادا إلى شهادات بعض الجنود من الجيش السورى الحر الذين أقروا بعلمهم بتفجير تلك المقار مسبقا عندما كانوا ضمن عناصر الجيش السورى النظامى وقبل الانشقاق عنه ، لكن فى الوقت نفسه وفى ظل عدم اليقين بوجود أو عدم وجود نشاط للقاعدة فى سوريا يمكن اعتبار بيان الظواهرى دعوة صريحة لعناصره الجهادية للانخراط فى الأزمة السياسية السورية من باب فشل القوى الغربية والعربية حتى هذه اللحظة فى توفير الحماية للمدنيين من قمع النظام السورى العلوى وهو المدخل نفسه الذى قد يمثل بوابة العبور للقاعدة إلى الداخل السورى عبر الحدود العراقية خاصة وأن تنظيم القاعدة فى العراق لايزال يحتفظ ببنيته التحتية، حيث يشير بعض المحللين إلى وجود نوعا من الارتباط بين عناصر الجيش السورى الحر وبين القاعدة ترجم فى مظاهر عدة منها؛ عمليات التفجير بالأسلوب الانتحارى وكذلك ضلوع عناصر من الجيش السورى الحر فى قصف بعض المناطق التى يسكنها أقليات غير سنية، وعلى الرغم من عدم توافر بيانات تؤكد صحة هذه التصورات فإن المضمون يظل واحدا وهو أن وصول القاعدة إلى سوريا من شأنه تحويلها إلى مرتع لإرهاب جديد كالحالة العراقية قبل سنوات، بل إنه يفوق فى خطورته الحالة العراقية بالنظر إلى طبيعة المكون الطائفى الداخلى السورى وطبيعة الوضع الإقليمى لسوريا فى منظومة الصراع العربى الإسرائيلى. القاعدة واتساع الصراع الإقليمى على سوريا الأمر لا يتوقف عند حد اعلان القاعدة عن بدء نشاطاتها فى سوريا من عدمه ولكن الأكثر خطورة أن هذا الظهور القائم أو المحتمل للقاعدة فى الآراضى السورية يزيد من حدة المواجهات الإقليمية أيضا ويؤدى إلى اتساع الصراع ودخوله مرحلة جديدة؛ فالساحة السورية تتلاطمها مصالح إقليمية عديدة فمنها مصالح إيرانية ترغب فى الحفاظ على حليفها السورى كحائط صد لحماية طموحاتها فى دور إقليمى معترف به من قبل الولايات المتحدة وفى برنامج نووى يمكنها من دخول نادى الكبار الذى يمتلك قوة الردع التى من خلالها تصبح إيران رقما مهما تعترف الدول الكبرى بمصالحه الإقليمية، وهناك أيضا مصالح لتركيا التى ترغب فى الخروج من دور "الموازن" الإقليمى الذى ظلت تلعبه لسنوات فى مواجهة كل من ايران وإسرائيل إلى دور "المهيمن" الإقليمى صاحب النظام الإسلامى/ العلمانى المعتدل خاصة بعد ثورات الربيع العربى والتى تسعى لتسويق نموذجها فى الحكم على شعوب تلك الثورات وتستجيب فى الوقت نفسه لمطالب الحليف الأمريكى الأطلسى الذى يساند مطلبها الدؤوب فى الانضمام للاتحاد الأوروبى، بالأضافة إلى ذلك هناك المصالح الخليجية وتأتى على رأسها المصالح السعودية التى ترى فى النظام السورى داعما لإيران مصدر إثارة الأقليات الشيعية فى الخليج لاسيما فى البحرين وحثها على مناهضة أنظمتها الحاكمة، أضف إلى ذلك مصالح عراقية تترجمها الحكومة الطائفية فى بغداد التى تسيطر عليها إيران فى دعم واضح لبشار الأسد بالمال والسلاح والنفط ويعول عليه النظام السورى فى كسر حدة العقوبات المفروضة عليه بحيث أصبحت عقوبات فاقدة للتأثير، ناهيك عن تعاطيات القوى الكبرى المحكومة بمصالحها ليس فقط بينها وبين الدولة السورية بنظامها القمعى الحالى أو نظامها المستقبلى فى حالة نجاح الثورة فى إزاحة بشار ونظامه من واجهة العمل السياسى السورى، بل أيضا محكومة بمنظومة العلاقات البينية التى تتطلب إبداء مرونة فى مواقف وتصلابا فى مواقف أخرى، وهو ما يترجم فى الوقت الراهن على أرض الواقع بين الموقف الأمريكى من جهة والموقفين الروسى والصينى من جهة أخرى من الأزمة ذاتها. صراع سنى شيعى محتمل إذن يمكن اعتبار القاعدة هنا أداة النظام السورى ومسانديه إيران وحزب الله وبعض التيارات الشيعية فى العراق للتخويف من مخاطر سقوط نظام الأسد وتحويل الصراع من صراع داخلى بين إرادة شعبية وعنفوان نظام قمعى إلى صراع ذو صبغة طائفية ربما يصل إلى حد مواجهة سنية شيعية تتسع لتشمل المنطقة بأكملها ويتراجع بمقتضاه الصراع العربى الإسرائيلى لصالح الصراع السنى الشيعى وهو ما يخدم مصالح الدول الكبرى التى ستسعى وقتها إلى الاستفادة القصوى من نتائج الصراع وإدارة الفوضى الخلاقة التى ستنتج عنه بما يضمن مصالحها القائمة فى المنطقة. الحرب السنية الشيعية ستكون سوريا هى بدايتها ومحور الارتكاز فيها فى ظل غياب وجود حل فعلى لأزمتها الأمر الذى بات ينبئ بحرب أهلية على أسس طائفية طرفاها نظام الأسد العلوى ويسانده الجيش النظامى الذى تسيطر عليه الطائفة العلوية وبين المنشقين من جيش سوريا الحر الذى يتكون غالبيته من الطائفة السنية ويدلل المحلل السياسى نيكولاس بلانفورد فى مقال له بصحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية على ذلك بإلقاء عناصر الجيش الحر القبض على عدد من جنود الحرس الثورى الإيرانى فى حمص وكذلك قيام حزب الله بإطلاق صواريخ كاتيوشا على مدينة الزبدانى التى كانت خاضعة لسيطرة الجيش الحر، وتزداد وطأة احتمالات الحرب الطائفية الشيعية السنية خاصة فى ظل صعود التيارات الإسلامية السنية فى العديد من دول المنطقة لاسيما تلك التى حدثت فيها ثورات مماثلة للثورة السورية مما يمثل تهديدا للمد الشيعى وتقليصا له، وكذلك فى ظل تخوف دول الخليج السنية من الجار الإيرانى وأطماعه فى المنطقة لاسيما منطقة الخليج الأمر الذى يدفع تلك الدول إلى خيار الاستعانة بالقوى الخارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة لإخراج الأسد ونظامه من سوريا وبالتالى إخراج سوريا من فلك السياسة الإيرانية، ثم دعم تشكيل حكومة سنية تسيطر على النظام السورى بدلا من النخبة العلوية الحالية مما يحقق لدول الخليج هدفين: الأول انكسار الهلال الشيعى الإيرانى بخروج سوريا من عباءته. والثانى، إضعاف إيران وتقليم أظافرها وتقليص طموحاتها وطموح مشروعها الشيعى فى المنطقة. ايران وتوظيف القاعدة السياق السابق يدفعنا أيضا إلى التساؤل حول مدى إمكانية توظيف إيران الشيعية لتنظيم القاعدة السنى لخدمة أهدافها فى المنطقة عبر الأزمة السورية؟ هناك من يرى أن التعاون بين إيران وتنظيم القاعدة "نادر" الحدوث على اعتبار الاختلاف المذهبى بينهما، ولكنه "ممكن" الحدوث على اعتبار أن الطرفين يشتركان فى العداء للولايات المتحدة وإسرائيل وهو الهدف الذى يمكن أن يفتح مجالا للتعاون بينهما وإن تم ذلك فسيكون عبر تحفيز ومساعدة حزب الله على شن هجمات ضد إسرائيل لتخفيف الضغط الدولى على نظام الأسد بمعنى أن إيران ستحتفظ بعلاقة طيبة مع تنظيم القاعدة خلال المرحلة القادمة كورقة ضغط محتمل استخدامها مستقبلا لحماية مصالحها التى قد تتعرض لمخاطر داخل سوريا ولبنان فى حالة تحول مسار الأزمة السورية ووصوله لخيار التدخل العسكرى الخارجى. وأخيرا يمكن القول أن مسار الثورة السورية بات مرشحا لمزيد من التعقيد والتأزم على إثر التطورات السريعة والمتلاحقة على الصعيد الداخلى وعلى الصعيدين الإقليمى والدولى، وأنه وفى حالة رصد فعلى لضلوع القاعدة فى سوريا وما يرتبط بذلك من تداعيات فإن الأزمة ستدخل نطاق التدويل لا من أجل الحفاظ على المدنيين العزل فى مواجهة آلة القمع الوحشية، ولكن من أجل الحفاظ الأمريكى على الحليف الإسرائيلى وضمان أمنه وتفوقه النوعى على بلدان المنطقة، وفى الوقت نفسه يضمن نظام بشار الأسد ترويج الادعاء بفزاعة القاعدة لتبرير جرائمه الوحشية ضد شعبه خاصة وأنه يجيد لعبة استخدام عناصر القاعدة فى الضغط على القوى الكبرى لاسيما الولايات المتحدة كما فعل فى العراق خلال السنوات الماضية.


رابط دائم: