وسائل التواصل الاجتماعي ودمقرطة أسواق المال: وول ستريت تحت المجهر
4-2-2021

د. هناء عبيد
* خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية / رئيس تحرير مجلة الديمقراطية السابق

أثير من جديد الجدل حول علاقة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعى بالديمقراطية مدفوعاً بالأحداث فى مجال غير متوقع، وهو أسواق المال العالمية وبالتحديد وول ستريت. فقد جددت التداعيات الخاصة بتداول سهم شركة جيم ستوب Game Stop لألعاب الفيديو، العديد من السجالات التي أثيرت في السابق بشأن علاقة وسائل الاتصال بالديمقراطية، وقدرة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعى على تجسير فجوة القوة وإعطاء "صوت" للضعفاء.

فقد أعقب اليقين التفاؤلى بالدور الإيجابى الذى قد تلعبه وسائل التواصل الاجتماعى في دعم الديمقراطية والذى ساد في بداية الربيع العربى، حالة من التشكك، وطرح الكثير من المحاذير حول دورها في تكريس الاستقطاب، أو تحولها هى نفسها مسرحاً لنزعات شبه قبلية، وهو نقاش واسع ولكنه يخرج عن نطاق تركيز هذا المقال.

دور مزدوج

على الصعيد الاقتصادي، فإن النقاش حول دور الإنترنت في دعم الديمقراطية، أقل وضوحاً، ويتجدد بشكل أقرب للموسمية ارتباطاً بأحداث بعينها. ومن حيث المبدأ، فإن الإنترنت التي عززت من القدرة على الوصول للمعلومات، ووسائل التواصل التي زادت من القدرة على "التنظيم" والتشبيك بين ملايين البشر الغرباء، من الممكن نظرياً أن تنعكس في قدرة هؤلاء على التعبير عن مصالحهم الاقتصادية، أو التأثير في صنع القرار المرتبط بها، بنفس منطق تأثيراتها السياسية، كما أنها توفر منصات لكشف الفساد والتلاعب بمصالح "الصغار" أو المهمشين. من ذلك ما ثار منذ عدة سنوات حول التسريبات التي عرفت بأوراق بنما، ودور الإنترنت كمنصة لكشف فساد الملاذات الضريبية الآمنة على نطاق عالمي، وما صاحبها من كشف تورط أسماء شهيرة فى عالم السياسة، والاقتصاد، والرياضة، في تلك الممارسات. وفى فورة الاحتفاء بدور الإنترنت بهذه الكشوف والتسريبات، حذرت بعض الأصوات من أن التسريب الأكبر، والذى يتم بشكل صامت، ومنهجي، هو تسريب بيانات المستخدمين، حيث تعد موافقة مستخدمي الإنترنت على استخدام بياناتهم شرطاً لاستخدام معظم خدمات مواقع الإنترنت المجانية، ليتم تحليلها وبيعها وتداولها وتوظيفها سياسياً واقتصادياً. فالإنترنت في نهاية المطاف تدار بواسطة مجموعة من الشركات الكبرى، ويحكمها منطق السوق والربح والخسارة.

أما علاقة أسواق المال بالديمقراطية فقد لفتت إليها الاهتمام حركة "احتلوا وول ستريت" عام 2011، حيث أثيرت قضايا اللامساواة الاقتصادية، وتأثير مصالح الشركات الاقتصادية الكبرى على القرارات الحكومية خاصة في القطاع المالى، في تذكرة بأحداث الأزمة المالية العالمية التي تكبد آثارها المواطن العادى بينما استخدم الدعم الحكومى لمساعدة البنوك والمؤسسات المالية. ثم امتدت بعد ذلك لحراك أوسع باسم "احتلوا" عم عدة دول في العالم واتسعت أجندة مطالبه.

حراك جديد

وفي الأسابيع الأخيرة، عاد إلى بؤرة الاهتمام دور وسائل التواصل الاجتماعى في دعم الديمقراطية في القطاع المالى من خلال الحديث عن دينامية جديدة تمكن صغار المستثمرين من التأثير على حركة البورصة وأسواق المال في مواجهة مصالح "الكبار" بما يعني دعماً للديمقراطية بالمفهوم الواسع.

هذا الحراك الجديد الذي لفت الانتباه بشدة وكان مسرحه وول ستريت، يرجع قوامه لنشأة نوع جديد من شركات الاستثمار المالي التي تستهدف الأجيال الشابة من خلال منصات استثمار بدون رسوم، وتمكن من الاستثمار في كسور أو أعشار الأسهم. من هذه المنصات شركة السمسرة "روبن هود" الأمريكية، ونظيرتها "ريفولوت" الإنجليزية، وكلا الإسمين يوحى بأنهما تسعيان للانتصار للأضعف، أو إحداث تغيير جذري في الخدمات التي تقدمها، من خلال استهداف شباب وصغار المستثمرين، وتسهيل الاستثمار في أسواق المال بشكل يلائم تلك الفئة من العملاء، في مجال تحكمه المصالح الكبيرة.

 بالإضافة إلى توافر منصات تستقطب فرادى وصغار المستثمرين من الأجيال الشابة، لعبت وسائل التواصل الاجتماعى دوراً أساسياً لتنسيق القرارات والمصالح فيما بين صغار المستثمرين، خاصة موقع "ريديت"، في الأحداث الأخيرة. فعلى إحدى غرف الثرثرة chat rooms على الموقع والتي تسمى رهانات وول ستريت wall street bets والتي ارتفع عدد المشاركين فيها ليصل إلى ٣ مليون، التقت مجموعة من صغار المستثمرين، أو ما يطلق عليهم مستثمري المنزل، أو مستثمري التجزئة retail investors، وتمكنوا من تنسيق حركتهم والتصرف بشكل شبهه بعض المختصين بأنه كالاتحاد union، بينما وصفها آخرون بأنها حركة مالية قاعدية Financial grass root movement، كما رأى البعض أنها تبني على إرث حركة "احتلوا وول ستريت"، وهو ما تدعمه الدعوات الأخيرة لحركة "إعادة احتلال وول ستريت" Re-Occupy Wall Street على خلفية تداعيات الأحداث.

فقد استخدم صغار المستثمرين التنسيق فيما بينهم عبر وسائل التواصل، ليس فقط لجنى أرباح كبيرة، وإنما لتحدي أو "عقاب" موجه ضد صناديق التحوط Hedge funds، وما تستخدمه من آلية البيع القصير short selling والتي يستهدف بها المستثمرون الكبار في الغالب، حيث تنطوي على مخاطرة عالية، الشركات المتوقع تراجع سهمها بحيث يقترضون السهم ويبيعونه مباشرة، ثم يعيدون شراءه بعد تراجع قيمته محققين فارق ربح قوامه الرهان على خسارة السهم لقيمته. هذه الآلية بحد ذاتها قد تعجل بانهيار قيمة سهم الشركة وانهيارها، لأنها تعد نوعاً من التصويت بعدم الثقة، فضلاً عما يصاحبها في الغالب من دعاية سلبية ومقابلات إعلامية تشيع نفس القناعة.

وقد تم استخدام هذه الممارسة شبه الاعتيادية في مواجهة شركة جيم ستوب لألعاب الفيديو حين وصل سعر سهمها إلى 20 دولار وسادت التوقعات لمزيد من الانهيار لسعر السهم محفزة شهية البيع القصير المشار إليها، والتي يتم من خلالها تحقيق أرباح سهلة تقتات على الشركات المتعثرة. ومن ثم تم تحدى هذه الآلية من قبل صغار المستثمرين من خلال رفع الطلب على سهم الشركة، حيث تمكنت هذه المجموعة من المستثمرين من رفع سعر سهم جيم ستوب المرشح للانهيار، بمقدار 1500٪ في فترة وجيزة.

ويشير التنسيق إزاء سهمين لشركات للترفيه إحداهما تختص بألعاب الفيديو وهى شركة جيم ستوب والأخرى أيضاً تملك سلسلة من دور السينما وتعمل في مجال الترفيه هى شركة AMC، إلى أن الحراك الذي تم على الأسهم كان قوامه شباب المستثمرين الذين تستميلهم بشكل كبير شركات روبن هود للسمسرة وغيرها من المنصات التي سبقت الإشارة إليها، وأنه كان مدفوعاً، على الأقل في أحد أبعاده، بالرغبة فى إنقاذ شركات يحرص عليها هؤلاء المستثمرون من أن تسحقها آليات وول ستريت.وقد غطى الإعلام الأمريكي قيام أحد شباب المستثمرين الذين ربحوا من سهم شركة جيم ستوب، وهو طالب جامعي، بالتبرع بألعاب فيديو لأطفال المستشفيات، في لفتة إلى الأهداف الإنسانية لصغار المستثمرين، والتي تغيب عن الصناديق والمؤسسات الكبرى الحاكمة لوول ستريت.

لكن لم تدم نشوة انتصار صغار المستثمرين وقدرتهم على تحقيق الأرباح وموازنة تأثير الكبار طويلاً، حيث منع تطبيق روبن هود التداول على سهم جيم ستوب ومجموعة من الأسهم الأخرى، معللين ذلك بالالتزام بالقواعد الحكومية للتداول، بينما الأرجح أن روبن هود قد تعرضت لضغوط أو خشيت التعرض لإجراءات عقابية ممن تضررت مصالحهم. وتلت روبن هود بعد فترة وجيزة شركة ريفولوت في منع شراء أسهم جيم ستوب، وعاد السهم مرة أخرى إلى الانخفاض.

اهتمام عابر أم بداية لتطورات أعمق؟

ويكفي لتقدير دلالة هذه التطورات، الإشارة إلى أنها حظيت باهتمام وتعليق إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، كما أصبحت قضية دعم صغار المستثمرين محطاً للتوافق بين الخصوم السياسيين في واشنطن، حيث أعلنت السيناتور الديمقراطية المعروفة بدفاعها عن قضايا العدالة أليكساندريا أوكاسيو كورتير ضرورة التحقيق فى قرارات حظر شراء سهم جيم ستوب، والمطالبة بالمساءلة وإجراء جلسات استماع حول الموضوع، ووافقها في موقفها السيناتور الجمهوري الداعم للرئيس السابق دونالد ترامب وذو الميول المحافظة، تيد كروز. وتزداد الدلالة السياسية لتلك التطورات خاصة في ضوء أن تطورات أسواق المال هى قضية تمس المواطن العادي في الولايات المتحدة، حيث أظهرت استطلاعات جالوب في الربع الأول من عام 2020 أن حوالى 55٪ من المواطنين الأمريكيين يمتلكون أسهماً في أسواق المال.

ويتعدى الاهتمام بالمسألة قضية حماية مصالح صغار المستثمرين في مواجهة الصناديق والمؤسسات المالية الكبرى، ليطال علاقة وول ستريت بالاقتصاد الأمريكي بوجه عام، فبينما تستمر الأسواق المالية في الانتعاش، تسجل البطالة أرقاماً قياسية، حيث فقد حوالي 10 مليون شخص وظائفهم مقارنة ببداية العام الماضي. كذلك تشير المصادر إلى أنه على مدار العقد الماضي، فإن 90٪ من كل دولار يتم استثماره، يتم تخصيصه لإعادة الشراء، ولا يعود على الشركات نفسها أو العاملين بها، في تدوير للعوائد على فئة المدراء والمؤسسات الاستثمارية الكبرى.

وبرغم انتهاء الحدث عند هذا الحد، على الأقل في الوقت الراهن، فإنه ينذر بأن عالم المال لم يعد بعيداً عن المساءلة مثلما كان في السابق. فالمؤسسات المالية لا تتعرض بشكل مباشر لضغوط وتأثير المواطن العادي، بينما الشركات عرضة للمساءلة من خلال آلية المقاطعة التي أصبحت سلاحاً بالغ التأثير في عالم السوشيال ميديا، ويتم استخدامها كآلية عقابية من المستهلكين ضد الشركات التي تخالف معايير العدالة، أو الحفاظ على البيئة، أو أحياناً تستخدم لدعم قضايا سياسية مثل حركة BDS والتي ترمز حروفها لكلمات المقاطعة، عدم الاستثمار، والعقوبات الاقتصادية، وهى حركة دولية داعمة للحقوق الفلسطينية بدأت منذ عام 2005. فقد تمكن حراك "جيم ستوب" وتداعياته التي ما زالت تتوسع دوائر الاهتمام بها، من وضع القطاع المالي تحت طائلة الرأى العام وتأثير "المواطن العادي" في السياق الأمريكي.

حتى الآن ليس محسوماً ما إذا كانت أحداث شركة جيم ستوب مدفوعة بالكامل بصغار المستثمرين أم أنهم كانوا رقماً في معادلة تنافست فيها مصالح كبرى متناقضة، ولا يبدو هل ستكون هذه الأحداث نواة لمزيد من التنسيق بين صغار المستثمرين في المستقبل يمكن البناء عليها أم أنها مجرد ثغرة glitch سرعان ما سيتم تداركها، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل التواصل الاجتماعى في هذا الصدد، إلا أنها بالتأكيد ألقت حجراً في المياه، وجددت الثقة في قدرة الأشخاص العاديين على التأثير حتى وإن كان لإنقاذ شركة الألعاب المفضلة لديهم!


* تود الكاتبة شكر الباحث أحمد عبد السلام لمساهمته في تدقيق المعلومة الخاصة بآليات عمل أسواق المال، وفي مناقشة العديد من الأفكار التي وردت في سياق المقال.


رابط دائم: