بعد الاتفاق الصيني - الإيراني .. هل تعزز بكين نفوذها في الشرق الأوسط؟
4-4-2021

د. أحمد قنديل
* رئيس وحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

في إشارة واضحة على رغبة بكين في لعب دور محوري في شئون منطقة الشرق الأوسط، وفي تحدٍ واضح للعقوبات الدولية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي، وقعت الصين وإيران اتفاقاً في 27 مارس 2021، قال وزيرا خارجية البلدين إنه لـ "شراكة استراتيجية شاملة" لمدة 25 عام على الأقل. ورغم أن تفاصيل هذا الاتفاق، الذي أقلق الرئيس الأمريكي جو بايدن، لم تنشر بعد، إلا أن التكهنات تشير إلى أن الصين ستتحدى العقوبات الأمريكية بشراء النفط الإيراني. وفي المقابل، سوف تسمح إيران للصين بالاستثمار داخلها بقيمة تصل إلى حوالي 400 مليار دولار، منها 280 مليار دولار في صناعة النفط والغاز، و120 مليار دولار في قطاع النقل والبنية التحتية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وكانت نواة هذا الاتفاق قد ظهرت نتيجة مبادرة صينية طرحت على طهران لأول مرة من جانب الرئيس الصيني شي جينبينج، أثناء لقائه مع المرشد الإيراني علي خامنئي في يناير 2016، بعد أيام قليلة من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ. ويعد هذا الاتفاق امتداداً جديداً للمبادرة الصينية المعروفة باسم "طريق واحد وحزام واحد"، التي تشمل التعاون مع 130 دولة (في مشروعات يصل إجمالي قيمتها إلى 3.6 تريليون دولار) بهدف تعزيز علاقات بكين التجارية والاستثمارية مع آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما سوف يمكنها من توسيع نفوذها كقوة عالمية كبرى.

ويأتي هذا الاتفاق على وقع حرب باردة جديدة بين الصين والولايات المتحدة، ومساعي من الجانبين من أجل حشد الحلفاء والاصدقاء في جبهة موحدة لمواجهة الطرف الآخر، خاصة مع مساعي الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس بايدن، كسلفيه ترامب وأوباما، لتحويل تركيز اهتمام بلاده إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ لإحتواء تقدم الصين المتسارع، وإبطاء مخططاتها لقيادة العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً خلال السنوات القليلة القادمة، وهو الأمر الذي ظهر بشكل واضح من القمة الافتراضية الأولى التي عقدها الرئيس بايدن، والتي جمعته مع قادة اليابان والهند واستراليا (فيما يعرف بالناتو الآسيوي أو الرباعية)، لمناقشة السبل المختلفة المتاحة للتعامل مع "التنين الصيني". كما كان واضحاً من اجتماعات مستشار الأمن القومي ووزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين مع نظرائهم في اليابان وكوريا الجنوبية والهند واستراليا والصين، خلال الشهرين الماضيين، الأولوية الكبيرة التي توليها الإدارة الأمريكية الجديدة لممارسة أستراتيجية "أقصى الضغوط" على بكين من أجل تقييد صعودها العسكري والاقتصادي في العالم.

منافع متبادلة

الاتفاق الصيني- الإيراني سوف يحقق منافع جمة للطرفين حال نجاحهما في تطبيقه على أرض الواقع. فالإيرانيون سوف يستفيدون من الاتفاق في الانفكاك من العقوبات والعزلة الدولية، مما أدى إلى تدهور شديد في أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية. كذلك، يعتقد الإيرانيون أن الشراكة مع بكين سوف تمنحهم التكنولوجيا العصرية المدنية والعسكرية، مما سوف يجعل من إيران قوة إقليمية متفوقة يصعب ابتلاعها أو إخضاعها.

أما الصينيون فسوف يفتح لهم الاتفاق طريقاً واسعاً لتعزيز نفوذهم التجاري والعسكري في منطقة الشرق الأوسط. فإلى جانب تأمين الحصول على النفط الإيراني بأسعار متدنية للغاية وفتح السوق الإيرانية أمام الاستثمارات والمنتجات الصينية، أشارت بعض التسريبات إلى أن هذا الاتفاق نص على تعميق التعاون العسكري بين بكين وطهران، بما في ذلك التدريبات المشتركة، والبحوث المشتركة، وتطوير الأسلحة والصواريخ، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.كما أشارت هذه التسريبات أيضاً إلى أن الصين ستشيد قاعدة عسكرية، قوامها خمسة آلاف جندي، في جزيرة كيش الواقعة في الخليج العربي، تمكنها هي وإيران من لعب دور هام في التحكم بالممرات البحرية في المنطقة، وفي التصدي لنفوذ واشنطن وحلفائها في منطقة الخليج العربي. وتتسق هذه التسريبات، إلى حد كبير، مع تقديرات عدد من دوائر صنع القرار الصيني التي ترى أن إيران هي القوة الآسيوية الوحيدة عسكرياً وجغرافياً الصالحة لمساعدة الصين في إيجاد توازن مع الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، والقيام بدور الضامن الأمني لمصالح الصين الاقتصادية والحيوية.

دور صيني متزايد

يأتي الاتفاق الصيني- الايراني الأخير في ظل نشاط دبلوماسي واقتصادي وعسكري متزايد من جانب بكين في المنطقة، حيث أقامت الصين علاقات دبلوماسية قوية مع جميع دول منطقة الشرق الأوسط، كما رفعت علاقاتها مع 13 دولة في المنطقة إلى مستوى "الشراكات الاستراتيجية". ومن ناحية أخرى، أصبحت بكين أيضاً أكبر شريك تجاري ومستثمر رئيسي في المنطقة منذ عام 2016، وفي العام التالي أنشأت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي. ومن جهة ثانية، تعاونت الصين مع غالبية دول الشرق الأوسط، خاصة مصر والإمارات، في مجال مكافحة جائحة كوفيد 19، خاصة فيما يتعلق بإنتاج اللقاحات. كما استمرت المساعدات الصينية سواء للشعب الفلسطيني واللاجئين الفلسطينيين في الدول المجاورة، أو للشعب السوري وغيره في مناطق الصراع. وفيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، أكدت الصين مراراً على أن الوضع المتأزم الحالي ناجم عن انسحاب الولايات المتحدة الأحادي الجانب من هذا الاتفاق. وحثت بكين الولايات المتحدة على رفع عقوباتها غير المشروعة على إيران، واستئناف تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة، بشكل شامل وغير مشروط.

وبالتزامن مع كل ذلك، يبدو أن المحللين العسكريين الصينيين يدعمون أيضاً بناء تحالفات جديدة ذات علاقة بمنطقة الشرق الأوسط، ومنها، على سبيل المثال، تشكيل تحالف تركي- إيراني- باكستاني، رغبة منهم في ثني الهند عن التعاون مع "الرباعية" التي ترعاها واشنطن لاحتواء الصين (وتضم هذه الرباعية، التي يصفها عدد من المراقبين بأنها "ناتو آسيوي" كلاً من الولايات المتحدة واليابان والهند واستراليا). وفي هذا الإطار، عبر تحالف من البنوك الصينية (كونسرتيوم) مؤخراً عن استعداده إقراض تركيا 3 مليار دولار لتمويل عدة مشروعات متوقفة في اسطنبول، وهو  أكبر دعم مالي تقدمه الصين إلى الأتراك في التاريخ الحديث.

اهتمام بكين المتزايد بمنطقة الشرق الأوسط، والذي كان آخر مؤشراته المهمة الاتفاق الصيني- الايراني، يتزامن مع تعثر إدارة بايدن الجديدة في مقارباتها الأولى تجاه غالبية دول المنطقة، وخاصة إيران وتركيا وإسرائيل. فإدارة بايدن ما تزال "تعيد تقويم" علاقاتها مع تلك الدول. وما زالت جهودها مع طهران لتجديد المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني تواجه عقبات رغم المباحثات غير المباشرة التي تجري، وخط الهاتف بين البيت الأبيض والقصر الرئاسي في أنقرة لا يزال صامتاً، كما يوجد انسداد شبه كامل في عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية.

رؤية جديدة لأمن المنطقة

ربما يكون هذا التعثر الأمريكي الواضح في تناول الملفات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، هو ما دفع  وزير الخارجية الصيني وانج يي، إلى القيام بجولة غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة من 24 حتى 30 مارس الفائت، زار خلالها ست دول هى: السعودية وتركيا وإيران والإمارات وعُمان والبحرين، (وهي الجولة الأولى من نوعها منذ 7 أعوام). وخلال هذه الجولة، كشف يي عن رغبة بكين في ترويج رؤيتها لنظام الأمن الجماعي الشامل في المنطقة. وتقوم هذه الرؤية، التي لا يمكن أن تكون عفوية وإنما تأتي كجزء لا يتجزأ من الخطة الاستراتيجية لتقدم بكين في الشرق الأوسط، على التزام الصين بحل المشاكل في المنطقة، من خلال "استضافة حوار أمني خليجي متعدد الأطراف يركز في البداية على تأمين المنشآت النفطية والممرات الملاحية". كما طرح وزير الخارجية الصيني أيضاً، خلال هذه الجولة، مبادرة الـ5 نقاط بشأن تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ومفادها "الدعوة إلى الاحترام المتبادل، والالتزام بالعدالة والإنصاف، وتحقيق عدم انتشار الأسلحة النووية، والعمل سوياً على تحقيق الأمن الجماعي، وتسريع وتيرة التنمية والتعاون"، الأمر الذي يطرح تقديم دفعات بناءة للحوار الفلسطيني-الإسرائيلي، واستكمال الاتفاق النووي مع إيران، وبناء إطار عمل أمني في منطقة الخليج العربي.

تداعيات محتملة

الاتفاق الصيني- الإيراني، حال تطبيقه على أرض الواقع، سيمنح الصين، بلا شك، وجوداً استراتيجياً في المنطقة ويرفع مكانتها كقوة اقتصادية، وربما أيضاً كقوة عسكرية. كما سيوفر هذا الاتفاق لطهران "عجلة خلاص" لاقتصادها المنهار وإمكانية لتجاوز العقوبات الأمريكية.

ولكن، من وجهة نظر استراتيجية وعسكرية، قد يؤدي تنفيذ هذا الاتفاق، وخاصة تلك البنود المتعلقة بالتكنولوجيا والتعاون العسكري والاستخباري، إلى إلحاق ضرر بقدرة المجتمع الدولي على إحباط البرنامج النووي الإيراني، خاصة إذا ما قررت إيران "الانطلاق" إلى القنبلة النووية.كذلك، قد يؤدي تفعيل هذا الاتفاق على أرض الواقع إلى تدهور علاقات بكين مع معظم دول الخليج العربية. فعلى سبيل المثال، ألمحت السعودية مراراً إلى أنها لا تهتم كثيراً بتبني عملية تدريجية من شأنها أن تسمح لإيران بالاندماج في محيطها الإقليمي قبل تناول القضايا الشائكة، وفي مقدمتها فرض قيود على برنامج إيران للصواريخ الباليستية بالإضافة إلى إنهاء دعمها للميليشيات الموالية لها في العراق وسوريا وأذرعها المتمثلة خاصة بحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.

وفي ضوء ذلك، يرى عدد من المراقبين أنه ليس من الوارد في المدى المنظور تفعيل الاتفاق الصيني- الإيراني على أرض الواقع، حيث يوجد على الأقل عاملان مهمان من شأنهما التأثير السلبي على هذا الاتفاق، وهما :أولاً، توقع عدم استسلام الولايات المتحدة، وحلفاؤها الرئيسيين في المنطقة، وخاصة إسرائيل ومعظم دول الخليج العربي، تجاه "كابوس" تعاظم التعاون بين بكين وطهران. فعلى الأرجح سوف تكون هناك مساعي حثيثة من جانب واشنطن وحلفاءها في الشرق الأوسط للضغط على الصين لتقييد تعاونها مع إيران.

وثانياً، معارضة بعض الشخصيات العامة والسياسية في إيران لاتفاق الشراكة مع الصين نظراً لسرية بنوده وعدم إعلانه بشكل شفاف وواضح أمام الشعب، فضلاً عن إمكانية أن يسمح للصين بنفوذ اقتصادي كبير على القطاعات الحيوية في البلاد. وسوف تزداد خطورة هذه المعارضة في الفترة التي ستسبق الانتخابات العامة المقررة في البلاد هذا الصيف، حتى أن بعض الخبراء يرى أن اتفاق بكين الأخير مع إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني، التي تتأهب للرحيل في الانتخابات المقبلة، قد لا يساوي أكثر من قيمة الورق الذي كتب عليه.

ومع ذلك، يمثل الاتفاق الصيني- الإيراني تطوراً مهماً للغاية لأنه يأتي بعد عقود من التردد في بكين بشأن تحدي واشنطن في منطقة الشرق الأوسط. كما يمثل هذا الاتفاق أيضاً إشارة واضحة على بروز بكين في المشهد الشرق أوسطي بقوة، وعلى رغبة صينية جامحة لا تخطئها عين للحصول على موطىء في واحدة من أكثر المناطق غير المستقرة في العالم. فكيف سيكون مستقبل منطقة الشرق الأوسط في وجود تنين صيني يستعد لوضع إحدى قدميه لأول مرة على شواطئ الخليج العربي، بعد أن وضع قدمه الأخرى في جبيوتي وأصبح الشريك التجاري الأول لمعظم دول المنطقة؟، وهل سيؤدي زيادة النفوذ الصيني في المنطقة إلى تحقيق الأمن والاستقرار فيها أم أنه سوف يصب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة في المنطقة؟. أسئلة توحي في مجملها بأن منطقة الشرق الأوسط ربما تكون مقبلة على استحقاقات استراتيجية لا تبدو هينة.


رابط دائم: