تراكمات مجتمعية: لماذا اقتحم أنصار ترامب الكونجرس الأمريكي؟
7-1-2021

د. دينا شحاتة
* رئيس وحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

يمثل اقتحام مؤيدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمبنى الكونجرس، في 6 يناير الجاري (2021)، في محاول لتعطيل عملية إقرار فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الامريكية تمهيداً لتسلمه الرئاسة في 20 من الشهر نفسه، لحظة فارقة وغير مسبوقة في تاريخ النظام الديمقراطي الأمريكي، تعبر عن حالة الاستقطاب التي يشهدها المجتمع الأمريكي والتي تجلت في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، إذ أنه بالرغم من هزيمة ترامب في الانتخابات إلا أنه نجح في الحصول على 47٪ من الأصوات أو ما يعادل 74 مليون صوت، حتى بعد الانتقادات التي وجهت لإدارته في التعامل مع الأزمات الصحية والاقتصادية التي واجهت الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى قيامه، بشكل منتظم، بتأجيج هذا الاستقطاب بين قطاعات الشعب الأمريكي على أسس عرقية واجتماعية.

وقد شهد المجتمع الأمريكي في السنوات الأخيرة أحداث شغب وعنف على أسس عرقية بشكل غير مسبوق، وفي ظل رئاسة ترامب تحولت بعض الجماعات اليمينية المتطرفة، وفقاً للأجهزة الأمنية الأمريكية، إلى أكبر مصدر للإرهاب والعنف في المجتمع الأمريكي في السنوات الأخيرة، وكانت هناك مخاوف حقيقية من أن تقوم بأعمال عنف على نطاق واسع لتعطيل الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

وفي أعقاب الإعلان عن فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أصر ترامب على أنه الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات وأنه تم تزويرها لصالح منافسه الديمقراطي، وقام باللجوء للقضاء لإعادة فرز الأصوات في عدة ولايات، كما رفع دعاوي قضائية للمطالبة بعدم احتساب الأصوات التي تمت من خلال التصويت البريدي والتي كانت معظمها لصالح المرشح الديمقراطي. وبعد فشل المسلك القضائي، لجأ ترامب

إلى الضغط على نائب الرئيس مايك بنس والأعضاء الجمهوريين في الكونجرس ومجلس الشيوخ لعدم إقرار نتائج الانتخابات. وبالرغم من تجاوب عدد محدود من النواب الجمهوريين مع ترامب، إلا أن بنس وأغلب النواب الجمهوريين رفضوا هذا المسلك. وأخيراً حاول ترامب تعطيل عملية انتقال السلطة لبايدن حينما طالب مؤيديه بالاحتشاد في العاصمة الأمريكية للاعتراض على إقرار فوز الأخير. وقد قام هؤلاء المؤيدون باقتحام مبنى الكونجرس وتعطيل عملية إقرار نتائج الانتخابات، ولكن بعد إخلاء المبنى من المتظاهرين قام أعضاء مجلس الشيوخ والنواب باستكمال الجلسات المخصصة لإقرار النتائج وبذلك يكون المسعى الأخير لتعطيل عملية انتقال السلطة قد فشل أيضاً.

"لبننة" مستمرة 

انتشرت في أوساط فئة واسعة من مؤيدي ترامب نظريات مؤامرة حول قيام الشركات المعلوماتية الكبرى Big Tech، المعروفة بتأييدها لبايدن، باستخدام هيمنتها التكنولوجية في تزوير الانتخابات، بالإضافة إلى قناعاتهم بأن أجهزة الدولة ووسائل الإعلام الأمريكية كانت جزءاً من مؤامرة كبرى لإسقاط ترامب وتصعيد منافسه الديمقراطي. وفي عدد من استطلاعات الرأى التي تمت بعد الانتخابات، عبرت شريحة مهمة من الجمهوريين بأنهم يعتقدون أنه تم تزوير الانتخابات لصالح بايدن، وهو ما يمثل خطراً كبيراً على شرعية واستقرار العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه المعطيات في مجملها تثير سؤالاً رئيسياً مفاده: هل تمثل هذه اللحظة مؤشراً على تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القادمة وبداية النهاية بالنسبة للنظام الديمقراطي الأمريكي، أم أنها تعتبر بمثابة "الصيحة الأخيرة" في تاريخ الرئيس الأمريكي الذي أثار إشكاليات عديدة للأسس القانونية والدستورية للنظام الأمريكي في التاريخ الأمريكي الحديث؟

وفقاً لكثير من المراقبين، ومنهم الصحفي توماس فريدمان والرئيس السابق باراك أوباما في مذكراته الأخيرة "الأرض الموعودة"، فإن المجتمع الأمريكي تعرّض في السنوات الأخيرة، ولعدة أسباب، لعملية تفتيت واسعة على أسس عنصرية وإثنية وأيدلوجية، أو كما يسميها فريدمان عملية "لبننة"، حيث أنه في الماضي كان النظام الأمريكي قائماً على توافق دستوري وتقارب في الرؤى بين الحزبين الرئيسيين حول العديد من القضايا المهمة، وكان انتقال النواب والناخبين من حزب إلى آخر شيئاً معتاداً ولكنه في العقود الأخيرة ازداد الاستقطاب على أسس فكرية وحزبية وتراجعت منطقة الوسط السياسي لصالح الأفكار الأكثر تطرفاً على اليمين واليسار.

توازنات متغيرة 

ففي الحزب الجمهوري، كان تأسيس حركة حزب الشاى بقيادة سارة بالين عام 2012، بداية لتصاعد اليمين المتطرف داخل الحزب الجمهوري والذي وصل إلى ذروته بوصول ترامب إلى الرئاسة عام 2016. ويتشارك مؤيدوا هذا التوجه داخل الحزب الجمهوري في رفضهم لحكم "الخبراء" و"البيروقراطية" وللانفتاح الاقتصادي على العالم ولقيام الولايات المتحدة الأمريكية باحترام التزاماتها الدولية تجاه حلفائها والمؤسسات الدولية. كما يتبنون رؤى عنصرية ترفض التعددية الإثنية والثقافية داخل المجتمع الأمريكي ورؤى محافظة ترفض الحريات الجنسية والإنجابية.

وتمثل هذه الفئة قطاعاً مهماً داخل المجتمع الأمريكي يشعر بالتهديد بسبب تراجع مكانته المجتمعية اقتصادياً وعرقياً، حيث أدت سياسات الهجرة والعولمة والتمييز الإيجابي إلى تراجع موقعه كفئة مهيمنة في المجتمع، ومثّل صعود باراك أوباما أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية إلى السلطة عام 2008 وحتى 2016 وتبنيه لسياسات اقتصادية واجتماعية داعمة للفئات الأكثر احتياجاً ومعظمهم من الأقليات العرقية في المجتمع الأمريكي، حافزاً لتكتل اليمين المتطرف حول دونالد ترامب بسياساته الحمائية والعنصرية الداعمة بشكل مباشر وغير مباشر لهيمنة الأغلبية البيضاء على حساب الفئات الأخرى في المجتمع.

أما في داخل المعسكر الديمقراطي، فكان تراجع تيار الوسط في السنوات الأخيرة وتصاعد أصوات أكثر راديكالية على يسار الحزب، يمثلهم برني سندرز والكاسندريا اوكاسيو كورتيز، سبباً في انقسام الحزب وتفتت الأصوات وتراجع الشباب والأقليات عن التصويت في الانتخابات مما ساهم في سقوط هيلاري كلينتون ونجاح ترامب في انتخابات 2016، وكانت هناك مخاوف من أن تؤدي هذه الانقسامات إلى سقوط الحزب مرة أخرى في انتخابات 2020 لولا أن الرغبة العارمة في إسقاط ترامب كانت عاملاً مُوحِّداً داخل الحزب ومُحفِّزا لجميع الشرائح الاجتماعية المؤيدة له من الشباب والأقليات وغيرهم للتصويت للمرشح الديمقراطي أياً كان شخصه أو توجهه.

ولكن يظل هناك انقسام مهم داخل الحزب الديمقراطي بين تيار الوسط الذي يتبنى منظومة العولمة بشكلها التقليدي وتيار اليسار الذي يدعو إلى تقييد وتنظيم منظومة العولمة والرأسمالية بشكل أوسع ورفع الضرائب بهدف توفير خدمات تعليمية وصحية واجتماعية أكبر، مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري واستخدام مصادر طاقة نظيفة والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر الذي يعتمد توطين الإنتاج وعلى الطاقة البديلة والإبداع والتكنولوجيا.

وقد ساهمت التطورات التكنولوجية خلال السنوات الأخيرة في تكريس هذه الانقسامات الاجتماعية والسياسية، حيث أدى تراجع وسائل الإعلام التقليدية، مثل الصحف الورقية والقنوات التلفزيونية والتي كانت تمثل مصدراً موحداً للحقائق والمعلومات للمواطنين باختلاف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية لصالح الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى ظهور مجتمع ما بعد الحقيقة post truth society، إذ أصبحت كل فئة تحصل على معلوماتها من مصادر خاصة بها تؤكد وتعزز من قناعاتها، واختفت منطقة الحقائق والقناعات المشتركة التي كانت تعزز المواطنة في المجتمعات الديمقراطية، وتراجعت مساحة الحوار بين الفئات المختلفة لصالح مجتمعات منفصلة ومغلقة على نفسها.

ولكن بالرغم من كل التحديات التي تواجه النظام الديمقراطي الأمريكي وتضعه على مفترق الطرق، إلا أن فشل ترامب في تجييش أنصاره وحلفاءه وتعطيل عملية انتقال السلطة، ما هو إلا دليل على صحة وحيوية النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي نجح في تخطي تجربة ترامب، التي قامت، بشكل ممنهج، بمحاولة إضعاف المؤسسات الديمقراطية الأمريكية. ومع ذلك، هناك حاجة ماسة لإدخال إصلاحات مهمة على هذا النظام لضمان عدم تعرض المنظومة الديمقراطية مجدداً للتحديات التي واجهتها في السنوات الأخيرة.


رابط دائم: