عمرو موسى فى حوار مع خبراء مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
27-1-2019

نظم المركز هذه الندوة فى آخر شهر أكتوبر 2018 خلال الإعداد لدمج ثلاثة من إصداراته فى مجلة فصلية متخصصة فى القضايا الإقليمية. والمركز يعتذر للسيد عمرو موسى عن عدم إصدار هذه المجلة، وعن التأخر فى نشر الندوة. ويتقدم  له بخالص الشكر و التقدير والاحترام.

د. وحيد عبدالمجيد

أرحب باسم زملائى، وباسمى، بوجود السيد عمرو موسى الذى قام بدور مشهود فى السياسة الخارجية المصرية، وفى التفاعلات الإقليمية والدولية، ويملك خبرة واسعة وتجربة عريضة، ويطرح أفكاراً وتصورات جديدة دائماً.

السيد عمرو موسى دبلوماسى قدير لا يكف عن التفكير فى أوضاع منطقتنا، وطرح أفكارا بشأنها. وأوجه إليه الشكر لوجوده معنا فى هذا الحوار. وأتوقع نقاشاً ثرياً معه فى لحظة يكثر فيها الحديث عن أن العقد الحالى هو الأسوأ  فى مسيرة العرب على مدى العقود الـسبعة أو الثمانية الأخيرة. لكن الحقيقة إن ما حدث ويحدث فى هذا العقد هو نتيجة تراكمات العقود السابقة. لا شئ يحدث فى الحياة، ولا فى الكون، فى لحظة أو نتيجة مصادفات. لكن دائما هناك مقدمات ونتائج، ومن لا يرى المقدمات لا يستطيع أن يفهم النتائج.

كثيرون فى مرحلتنا الراهنة لا يرون المقدمات... إما لأنهم لا يحبون أن يروها، أو لأنهم لا مصلحة لهم فى أن يروها، أو لأنهم يريدون استغلال النتائج لأغراض شتى. فعزل النتائج عن مقدماتها يؤدى إلى عجز عن فهم ما حدث وما يحدث. ولذلك فرغم كل الكتابات والبحوث والدراسات التى تجرى فى المنطقة وخارجها حول ما يحدث فى المنطقة، مازلنا فى حاجة إلى استكشاف هذا الذى يحدث، ومحاولة فهم أبعاده، والتفكير فيما يمكن أن يكون عليه الوضع بعد عدة سنوات، وهناك أسئلة كثيرة فيما يتعلق بالأوضاع الراهنة فى المنطقة والمقدمات التى أدت إليها، وفيما يمكن أن تؤدى إليه.

ومن هنا أهمية أن نبدأ بالاستماع إلى السيد عمرو موسى، وأقترح عليه أن يعطينا فى البداية ملامح عامة سريعة بشكل مُركز، ثم يستمع إلى مجموعة من الأسئلة والمداخلات، ويتفاعل معها، ثم نأخذ مجموعة تالية، وهكذا... لكى يحدث تفاعل خلاق نأمل أن يؤدى للوصول إلى بعض الأفكار الجديدة.

السيد/ عمرو موسى

أود أن أكون واضحًا من البداية. نحن إزاء مشكلة كبيرة للغاية فى المنطقة، سواء العالم العربى أو محيطه الأوسع. فما حدث فى نهاية عامي 2010، 2011، وما أعقب ذلك، أحدث هزة كبرى فى استقرار المنطقة، وفى مسيرتها، بحيث يمكن لنا القول إن ما قبل عام 2011 شئ، وما بعده شئ آخر مختلف. وأعتقد أننا جميعا هنا نُسلم بأنه لا يمكن العودة إلى الماضى، أو تكرار تجربة. وهذه كلمة لا أحبها. تجربة معناها أننا "فئران تجارب"... لا يوجد ذلك أبدا، لكنه عصر يتلوه عصر.. وهكذا.

مثلا، يُقال التجربة الناصرية. هذه ليست تجربة لكنها عصر شهد بعض التجارب التى أدت إلى ما أدت إليه. نحن نتحدث عن عصور لعبت مصر فيها دورا مهما ورئيسيا فى هذه المنطقة وفى العالم كله، إنما هل من الممكن أن يعود ذلك، وما هى شروطه ومتطلباته وتكاليفه؟ هذا ما ينبغى على مراكز البحث أن تبحث فيه.

وأنا أُدعى لحضور ندوات ومؤتمرات فى المنطقة وخارجها. أحب أن أذهب وأتعلم واستمع، ولدى رغبة أن استمع أكثر مما أتحدث. توجد أسئلة حول الدور المصرى، ماذا ستفعل مصر؟. وكيف ستكون؟. وإلى أين ستصل؟ متى ستخرج من عنق الزجاجة؟

الكلام كثير.. والتساؤلات أكثر لأن مصر دولة محورية مهمة، فى ذاتها، ولأدوار تاريخية قامت بها، وللقوة الناعمة التى كانت تتمتع بها فى كافة مجالات الحياة، والتى قادت المنطقة. مصر لم تقود المنطقة بواسطة القوة الخشنة، ولكنها قادتها بواسطة القوة الناعمة أساساً، وهذا ما جعل مصر موجودة وقائمة ومستمرة فى ضمير أناس كثيرين فى هذه المنطقة وخارجها.

أركز هنا على القوة الناعمة... الولايات المتحدة الأمريكية التى لا تزال دولة عظمى، وأمامها وقت كبير جدا حتى تترك هذا المركز، تعتمد أساسا على القوة الناعمة. أمريكا لم تتقدم ولم تسيطر ولم تتمتع بهذه القوة بواسطة الأسطول السادس أو الخامس، بل عن طريق الجامعات والمدارس والعلوم والعلماء والفنون ومراكز البحث. قوة أمريكا ليست فى الأساطيل، بل الجامعات مثل هارفارد، وليس فى الطائرات الحربية، بل فى هوليوود لأنها مجتمع متقدم وجاد.

هذا هو ما يقدمه الأمريكيون، فعندما انتُخب ترامب.. ماذا قال؟ قال "أمريكا أولا". وفي الهند دائما يرددون Mother india، لديهم اهتمام بأن يصبح مجتمعهم محترمًا عالميًا، وهذا ما حدث. الهند اليوم تطرق أبواب الدول العظمى بقوة، تقول أنا دولة كبرى مثلكم بالضبط، ولى نفس الحقوق، وتقدم أنواعًا كثيرة من القوة الناعمة... الفيلم الهندى الذى أصبح ينتشر فى كل دول العالم.. الزى الهندى، والموسيقى، والجامعات التى بدأت تتقدم، والتكنولوجيا التى أصبحت الهند متقدمة فيها، وأصبحت تنافس، بل صارت قاعدة من قواعد التقدم التكنولوجى الذى تستند إليه وتستفيد منه مجتمعات أغنى مثل المجتمع الأمريكى وغيره.

ولذلك لابد أن نحقق الإصلاح فى مصر، وأن ترتكز خطة الإصلاح على الجامعات والمدارس والمستشفيات... إصلاح كل ما يمكن أن نقدمه للعالم، ويصبح اسم مصر معه مطروحًا دائمًا.

لماذا أقول هذا الكلام، لأننى أعتقد عن دراسة أنه لو كانت مصر موجودة اليوم بنشاط فى منطقة الشرق الأوسط ولم تُحارب وتُحاصر، ما كان من الممكن أن تلعب تركيا أو إيران الدور الحالى، ولا كان من الممكن أن تصل إسرائيل إلى ما وصلت إليه الآن.

مصر كانت هى الضمانة لمنع هذه التدخلات، منذ أن رفضت الأحلاف العسكرية فى الأربعينات. فقد درجت سياسة مصر فى عصرها الملكى، وفى عصرها الجمهورى، على رفض الدخول فى أحلاف أجنبية.

تذكروا عندما كانت مصر عضوًا فى مجلس الأمن، وأصدر قراره الخاص بالحرب الكورية. وأمريكا فى ذلك الوقت كانت مهيمنة وسعت إلى تعبئة التأييد لحربها ضد كوريا الشمالية. مصر رفضت دخول هذه الحرب، وهنا كانت بداية سياسة الحياد بين القوى العظمى، لأنها كانت حرب أمريكا والغرب من جانب والصين وروسيا من جانب آخر. وأعلنت مصر في مجلس الأمن أنها لن تتدخل في الحرب الكورية، وكانت بداية مهمة للغاية لتوجه ذي شخصية خاصة بمصر. هذه كانت البدايات الأولى لسياسات عدم الانحياز، وقبل ذلك مصر فى مؤتمر سان فرانسيسكو الذى كتب ميثاق الأمم المتحدة، كان لها صوت مهم، فمصر كانت موجودة عالميا، كما شرحت الآن، وأيضا عربيا عندما دعت إلى الجامعة العربية، وجمع الدول العربية على مائدة واحدة منذ منتصف الأربعينات.

هذه هى مصر.. أكبر دولة فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، وفى أفريقيا هى ثانى أكبر دولة بعد نيجيريا... دولة لها ثقل سكاني وجغرافى، وثقل من الثروات التى بدأت تظهر الآن، وهى ثروات غاز وبترول ومعادن، كل ذلك كان موجودا، لكنه يظهر الآن، ونحمد الله على ظهوره الآن، لأنه يساعد فى استعادة الدور المصرى المؤثر فى المنطقة.

أنا أعتقد أن هناك قوى عديدة لا تريد لمصر أن تعود إلى هذه المنطقة بدورها، وليس كرقم من الأرقام، مصر لا يمكن أن تكون رقمًا من الأرقام. فمصر رقم خاص، ويجب أن يكون الهدف المصرى واضحًا، وهو أن نستعيد دورنا فى منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الأدوار الأخرى المقررة التى يجب أن نحافظ عليها وننميها ونزيد منها... أى دورنا الأفريقى ودورنا المتوسطى.

وفى هذا الجمع البحثى لابد أننا لاحظنا فى خطاب التنصيب للرئيس عبدالفتاح السيسى عام 2014 أنه تحدث عن "الهوية المصرية"، وعن البعد العربى، والبعد الأفريقى، والبعد المتوسطى. لأول مرة فى مثل هذه المناسبة يحدث تركيز على البعد المتوسطى. وزارة الخارجية المصرية ركزت على البعد المتوسطى منذ التسعينات، للعمل من أجل خلق شئ جديد فى البحر المتوسط. وعندما كانت هناك دول 5+5، قامت مصر بطرح 4+4 فى شرق البحر المتوسط. وبقدر ما كان هناك لى ذراع من جانبهم، حدث مثله من جانبنا، وانتهينا إلى إقامة "منتدى البحر المتوسط" فى الإسكندرية بمبادرة مصرية– فرنسية، وأخذنا وقتًا طويلاً فى إقناع فرنسا بذلك، وانبثقت منه عملية برشلونة. ثم عندما تولى نيكولا ساركوزى رئاسة فرنسا طورها –من وجهة نظره– إلى "الاتحاد من أجل المتوسط"، وكان هناك خلاف كبير، رغم أنها كانت مبادرة مصرية – فرنسية.

هذا هو البعد المتوسطى، ومعه البعد العربى، والبعد الأفريقى، طبعا هناك بعد إسلامى فى إطار مؤتمر الدول الإسلامية، وهناك بعد دينى فى إطار التفاهم الإسلامى- المسيحى، وحتى الدستور المصرى تحدث عن الإسلام والمسيحية واليهودية.

تحدث الدكتور وحيد عن ضرورة عدم عزل المقدمات عن النتائج، ولذلك أنا ممن يؤيدون كثيرا سياسة الإصلاح الحالية، وأرى تسريعها، لأننا فى سباق مع الزمن، فى الوقت الذى يتوسع الدوران الإيرانى والتركى، بالإضافة إلى عودة روسيا إلى المنطقة، وطبعا الوجود الأمريكى الطاغى فيها. بالإضافة إلى هذا البعد الجديد الذى تمثله الصين فى مشروعها الكبير المسمى بـ"الحزام والطريق".

وهكذا تتعرض المنطقة لسياسات جديدة وأشكال من التنافس جديدة أيضا.


 

د. وحيد عبدالمجيد

ما يحدث فى المنطقة الآن كانت له تبعاته، ومن أهمها التفكك العربى، ليس فقط بالمعنى الذى كان موجودا عبر عقود وهو التفكك بين البلدان العربية، لكن التفكك الداخلى أيضا فى هذه البلدان. وصلنا إلى هذا الوضع نتيجة تحولات حدثت على مدى عدة عقود، وكانت لكل منهما مقدماتها، وأنتم كنتم فى قلب السياسات المصرية والعربية فى مرحلة مهمة من المراحل التى شهدت هذه المقدمات.

هل نستطيع تحديد العوامل الأساسية التى أدت إليها، ونرتبها حسب أهميتها، بين داخلى وإقليمى ودولى، بحيث نضع أيدينا على المشهد، ونحدد المساحة التى نريد أن نركز عليها فى النقاش؟.

السيد/ عمرو موسى

كان هناك تسليم بأنه لاستقرار هذه المنطقة لابد أن تكون مصر موجودة بثقلها، الذى فيه الكثير من التعقل، والبعد عن السياسات المتطرفة الموجودة فى المنطقة. ومصر كانت تستطيع التحدث مع العالم من مركز قوة، ولكن كانت هناك أخطاء كبيرة جدا، ارتُكبت فى حق المجتمع المصرى وتقدمه.

وأرى، إجابة لهذا السؤال، أن سوء إدارة الحكم، والتراكمات التى أدى إليها، قادت إلى ثورة 25 يناير. ولا أقصد بسوء إدارة الحكم السياسة فقط، بل التعليم، والصحة، وحالة المجتمع. هذا هو الحكم، أى كيف تُدير بلدا، وكيف تدفع ببلد إلى الأمام. حدث تراجع كبير جدا. التعليم انكسر، الرعاية الصحية لم تصبح موجودة، جودة السلعة ضاعت فى كافة المجالات.. فى الزراعة والصناعة والتجارة والاستثمار، وكذلك أداء الفرد المصرى لأن مستوى التعليم متدهور.

د. وحيد عبدالمجيد

اسمح لى أن أسألكم هنا عن القوى الإقليمية التى صعدت، وباتت تحدد جدول الأعمال، وهى فى الأغلب الأعم، قوى غير عربية، نحن نتحدث طوال الوقت عن مصر... هل مصر وحدها تتحمل مسئولية هذا التراجع العربى كله منفردة؟

السيد/ عمرو موسى

لا يصح أن نعاقب أنفسنا طوال الوقت، إنما مؤكد نحن نتحمل جزءًا من المسئولية، لأننا لم نكن مستعدين لمتطلبات القيادة فى المرحلة السابقة.

د. وحيد عبدالمجيد

ما هى الأجزاء الأخرى... المكونات الأخرى فى المشهد العربى المتراجع؟.

السيد/ عمرو موسى

سأصل إلى المشهد العربى، وهذا سؤال طيب لندخل من المشهد المصرى إلى المشهد العربى، لكن قبل مغادرة المشهد المصرى، لابد من مطالبة المصريين بالإصرار على الإصلاح، ودعم حركة الإصلاح الجارية الآن، ومناقشتها. مصر تحتاج إلى إصلاح جذرى وشامل وواسع. ولابد أن نعطى هذا الإصلاح زخمه. وأن نكون مقتنعين بضرورة تغيير منهجنا. ولنأخذ الإصلاح الاقتصادى مثالا، لأن هناك خلافات وتعليقات مختلفة حوله، لكننى عنيت بأن أسأل أصحاب الرأى... لأننى أعرفهم وأسافر كثيرا، فسألت رئيسة صندوق النقد الدولى فى عامين متتاليين، العام الماضى التقينا على العشاء فى نيويورك العام الماضى، فسألتها عن الوضع الاقتصادى فى مصر من وجهة نظرها؟.. فأجابت بأن الوضع يتحرك نحو الأفضل... وأنه بالفعل هناك قرارات تُتخذ ستؤدى إلى نتائج جيدة. ثم قابلتها هذا العام منذ أسابيع، فسألتها نفس السؤال، فأجابت بنفس الإجابة The same answerإنما السكة طويلة.

لكن المهم أن حركة الإصلاح بدأت، ليس شرطا أن نسلم بكل ما تتضمنه حركة الإصلاح تلك، ويمكن أن يكون لنا رأى، لكن المهم أن هناك حركة تقدم وحركة إصلاح، وهذا هو المطلوب.

محمد عبدالقادر

لدى سؤلان مرتبطان بالسياسة الخارجية المصرية، وبالمنطقة أيضا. السؤال الأول: أنتم تطرحون فكرة "القوة الناعمة"، وهى فى الحقيقة –فى رأيى– استثمار طويل الأجل، بمعنى أنه لكى تعزز قوتك الناعمة تحتاج فى الحقيقة أكثر من عشر سنوات، لكن ما يحدث أن المنطقة تتحول من القوة الناعمة إلى القوة الخشنة. وعلى سبيل المثال، تركيا قوتها الناعمة تراجعت، لكن قوتها الخشنة تصاعدت جدا، وأصبح لها وجود عسكرى فى الصومال، وقطر وسوريا، والعراق. وفى الوقت نفسه، إيران التى اعتمدت على القوة الناعمة خلال عقود طويلة، تحولت إلى القوة الخشنة وأصبح لها وجود عسكرى فى أكثر من بلد.

فهل من مصلحة مصر فى هذه المرحلة أن يكون لها استثمار طويل الأجل فيما يتعلق بالقوة الناعمة، أم آن الأوان مثل كل القوى الإقليمية لإعادة النظر فى استخدام القوة الخشنة لتحقيق أهداف الأمن القومى المصرى والعربى؟

والسؤال الثانى مرتبط بما ذكرتموه عن علاقة مصر بالقوى الإقليمية. فى الحقيقة صياغة مصر لتوجهات نشطة على الساحة الإقليمية تواجهها إشكاليات رئيسية، وحضرتك كنت وزيرا للخارجية فى أهم مرحلة من مراحل التحول فى النظام العالمى، ولكن فى نفس الوقت هناك مشاكل مغايرة فى العقد الحالى، ومنها أن لديك مصالح مع مختلف الأطراف الإقليمية، وفى الوقت نفسه لديك تحديات لا يمكن تخطيها. على سبيل المثال، إسرائيل لديك معها مشكلة رئيسية، ولسيادتكم مواقف تاريخية فى هذا الإطار، فيما يخص الصراع العربى– الإسرائيلى، لكن لديك مصلحة فيما يخص قضية الغاز، والصراع القادم فى المنطقة مرتبط بشرق المتوسط. وتركيا مثال ثان، فهى مستثمر اقتصادى كبير فى مصر، لكن فى نفس الوقت المشاكل معها كبيرة ولا يمكن غض النظر عنها، لأنها مشاكل تتعلق بهوية الدولة والأمن القومى المصرى.

وكذلك إيران هناك توافقات جزئية معها فيما يخص بعض الأوضاع، كما فى سوريا على سبيل المثال، لكن هناك تناقضات ضخمة جدا فيما يخص موقفها من أمن بعض دول الخليج مثل تدخلها فى اليمن وسياستها تجاه المملكة العربية السعودية.

أيضا فيما يخص علاقة مصر والسعودية... هى شريك رئيسى، وهناك علاقات تقليدية، يبدو أنها راسخة على مدار عقود، لكن هناك تباينات فيما يخص التوجهات حيال بعض القضايا الإقليمية الرئيسية.

د. محمد السعيد إدريس

أود التذكير هنا، بأن السيد عمرو موسى كان مهندس أول حوار مع الإيرانيين، فقد تم إجراء الحوار المصرى– الإيرانى، عبر مركز الأهرام ومعهد الدراسات السياسية والدولية فى طهران، وقبل السفر اجتمع بنا فى الوزارة.

د. وحيد عبدالمجيد

كان هذا فى عهد الرئيس الإيرانى الأسبق محمد خاتمى، حيث كانت سياسات إيران أقل تشددًا.


 

د. محمد السعيد إدريس

نعم، عام 2001، وكانت هذه إشارة مبكرة جدا لضرورة الحوار المصرى– الإيرانى. والمفهوم أن العلاقات الدولية ومصالح الدول لا تدار فقط من منظور الصراع، ولكن من منظور الحوار، وهذا الحوار هو وظيفة الدبلوماسية التى تُحول العلاقات الصراعية إلى تفاعلات تعاونية.

الآن وفى ظل انحسار التنافس الإقليمى بين إسرائيل وإيران وتركيا، واحتدام الصراع على إيران، ثم التطور المفاجئ غير المحسوب بعد إسقاط الطائرة الروسية، والتصعيد الروسى- الإسرائيلى المحكوم..

د. وحيد عبدالمجيد

والمؤقت!..

د. محمد السعيد إدريس

د. وحيد يراه تصعيدًا مؤقتًا، لكننى أرى غير ذلك، لكنه تصعيد محكوم. فهل يمكن لمصر تحقيق مصالحها على المستوى الوطنى البحت، وعلى المستوى العربى، وهى تنأى بنفسها بالشكل الموجود الآن عن إدارة هذه التفاعلات؟ أعتقد أن هناك هدرًا للفرص، وأيضا للدور. والحقيقة أن دور الدولة ليس رغبة، دور الدولة مكنونها الذاتى، ومصر دولة دور؟..

سؤال أخير حول مجلس التعاون الخليجى والصراعات داخله، والدعوة الأمريكية لتأسيس حلف استراتيجى جديد، يضم الولايات المتحدة و 6+2 (مجلس التعاون ومصر والأردن)، ولقاء وزير الخارجية الأمريكى مع وزراء الخارجية الـثمانية مؤخرا تكرار لما حدث فى 2006 بين كونداليزا رايس والوزراء الـثمانية فى نيويورك أيضا.

فى 2006 قالت كونداليزا رايس سيتم عمل "شرق أوسط جديد" يغير مجرى الصراع من صراع عربى- إسرائيلى إلى صراع عربى-  إيرانى. والسؤال هو: هل هذا الحلف الجديد له فرص، وإن كانت له فرص، فإلى أين سيقود المنطقة؟.

السيد/ عمرو موسى

مجموعة أسئلة مهمة جدا. وأبدأ بحكاية القوة العسكرية. نحن فى مرحلة بناء مصر، وموضوع استخدام القوة العسكرية، أى الحرب، هذا موضوع يجب أن نضع تحته عشرين خطًا قبل الحديث فيه.

مصر لا تستطيع فى وضعها الحالى أن تغامر، وتستخدم القوة الخشنة. صحيح أن القوة الناعمة كما ذكرت ستأخذ وقتًا، ولكنه ليس طويلا جدا... المؤلفون.. الروائيون.. الكتاب.. الموسيقيون.. والأفلام.. السياحة شئ عظيم جدا، وتدر دخلا سريعا.

أنا ذهبت إلى الأقصر فى يونيو، والجو كان حار جدا، كانت هناك منظمة أسبانية تريد إحياء ليلة موسيقية عالمية فى معبد الكرنك, ولكنها واجهت تعقيدات، وتدخل كثيرون لحلها، رغم أهمية الحدث الذى شارك فيه مطربون عالميون، وجاءت محطات تليفزيونية عالمية عدة لتغطيته.

السياحة جميلة للغاية وعندنا منها أنواع كثيرة جدا، فهل نحن نستثمر ذلك كما يجب أن يكون؟.. بالطبع لا. ولذلك من الضرورى أن ننفتح ونفتح الأبواب، بعيدا عن التعقيدات ومن سيحضر، وما اسمه. كل تلك الأشياء لابد من إعادة النظر فيها. هذه هى القوة الناعمة، مثل الجامعات: عندما تتقدم الجامعات، تتطور فيها البحوث والعلوم والمحاضرات وزيارات كبار العلماء... هذا يتحدث عن شئ كبير فى الطب، وذاك يتحدث عن شئ كبير فى القانون الدولى، وفى الاقتصاد. وهذا يفتح أذان وعيون العالم فيعرف أن تقدما يحدث فى مصر. لماذا لا يحدث ذلك، وألا يستحق عمل خطة تأخذ عشر سنوات؟

أما القوة العسكرية، فيجب أن نحذر من استخدامها فى الوقت الحالى، نحن لسنا قوة كبرى لكى ندخل فى حروب. وحتى إيران لا تدخل بقوات مسلحة، ولكنها تدخل بأصابع أو أذرع معينة. فالدنيا تغيرت، إنما يجب أن يكون جيشنا قويا للدفاع عن مصر، وعن الأرض المصرية. فهذا شئ ضروري، لكن أن تستخدم القوة فهذا شئ آخر. فالقوة قوة ردع.

أما موضوع إيران وتركيا، فهو محور الاهتمام اليوم.. إيران وصلت إلى الحدود الجنوبية لتركيا التى ردت بذهابها إلى الجبهة الغربية لإيران عبر القاعدة الموجودة فى قطر.

إيران وتركيا تتحركان بغض النظر عن السياسات الغربية وسياسات الدول العظمى. عندما تحركت إيران لم تتحرك بإذن من أمريكا. نعم أمريكا تتعامل مع إيران بطريقة مختلفة عن تعاملها مع العرب، وتعاملت معها بطريقة غريبة جدا فى العراق، بل تركت العراق لنفوذ إيرانى واضح، وإيران استثمرت كل ذلك. إنما شاهد ماذا فعلت إيران وماذا فعلت تركيا، وكذلك إسرائيل، ولاحظوا النجاح الذاتى فى بناء المجتمع والجامعات ومصادر القوة الناعمة.

نحن يجب أن نُنافس بهذه الطريقة، بمعنى أن ننطلق علميا، وننطلق اقتصاديا، واجتماعيا، وبكل القوى الناعمة الممكنة اليوم، مثل السياحة وغيرها كما ذكرت.

وبالنسبة لتعقيدات العلاقات الإقليمية الراهنة، فهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية، وهذه العلاقات ليست بسيطة، ولا يمكن اختزالها فى حرب أو سلام. وعلينا أن ندير علاقاتنا بالكفاءة المطلوبة، وأن نفصل بين الأمور. حتى الآن الاستثمارات التركية موجودة بمصر، والدعوة إلى إنهائها خطأ كبير جداً، لأن هذا الاستثمار سيتركك ويذهب إلى منطقة أخرى. والدولة المصرية لا ترغب فى ذلك، ولكن بعض الجهات تتحدث عنه. أنت لن تعاقبهم لأنهم سيذهبون إلى مكان آخر.

ولذلك لابد أن يكون لمثل هذه المجموعة المستنيرة رأى فى مثل تلك الأمور. ما معنى قوة ناعمة؟. القوة الناعمة ليست فقط كتابًا، إنما أشياء كثيرة جدا، ونحن نستطيع أن نحقق منها الكثير، وأن ندفع بها إلى الأمام، لكى يتحرك المجتمع.

هذا داخليا. أما على المستوى الخارجى فبالنظر إلى ضعف الموقف العربى فى مواجهة الزخم الإيرانى، والكثافة التركية، ووجود الدول العظمى، على مصر والسعودية أن تتكاتفا، بصرف النظر عن أى أمور أخرى، لدعم الموقف العربى وتعظيمه بقدر إمكاننا. فدولة واحدة لن تستطيع فعله. فالأفضل والمطلوب والمقترح أن تصطف مصر والسعودية استراتيجيا، لكى يكون لنا صوت فى مواجهة الدور الإيرانى.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالتعاون فى موضوع الغاز لن يكون معها فقط، لكن فى إطار شرق البحر المتوسط. وإسرائيل موجودة فى عملية برشلونة. لكن موقفنا يجب أن يكون واضحا، فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية والاستقرار فى المنطقة. أما فيما يتعلق بالغاز فهناك تجمعات مختلفة فى إطار البحر المتوسط. والتحدى هنا لا يأتى من إسرائيل، ولكن يأتى من تركيا. وهذا موضوع مختلف تماما عن تعاون إقليمى بالمعنى التقليدى السابق, هذا وضع جديد داخل البحر المتوسط، وهو وضع بازغ، بدأ يوضع موضع التنفيذ. فى البداية المشكلة العربية–الإسرائيلية، والفلسطينية– الإسرائيلية، كانت تمنع أى مشروعات مشتركة، ونحن لا نخترع مشروعات، لكن الغاز انبثق، والبترول انبثق، وأنت لديك قدرة فعلا أن تكون محورًا مهمًا فى مشروعات البترول والغاز،ٍ ولا نستطيع أن نتجاهلها. لكن يجب أن يكون مفهوما أن كل ما نقوم به فى إطار البحر المتوسط لا يعنى التراجع، أو التنازل، أو إضعاف موقفنا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التى علينا ضميريا أن ندعمها، لأنه لا يوجد منطق أن تأخذ إسرائيل 99%. لا يوجد منطق فى هذا... لماذا أعطى هذه الهدية؟ طبعا همَّ معهم الولايات المتحدة، ولكن هناك قوى صاعدة تتحدث فى أركان العالم الأربعة وتقول لا يصح ذلك، وهذا أيضا لابد أن يكون موقفنا، ونقول بصراحة إننا لا نقبل أن تأخذ إسرائيل 99% والفلسطينيون 1%... فلا يمكن قبول هذا، لا ضميريا ولا استراتيجيا ولا منطقيا.

والسؤال المهم هنا هو: هل نحن قادرون على أن ندير هذه التفاعلات فى المنطقة؟... نحن لابد أن نكون فى قلب هذه التفاعلات، لدينا عناصر قوة تجعلنا قادرين على إدارتها.. وأنا أشدد على كلمة (إدارة). تفاعلات المنطقة تديرها الآن أمريكا وروسيا، والفاعلان الرئيسان هما إيران وتركيا فى منطقة الشرق الأوسط، أو إقليم الشرق الأوسط، وإسرائيل إلى حد ما.

إيران موجودة بأذرعها المختلفة، وهى دولة إسلامية كبيرة، ولديها مذهب تريد تحقيق الوجود والنفوذ له. ولديها قضايا عندها، بمعنى سياسة وإستراتيجية.

تركيا أيضا: تركيا تتحدث عن الخلافة بمعنى معين. الخلافة ليست سلطانا أو لباسا معينا، فالمقصود أن أى قرار يتم اتخاذه فى هذه المنطقة لابد أن يؤخذ فيه رأى تركيا. هذا الهدف الخاص بتركيا، وكادت أن تحققه لولا وقوعها فى أخطاء... ولديها عناصر قوة اقتصادية، وعناصر قوة ناعمة. وكذلك إيران، نحن غير متفقين مع السياسة الإيرانية فى توسعها بالشكل الراهن، لأننا نرى الآثار السلبية لها فى اليمن وفى سوريا وفى لبنان.

لكننا لا نستطيع أن نجلس ونقول إن إيران وتركيا على خطأ، لأن لديهما أدواتهما التى تستخدمانها... وهما لا تستخدمانها فى الاتجاه الصحيح. لابد أن نتوقع أن تركيا وإيران سوف تستثمران الأدوات المتوفرة لهما من أجل تحقيق النفوذ، وربما تتحالفان، أو ربما تتصادمان، وهذا ما يجرى أيضا على إسرائيل.

أنت لابد أن تمسك بأسباب قوة، ومن هذه الأسباب أن يرى الناس فعلا أنك تحقق تقدما فى الإصلاح والتعليم، وهما أساس القوة الناعمة الخاصة بك، وكذلك فى الصحة، والزراعة، والمياه، والبيئة، وتعمير الصحراء. هناك تحديات، العالم من حولك يرانا ويراقبنا عن كثب، لأن مصر دولة مهمة شئت أم لم تشأ. نحن دولة كبيرة، حدث لها تراجع كبير، وهذا التراجع لابد أن يوقف. ومصر لا يمكن أن تصبح "دولة دراويش". لابد أن تكون دولة تتحدث بتاريخ اليوم، وإنما تستند إلى تاريخ طويل يساعدها. دولة كبرى فيها الأزهر، والكنيسة الأساسية فى العالم المسيحى. دولة كبيرة لديها مساحة شاسعة من الأراضى. ومن أسباب الثروة.

أنا تحدثت فى البداية عن الخط المصرى إزاء الأحلاف، التى بدأ رفضها منذ الشهور الأولى للخمسينات، وفى حكومة مصطفى النحاس، عندما رفض الدخول فى الحلف الذى تبنته فرنسا وبريطانيا وأمريكا وبلجيكا وفرنسا وتركيا، وكانوا يريدون دخول مصر فى أحلاف، فرفض فوريًا... وبناء عليه تكرر الرفض بطريقة أكبر، عندما عُرض حلف بغداد على مصر، والذى ترتب عليه المد الناصرى، وتراجع نورى السعيد وكل من لم يفهموا كيف مضت الأمور فى تلك المرحلة.

نحن الآن فى القرن الحادى والعشرين. وقد يتطلب الأمر تحالفات معينة.. لا أريد أن نصادر على المطلوب، إنما لابد أن نكون منتبهين، عندما يكون هناك حلف فيه دولة عظمى و 4 أو 5 دول صغيرة، هذا ليس حلفا. هذه سياسة معينة لدولة كبرى. فالحلف, بمعناه الصحيح، هو حلف بين دول متماثلة أو متقاربة. أنا مع حلف يضم مصر ودول الخليج والأردن فقط، وأن تكون له علاقة طيبة بأمريكا، وعلاقة طيبة مع روسيا، وعلاقة طيبة مع الصين، إنما هم من يشكلون الحلف، وليس دولة كبرى، لأن المصالح التى يدافع عنها عربية فى الأساس.


 

د. محمد عز العرب     

نشرت سيادتك قبل أشهر قليلة مقالة فى صحيفتين عربيتين، تحدثت فيها عما أسميته "التلصيم"، فقد وصفت هشاشة فى النظام العربى، وقلت إنه بالكاد "يقف على حيله"، وفى حالة "تلصيم". وعندى ثلاث نقاط رئيسية.

النقطة الأولى، وهى واضحة من كلامكم، حيث تركزون على مسألة البناء الداخلى، أى مسألة الدولة. لم يعد أحد يطرح فكرة الوحدة بمفهومها العروبى القديم، بل التركيز الآن على فكرة الدولة. والواضح أن الحراك الذى شهدته المنطقة لم يعد مرتبطًا بفكرة سقوط نظم، بقدر ما يرتبط بانهيار وتفتيت دول مثل سوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، وأصبح هناك عنوان عريض فى كثير من المؤتمرات الإقليمية، يتعلق بفكرة الميليشيات.

سؤالى لحضرتك: الدول أو الحكومات تتعامل مع فاعل جديد فى المنطقة... فالمسيطر على السلطة فى اليمن أو على الأقل نصفها هو ميليشيا الحوثيين. كيف تُطور الدول سياساتها فى هذا الوضع، لأن هذه الميليشيا لديها موارد وعندها سياسة خارجية، ولديها علاقات إقليمية... فكيف تتعامل الحكومات مع تلك الميليشيات؟

أيضا فى المقالة، تحدثتم عن المصالح المشتركة بين الدول. ومن الملاحظ أنه فى السنوات الأخيرة أصبح الأمر يقتضى –من وجهة نظرى- إدارة المصالح المنقوصة، لا المصالح المشتركة. هناك إدارة لاختلافات المصالح بين مصر والسعودية، وبين السعودية والإمارات... وكذلك الحال بالنسبة للإيرانيين والأتراك، إنها مسألة التعايش مع المصالح المنقوصة، بمعنى أننى لن أستطيع كدولة التطابق مع الدولة الأخرى حتى فى حالة الحلفاء، لأن المشكلة ليست مرتبطة بإدارة العداوات بقدر ماهى مرتبطة بإدارة التحالفات فى منطقة الشرق الأوسط، لأننى لا أستطيع الوصول لتوافقات فى كثير من القضايا.

والنقطة الثالثة، مرتبطة بفكرة الخصوم العرب أكثر من الخصوم الأجانب، بمعنى أن قطر مثلا مصدر تهديد بالنسبة لمصر، والجزائر فى بعض المواقف تمثل تهديدا بالنسبة للمغرب، والمغرب بالنسبة للجزائر، وفى بعض الأحيان نجد توجهات عدائية من جانب السودان تجاه مصر. الخصوم التقليديون طبعاً واضحون فى ظل التوسعات والنزاعات، لكنهم فى النهاية يدافعون عن مصالحهم... بل والأكثر أنهم مدعومون من بعض الأطراف العربية فى مواجهة أطراف عربية أخرى.

وأخيرا لو أنك أمين عام للجامعة العربية فى هذه اللحظة... ما الذى يمكن أن تفعله الجامعة فى المسألة السورية، خاصة أن هناك طلب من بعض الدول الغربية وبعض الدول الإقليمية على افتتاح بعض القنصليات، واستعادة نظام الأسد، ما هى السياسة التى يمكن أن تبلورها الجامعة العربية لكى تستعيد سوريا؟

د. وحيد عبدالمجيد

هذا سؤال مهم جدا أتمنى أن يبدأ السيد عمرو موسى بالإجابة عنه، بعد أن نستمع إلى د. الشوبكى.

د. عمرو الشوبكى

لدى 4 ملاحظات، اثنتان منهما طرحهما زميلى د. محمد عز، لكنى سأضيف إليهما شئ بشكل مختلف. النقطة الأولى خاصة بفكرة Non-State actors. نحن نتكلم عن فكرة الميليشيات، ولكن فى العراق تم دمج مع الحشد الشعبى داخل مؤسسات الدولة، وفى اطار العملية السياسية والتشريعية، وهذا متغير جديد فعلا. فكيف نتعامل مع هذا المتغير ونحن فى خلفيتنا الدولة الوطنية.

النقطة الثانية، هى فكرة التداخل بين القوة الناعمة والقوة الخشنة، وأنا معك فى الاهتمام بأدائنا الداخلى، بمعنى الكفاءة والمهنية والإنجاز، وهو ما يساعدنا أن يكون لنا دور فاعل ومؤثر فى الإقليم، وأرى أن استخدام القوة الخشنة بشكل عشوائى مضر جدا، ولكن أعتقد أن مصر استخدمت قدرًا من القوة الخشنة فى ليبيا بطريقة محسوبة اعتمادا على ذراع محلية وبأداء جيد. ولكن من الصعب أن نفعلها فى مكان آخر مثل اليمن أو سوريا. لكن ليبيا على حدودنا وأنا أعتقد بهذا المعنى أن أدائنا كان مؤثرا وحاضرا.

النقطة الثالثة، هى سوريا. وأسأل هل فعلا هناك هزيمة للمشروع العربى فى سوريا. لقد تحدثت فى جزء أساسى من مداخلتك عن الإصلاح الداخلى. ولذلك ألم يكن من الأفضل أن يستجيب النظام السورى لدعوات الإصلاح، وإيجاد معادلة جديدة للسلطة قد تتجاوز بشار الأسد، لأننا فى غياب الاستعداد لهذا الإصلاح، وجدنا أن البديل سيصبح "داعش" وعناصر مسلحة، فأصبح بقاء النظام أقل سوءا من العناصر البديلة له. لكن على مستوى إدارة الأزمة السورية، نرى أن الحضور هو حضور تركى وإيرانى وروسى بشكل أساسى. وحتى فصائل المعارضة التى كانت محسوبة على الأطراف الخليجية، اليوم تركيا هى من يتولى أمرها ويديرها، وإنه أمر محزن أن لا نرى أى طرف عربى مؤثر فى سوريا التى هى بلد عربى.

والنقطة الأخيرة لها علاقة أيضا بالقضية الفلسطينية. بالتأكيد نحن أمام دولة احتلال، بل وآخر دولة احتلال عنصرى، وبالتأكيد نحن مؤمنون بذلك ولا نعتبره شعارات، لكن ماذا عن الانقسام الفلسطينى كأحد الأسباب الرئيسية وراء هيمنة إسرائيل، ثم زعمها أنه لا يوجد شريك فى المفاوضات، وما إلى ذلك؟

د. وحيد عبد المجيد

امتدادا لكلام د. عمرو الشوبكى فى موضوع الانقسام الفلسطينى... لقد تحدثت عن ضرورة المحافظة على موقف قوى وواضح تجاه الحقوق الفلسطينية، فى الوقت الذى يرى عدد متزايد من العرب، ليس فقط فى الحكومات، لكن على مستوى المجتمعات، أن هذه القضية قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الفصائل الفلسطينية لم تُمكَّن أحدا من أن يساعدها، وهى لا تريد أن تساعد نفسها ولا تريد أن تترك أحدا يساعدها، وأن آخر مثال على ذلك هو الجهود المتعثرة لتحقيق مصالحة لا يريدها أى من الطرفين إلا بشروطه كاملة. وهناك من يرى أيضاً أن هناك طرفين فلسطينيين يعتبر كل منهما الثانى عدوه الرئيسى وليس إسرائيل، وأنه على استعداد أن يوافق على تهدئة مع إسرائيل ويصل إلى اتفاق معها، لكنه غير مستعد للتهدئة والاتفاق مع الطرف الآخر. هذا بالتأكيد لم يأت من فراغ. هناك تراكمات حدثت فى الساحة الفلسطينية. لقد كان السيد عمرو موسى موجودًا فى بعض التحولات الكبرى مثل "أوسلو"... وقد مضى ربع قرن على ذلك الحدث فى سبتمبر 2018، وقد كان لكم موقف إزاء تداعيات ذلك الاتفاق على الشرق الأوسط.

فإلى أى مدى يمكن أن نُحمَّل هذا الوضع الفلسطينى جزءًا من المسئولية، منذ الانفراد والتوصل إلى اتفاق أوسلو بعيدا عن الأطراف العربية، ثم ما ترتب عليه من صراعات وصلت إلى الانقسام، ووجود طرفين فلسطينيين كل منهما يعتبر الآخر أكثر شراً من إسرائيل... فهل كانت أوسلو هى البداية؟.

السيد/ عمرو موسى

سأبدأ بالدكتور محمد عز العرب والنقاط الثلاث التى أثارها. فقد تحدث آسفاً، عن غياب مفهوم الوحدة العربية الآن، وأنا أقول لك إنه لم تكن هناك دعوة ناضجة للوحدة العربية، بل حالة عاطفية، وأنا كنت جزءًا منها. شاب صغير، وكنت لا أقبل النقاش فى موضوع الوحدة العربية، التى بدت لنا كأنها قدر. لكن هل كان العرب متفقين مع عبد الناصر فى هذا؟... لم يكونوا متفقين. وبورقيبة مثال واحد. وهذا يشير إلى أن كثيرين فى العالم العربى لم يكونوا متفقين، لأنهم كانوا يرون أن الأمر سيؤدى إلى صدام. أريد أن أقول إن موضوع الوحدة فى إطاره العاطفى، يجب أن نضعه جانبا، ونتفق على هذا، رغم أننا أكثر من تمسكوا بها.

وعلى الصعيد الدولى كانت القضية الفلسطينية هى الأساس فى كثير من المؤتمرات، والكل يريد أن يسمع، ويريد أن يشارك، ويعبر عن رأيه. أما اليوم، ومع تصاعد المشاكل الأخرى، تراجعت قضية فلسطين، ومما ألاحظه فى كثير من المؤتمرات التى يحضرها عرب وآخرون، أن العرب يختلفون فى أشياء كثيرة خلال المؤتمر فى الصباح، ولكن يجتمعون معا فى المساء ليستمعوا لأم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهما. نحن العرب هكذا... نختلف فى الصباح عند الحديث فى موضوع أو آخر، لكن فى المساء نرجع للأصل العربى.

العاطفة يجب أن تكون محكومة، لأننا نعيش مثل بعضنا البعض تقريبا، ونقرأ نفس الكتب.. إلى آخره. أما الوحدة العربية، إذا كنا نريد كلمة الوحدة، فلابد أن نجد لها تأسيسًا آخر... هنا يأتى موضوع المصلحة العربية... الحقيقة أن سمعة الجامعة العربية مبالغة فى سلبياتها وفى النقد الموجه ضدها، إنما الكثير من المشروعات الاقتصادية التنموية تمت بأموال عربية فى كثير من الدول والمجتمعات العربية. وهناك تعاون فى كثير من المجالات العربية... كل هذه الأمور لو أننا وضعناها فى موضعها السليم واستثمرنا فيها الاستثمار السليم، نكون فعلا على عتبة شكل من أشكال الوحدة.

اليوم... النظام العالمى فيه اختلاف... النظام العالمى كان قائما على التفاهمات التى حدثت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم بدأ الأوروبيون فى إقامة اتحاد، لأنهم يعرفون أنه عندما تجتمع الدول بدون واقع على الأرض، لن تستقيم الأمور. ولذلك عملوا على تنمية المصالح المشتركة خطوة خطوة، أما الوحدة من أعلى.. رئيس واحد لكل الدول العربية. فلن يحدث.

وأنا أرى الآن ضرورة الحديث عن النظام الإقليمى الجديد، لكن كيف نبدأ هذا النظام؟

فى سنة 2001، وفى أيامى الأخيرة كوزير للخارجية المصرية، وقعنا اتفاقية أجادير، لإقامة سوق عربية مشتركة، بين المغرب وتونس ومصر والأردن. نحتاج إلى شئ من هذا النوع... من الممكن أن نبدأ عصرًا جديدًا فى إطار ما يسمى بالوحدة العربية، لأنه قد لا نتمكن فى النظام الإقليمى القادم، ولعدد من السنوات، قد لا نتمكن من تحقيق اتفاق بين 22 دولة على مسار معين. أنا أقول فلنبدأ بست أو سبع أو ثمانى بشرط أن يكون فيها دولة من دول المغرب العربى، ليس فقط المشرق العربى. ومن الضرورى وجود دول من المغرب العربى والجنوب، بمعنى أفريقيا العربية. أو عرب إفريقيا.. أى السودان وجيبوتى والصومال، لابد أن يكون طرف منهم موجودًا.

وهنا أقترح أن نبحث فى نظام إقليمى جديد، وكيف يكون. وقد كان لى اقتراح قدمته فى 31 أكتوبر 2010 فى قمة سرت.. وهو أن نبدأ بمنطقة الجوار العربى. ليس كل الموجودين حولنا، وإنما الجوار العربى، وقلت إن هذا الجوار العربى من الممكن أن يصل إلى 40 دولة. كل الدول الأفريقية جنوب العالم العربى، وكل الدول الآسيوية غير العربية والتى فى جوارنا، ودول متوسطية مثل مالطا.. أعنى الدائرة التى حولنا، وقد قلت إننى لا أخترع، وإنما أنظر لتجارب الآخرين. الاتحاد الأوروبى لديه سياسة جوار أوروبية، وكانت نشطة.

وقلت يومها إننا كعالم عربى ندعو دول الجوار، لكى نشكل رابطة جديدة، يكون مكانها فى الجامعة العربية، بحيث نجتمع كقمة عربية وبعد ذلك ندعو كل الرؤساء الآخرين ونتحدث، اعترض الرئيس الأسبق حسنى مبارك على كلامى، واعترض آخرون. وتساءل المعترضون: كيف تدفع الأمور فى مثل هذا الاتجاه، فقلت لهم مهمتى أن اقترح مثل تلك الاقتراحات ونناقشها، وأرجو ألا تُرفض بهذه السرعة، هذه كانت بداية مقترحة لنظام إقليمى مختلف. كنت أرى ذلك، بدليل ما قلته فى يناير 2011 فى القمة الاقتصادية فى الكويت، عندما كنا فى طريقنا للقمة، وكانت هناك صحفية صغيرة سألت الرئيس مبارك عن ثورة تونس، فقال لها تونس شئ.. ومصر شيء آخر!..

وعندما جلسنا على المنصة وعليها أمير الكويت وهو الرئيس المنتهية ولايته، والرئيس القادم وهو الرئيس مبارك، والأمين العام للجامعة، فقمت وتحدثت فيما كان ينتظر أن يكون روتينيا، ولكننى قلت إن ثورة تونس ليست بعيدة عن هنا!.. نظر الجميع نحوى وصارت ضجة وقتها، لكننى كنت أرى أن ثورة تونس لم تكن بعيدة عن بلدان عربية أخرى، لأن الروابط بيننا قوية. فعندما حدث ما حدث فى قرية سيدى بوزيد، التى لم يكن كثير من التونسيين أنفسهم يعرفونها، وحدث ما حدث لمحمد بوعزيزى، قامت تونس وبعدها بقليل قامت مصر، وبعدها بنغازى ودمشق وغيرهما، ما معناه أن هناك تفاعلا بين المجتمعات العربية... هذا التفاعل هو الوضع الحقيقى فى العالم العربى.

والكلام الذى كان يُقال إن الدول العربية كانت منقسمة بين الحكام وليس بين الشعوب له أساس. فعلاً هناك هذه الرابطة بين الناس. فقد ذهبت إلى طنجة في عام 2017، وعملت حديث فى محطة من المحطات، وفى اليوم الثانى، جائنى إثنان من تطوان ومعهما نسختان من مذكراتى "كتابيه" وطلبا منى أن أوقعهما، فوقعت النسختين. ما الذى أوصل الكتاب لهما؟ إنه الاهتمام بما يجرى فى العالم العربى، وهم جزء من هذا العالم... ليس شرط أن يكونوا من العرب... عندما نتكلم عن العالم العربى لا نتكلم عن كل ما هو عربى... العالم العربى "قماشة" واسعة، فيها أكراد، وأمازيج، وبها مسلمون ومسيحيون، بل من الممكن أن يكون بها يهود... العالم العربى بحر... هو عالم عربى لأننا الأغلبية، إنما لا يصح أبدا أن ننكر وجود الأكراد وثقافتهم ولغتهم، وجود الأمازيج... لماذا لا... لأننا إذا كنا أقوياء نستطيع أن نستوعب كل ذلك، أما إن كنا ضعفاء فنقول لا أنا عربى وأنت كذا.

أنتقل إلى موضوع الميليشيات، أو التى اسماها د. عمرو الشوبكىNon-State actors. ورأيى أنه لا توجد ميليشيات. هذه كلها أذرع لدول كبرى أو دول غنية، أى مرتبطة بها ارتباطا وثيقا. وينطبق ذلك على تنظيم "داعش" الذى احتل مساحات كبيرة فى العراق وسوريا، كيف انتقلت عناصره لليبيا؟ كان يُقال لنا لو ذبابة طارت فوق البحر المتوسط نحن نعرفها... ينقلون آلاف الناس بالأسلحة وبالسيارات وبالنقود، ثم نقول Non-State actors. لايوجد ذلك، أنا لا أؤمن بذلك، فهؤلاء أذرع لدول.

وبالنسبة للمصلحة المشتركة نبدأ بمشاركة 4 أو 5 دول أو 6 دول، بحيث تكون نقاطًا فى نسيج يكتمل بعد ذلك... المغرب مثلا عملت صناعة سيارات وتقدمت فيها. كان خطأً كبيرًا جدًا فى الستينات عندما أدخلنا فى مصر صناعة التجميع للسيارات دون أن نكون واضحين فى أنه سيكون لدينا العام التالي 20% والذى يليه 30% تحت رقابة حكومية فعالة... المغرب اليوم يصدر لنا سيارات، ومن مصلحة المغرب أن تحافظ على هذه السوق، وهكذا كل بلد عربى يريد الآن سوقًا لمنتجاته فقط.

ولذلك يكون من المناسب، ومن المفضل، أننا نحن فى مصر نأخذ القيادة فى دعوة 3 أو 4  أو 5 أو 6 دول عربية فقط، أن نبدأ فى بناء علاقات تقوم على تنمية الاهتمام المشترك.

د. عمرو الشوبكى تحدث عن ليبيا، وعن بعض الاستخدامات العسكرية التى لجأت إليها مصر.. هذا ضرورى فى إطار الحرب ضد الإرهاب، وفى سيناء أيضا، لابد أن تحاربهم... إنما أتحدث عن الحرب بشكلها القديم، أى أن تخرج من أرضك وتذهب إلى بلد آخر. هذا لا نستطيع أن نتحمله... إنما الحرب ضد الإرهاب نوع آخر.

والتداخل بين القوة الناعمة والخشنة فى إطار محكوم، مثل الحرب ضد الإرهاب، لا يمكنك الرجوع فيه، كلمة الحرب لها تفسيرات كثيرة، ليست الحرب بمعناها التقليدى..إنما إسمها الحرب ضد الإرهاب.

أما فى سوريا فالمشروع العربى هُزم فعلاً. المشروع العربى الذى قدمه حزب البعث وجمال عبدالناصر غير موجود، ومن أجل ذلك لابد أن نطرح صورة جديدة للمشروع العربى، يتماشى مع القرن الحادى والعشرين، لا يمكن أن نطرح نفس الصورة التى هُزمت، والتى تشكل العاطفة العربية معظمها. أما التلاحم العربى الذى اقترحه فهو أن تشكل المصلحة العربية معظمه، وليست العاطفة العربية، ليس شرطا أن أحددها أنا أو أنت...إنما يأتى رجال الاقتصاد والتعليم، وغيرهم، ويقولون إن المصلحة يمكن أن تتحقق بهذا الشكل وفق اقتراحات علمية مدروسة.

أما السؤال عن إمكانية أن يعود النظام فى سوريا كما كان، فأرى أنه مهما كان الأمر، فالقرن الحادى والعشرون له متطلبات وتداعيات مختلفة تماما، فلا يمكن إعادة الساعة إلى الوراء أبدا... لا فى سوريا أو غيرها..

وبالتالى يجب أن نتخيل، وأن نعمل على نقاش هذا الشكل، سواء بقى الرئيس الأسد أم لم يبق... فهذا موضوع آخر.. إنما هل سوريا القادمة ستكون هى سوريا السابقة... هل هذا ممكن تصوره؟.. لا يمكن تصوره.. هذا ليس معناه الحديث عن الأشخاص، لكن معناه الحديث عن سوريا ومجتمعها وطريقة إدارتها.

د. وحيد عبد المجيد

ابتعدنا كثيرا عن الموضوع الفلسطينى بعد أن اقتربنا منه. ومازال السؤال عن الوضع المؤلم الذى آلت إليه قضية فلسطين مطروحا ينتظر إجابة، بما فى ذلك مسئولية الفصائل عن هذا الوضع الذى يجيز لبلدان عربية أن تفتح خطوط اتصال متزايدة مع إسرائيل رغم عدم وجود علاقات رسمية معها؟

السيد/ عمرو موسى

ما يحدث للفلسطينيين 50% سببه السياسة الإسرائيلية، و50% سببه الانقسام الفلسطينى. وحتى لو كانت إسرائيل، أو من هو أقوى من إسرائيل، يلعب فى أعصاب الفلسطينيين، يجب أن يكونوا أكثر ذكاء، ويجلسوا معا، لأنه طالما أنهم منقسمون يستطيع الطرف الثانى أن يزعم عدم وجود من يتفاوض معه. الانقسام الفلسطينى له نفس خطر الاحتلال الإسرائيلى، ولن ينتهى هذا إلا بانتهاء ذاك. أما عندما نتكلم مثلما يتحدثون عن "صفقة القرن"، فهذه الصفقة غير معروفة ولا يمكن أن تستند إلى 99% أو 90% لإسرائيل، فلابد أن تستند إلى نسبة مقبولة فى التوازنات والحسابات.. أما حكاية 90 و 99% وأشياء مثل هذه فغير مقبولة. وأنت أشرت إلى أن هناك اتصالات عربية– إسرائيلية. طبعا إذا كان فيه اتصالات مصرية– إسرائيلية، فهذا طبيعى، لأن هناك معاهدة مصرية– إسرائيلية، وكذلك الحال بالنسبة للأردن، أما الاتصالات الأخرى التى تزداد، فلا أعتقد أنها تعنى قبول أن تأخذ إسرائيل 99%، لا أعتقد أن أى دولة عربية توافق على ذلك.

فأنا لا أعتقد أن دولا عربية بدلت مواقفها وقبلت حصول إسرائيل على 99% من فلسطين. فلا يتحمل أحد حاكماً أو محكوماً أن يعطى إسرائيل هذا التنازل التاريخى الخطير.

الكلمة الرئيسية التى يمكن أن نتذكرها هى: حل عادل... حل منصف، حل مقبول، وأنبه إلى أن هناك من يرى أن تلك الصفقة لن تناقش وأنها تُطبق حاليا فى قضية القدس واللاجئين.

أنا أرى أنها تُفرض.. وأنهم فرضوا ثلاث خطوات: الخطوة الأولى القدس، والخطوة الثانية اللاجئين، والخطوة الثالثة الحدود... وأنا أخشى أن تكون الخطوة الرابعة هى الجولان. إذن الموضوع ليس فلسطينيا فقط، ولكنه على مستوى الإقليم.

د. وحيد عبد المجيد

نريد استثمار حضورك فى هذا النقاش لنعرف كيف تعاملت مصر مع محادثات أوسلو، التى حرص طرفاها على إبقائها بينهما، وهل قدمنا أي نصح لصانعي أوسلو؟ وكيف كانت صورة التفاعل منذ أن أصبح لدينا معرفة بها؟

السيد/ عمرو موسى

الذي أعلمه أنه دائمًا كانت توجد حركة في إطار عملية السلام، لكنها تتوقف بعد مسافة معينة. فبعد كامب ديفيد حاولنا البناء على ما تحقق، ولو أنهم مكَّنونا من ذلك، كان من الممكن أن نحل شيئًا.

وبعد ذلك بدأ الأمريكيون يفكرون ثانية، وتم الاتفاق على أن يجلس الطرفان وحدهما فى أوسلو، وكنا نعلم عن طريق الهاتف أحيانا، إنما بدون معلومات تفصيلية، حينها ذهبت واجتمعت مع اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة، وقلت له نحن لا يجوز أن نجلس دون معرفة معلومات. نريد على الأقل أن نعلم النقاط الأساسية التى يدور التفاوض حولها. بعدها بثلاثة أو أربعة أيام تحدث معي عبر الهاتف، وذهبت إليه ووجدت معه ورقة شديدة التعقيد. ثم جاء لي بعد عدة أيام وزير خارجية أمريكا كريستوفر، فقلت له حدثني عما عندك. وكنت أفترض أن لديه الكثير من المعلومات، ولكن قال لي أنه ليس لديه معلومات، حيث لم يكن هناك أحد يعرف بالتطورات اليومية. وكان الرئيس مبارك من رأيه أنه "ربنا يهني سعيد بسعيدة"، قلت له معك حق إنما هذا لا يمنع أن نتابع. قال لي تابع ولكن اترك لهم حرية الاختيار. وبعد انتهاء المفاوضات، جاء ياسر عرفات، وأذكر كيف ذهبنا في موكب مهيب من القاهرة في طائرة خاصة، ووصلنا إلى رفح  وتناولنا الغذاء، ثم ودعه مبارك وأنا ذهبت معه إلى الحدود، وشاهدته وهو يخطو أول خطوة إلى الأراضي الفلسطينية، وذهبت إليه بعد ذلك فى غزة.

د. وحيد عبد المجيد

 بين هذين الحدثين، بين جمع المعلومات وتوقيع الاتفاق، ألم تقدم مصر أي نصيحة؟.

السيد/ عمرو موسى

كانت النصيحة هي أن اتفقوا ونحن معكم. وطبعا ياسر عرفات لم يكن قد خطط لأي شيء، وربما كان ممكناً التوصل إلى اتفاق أفضل، إنما هي كانت خطوة أحسن ما فيها بالنسبة للفلسطينيين هو عودتهم إلى أرض فلسطين، بدل البقاء في تونس أو القاهرة إلى الأبد.

ويجب ألا نظلم الفلسطينيين. بعضهم، أو كثير منهم، كان لهم موقف مختلف. لكن أوسلو حققت للفلسطينيين رغم كل شئ العودة إلى أرض فلسطين، وكان من الممكن أن يتم البناء على هذا كثيرًا. في نفس الوقت هم سلموا بإحالة القضايا الأساسية إلى مفاوضات الوضع النهائي، وقبلوا صيغات مطاطة غير دقيقة. وهذا يمكن أن يكون ناتجا عن أن الضغوط كانت كبيرة، ليس فقط على المائدة. فهناك ضغوط، وهناك أيضًا وعود، والعرب في مجموعهم خُدعوا في الكثير من السياسات الموجهة لدعم إسرائيل طوال الوقت.

د. وحيد عبد المجيد

كان أحد أهداف اتفاق أوسلو أيضا تمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذى طرحه شيمون بيريز، وكان لك دور أساسى فى مقاومته.

السيد/ عمرو موسى

انتقل الأمر من مشروع الشرق الأوسط الجديد إلى الشرق الأوسط الكبير، الذى قام على أن المنطقة تحتاج إلى تغيير، انطلاقا من حالة الغليان التى تنامت فى العقد الماضى، وحتى المحافظون الجدد أسموها الفوضى الخلاقة، أى المساعدة على خلق الفوضى على أساس أنها سوف تؤدي إلى التغيير. لكن لو لم يكن هناك سوء في إدارة الحكم، لما كان كل هذا فشل. سوء إدارة الحكم جعل الناس بحاجة إلى تغيير، فتلاقت الانطلاقة الشعبية مع تلك السياسة اللئيمة، وحدث ما حدث، وهو ما يحتاج إلى الكثير من الوقت للكشف عن كيف تطورت تلك اللعبة إلى أن جاء "الإخوان المسلمون". وأيضا مصر هي اللي أحبطت تلك السياسة.

د. محمد عباس ناجي

أتحدث عن موضوع إيران ومبادرة الجوار الإقليمي التي قُمت بطرحها. هل الوضع الحالي يشير إلى أن تلك المبادرة لازالت مطروحة في ظل التشابك الكبير والعميق الإيراني- التركي مع العرب؟ في الفترة التي قمت بطرحها كان التشابك أقل، إيران وتدخلاتها كانت أقل حدة، بل إنها حضرت قمة مجلس التعاون الخليجى في الدوحة 2007، وتركيا كانت علاقتها جيدة بمصر وهكذا. في الوقت الحالي هل نستطيع القول إن المبادرة مازالت مهمة وضرورية أم لا؟ السؤال الثاني، يخص الملف الفلسطيني فقد تحدثت عن أن مصر لم يكن لديها أى اعتراض على أوسلو، لكن بعد ذلك حدث في كامب ديفيد-2 أنه كان هناك "فيتو" مصري سعودي على بعض الترتيبات الخاصة، على ما أتذكر، وهو ما تسبب في توتر العلاقات بين القاهرة وإدارة كلينتون في تلك اللحظة، فلماذا تغير الموقف المصري؟

د. أيمن السيد عبد الوهاب

ما هي وسيلة إعادة سوريا إلى العرب؟. نتحدث عن إننا تركنا مساحة لإيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، هل اليوم الثقل العربي يسمح باستعادة سوريا، علماً بأن هذا الثقل موجود في الخليج وليس مصر، وبالتالي هذا تحدي كبير أمام السياسة المصرية فى ظل التقاطعات الكبيرة سواء في علاقتها مع إيران أو تركيا، أو القيود الخليجية التى تؤثر عليها فى التحرك تجاه سوريا. والنقطة الثانية عن موافقة جامعة الدول العربية على قيام دول غربية بضرب ليبيا خلال ثورتها فى 2011.

السيد/ عمرو موسى

أولاً رابطة الجوار العربي حملت استثنائين؛ واحد لإسرائيل وواحد لإيران. إسرائيل استثنائها كان واضحًا وقاطعًا في ضوء تصورنا للقضية الفلسطينية، لأن ما بيننا وبين إسرائيل هو موضوع الاحتلال وفلسطين، ونحن لدنيا قضية تحتاج إلى حل، وإذا تم حلها تنتهى المشكلة.

النقطة الثانية خاصة بإيران فقبل أن تُدعى إيران يجب أن تدخل في مفاوضات مع الجانب العربي على عدة أشياء، أولها القضايا المتشابكة بينها وبين دولة الإمارات العربية، وهي قضية الجزر. وثانيها، موقفها من مبادرة السلام العربية التي قامت برفضها, ثم موقفها من سوريا ولبنان. ودعوة إيران للجلوس على مائدة للحديث عن كافة تلك القضايا يجب أن تسبق دعوتها لرابطة الجوار العربى، ولذلك الدعوة لاتزال ممكنة، لأن عندنا أسئلة لإيران وعندنا أسئلة لإسرائيل. والآن لدينا أسئلة لتركيا أيضًا. والفكرة مازالت مهمة. ولهذا أنا لم أكن متفقًا مع الرفض الفوري لاقتراح الأمين العام في الجلسة نفسها. الجامعة العربية كان حدث فيها تطوير أتاح عقد جلسة خاصة مغلقة لا يحضرها إلا الرئيس ووزير الخارجية والأمين العام وأحد مساعديه، يعني كان الموجود 46 شخصا، وبدون ترجمة أو حتى تسجيل لكي نتحدث بصراحة. وقد عرضت مجمل المبادرة في خطابي صباحًا، ثم دخلت في تفاصيل الاقتراح قى تلك الجلسة.

ولايزال هذا الاقتراح قائمًا لأنه يضع شروطا معينة ويقتضي إجراءات خاصة قبل أن تتم الموافقة عليه.

وبالنسبة لموضوع فلسطين، فعلا في كامب ديفيد-2 كنا نتابع الموضوع، وكان الرئيس عرفات يتصل بنا، وإذا بنا نفاجئ بأن شارون يرفض السلام على ياسر عرفات، وهو ما دل على تفاوض زائف.

د. وحيد عبد المجيد

هذا كان بعد ذلك، ولكن السؤال كان حول كامب ديفيد-2 التي كان فيها ديفيد باراك عندما طرح كلينتون مشروع عن القدس.

السيد/ عمرو موسى

اعتقد أن ياسر عرفات كان موجوداً في كامب ديفيد-2، وذلك هو ما حدث. شارون كان موجوداً ليس كرئيس وزارء، ولكن وزير خارجية، ورفض السلام وهو ما أثارنا كثيرًا، قد يكون هناك بعض التقديم والتأخير في المواعيد ولكن هذا ما حدث، وهو ما تطلب ردة فعل سلبية.

د. وحيد عبد المجيد

قبل أن يرفض الإسرائيليون، وعندما طرح كلينتون مشروع السيادة فى القدس تحت الأرض والسيادة فوق الأرض، وقتها كان الوفد الفلسطيني منقسما وقيل إن عرفات طلب من الرئيس مبارك ومن الملك فهد أن يدعما هذا الاقتراح، وأنه يستطيع أن يسير في هذا الاتجاه إذا تمتع بدعم عربي، فقيل له يجب أن تحسم موقفك، ونحن ندعمه، فالدعم يأتي لاحقًا وليس سابقًا.

السيد/ عمرو موسى

فى الحقيقة لم يكن الأمريكيون جادين في عرض شيء مع الأخذ في الاعتبار الموقف الفلسطيني المتردد والأقل كفاءة، اليوم الفلسطينيون أصبحوا ماهرين، ولا يجوز تكرار أوسلو أو أي شيء أخر معهم حاليًا.

د. أيمن السيد عبد الوهاب

هل يجوز لمصر الآن أن تكون هي الجسر الرابط لعودة سوريا إلى العرب؟

السيد/ عمرو موسى

لا الموضوع تخطى تلك النقطة، لأن هناك الآن روسيا وأمريكا وإيران وتركيا، والعرب غائبون، فلكي نعيد بناء هذا الأمر لابد من المحادثات مع إيران وتركيا وروسيا وأمريكا، وهذا تحدي للسياسة المصرية.

أما موضوع ليبيا، فقد حدث فيه الكثير من الغش، وسوف أتعرض له في الجزء القادم من مذكراتى، بالمستندات. أولاً، كانت هناك ثورة على القذافي تالية للثورة في مصر وفي تونس. خلال هذه الثورة وفي أيامها الأولى جاء فى خطاب القذافي أنه سوف يحارب الثورة من حارة إلى حارة، ثم جاءت الأنباء عن طائرات ليبية تضرب بنغازي، وأن هناك خسائر كبيرة في أوساط المدنيين والصيادين والمراكب الآتية، وقمت بمطالبة القذافي بعدم التعرض للمدنيين، حتى لا يتعرض لمساءلة خطيرة، فرد باستخدام كلمة "طظ" في الجامعة العربية، فقمت بدعوة مجلس الجامعة وقررنا أن نمنع حضور ليبيا من الاجتماعات وليس إخراجها من الجامعة، فقط منعها من حضور الاجتماعات. وكانت هذه أول خطوة تدخل فيها الجامعة العربية في مجال التغيير الكبير الذي حدث. واستمر القذافي في سياسته وعمل خطبته الشهيرة "زنجا زنجا"، فقمنا بعقد اجتماع مجلس وزراء عرب، وكان هناك اقتراح من أكثر من دولة بضرورة فرض حظر جوي حتى لا تطير الطائرات وتقصف المدنيين، وهو ما لا يمكن لأحد أن يفعله سوى مجلس الأمن، ثم تطورت المناقشة إلى أن ذلك الحظر الجوي يجب أن يكون مدعوما من قوى كبرى لإيقاف الرئيس القذافي عن ما يفعله.

وقد اجتمع مجلس الأمن وبدأ يضع مشروع قرار رأيت أنه ليس ما طالبنا به، فتحدثت مع الأمم المتحدة، ولكن هل كان مع بان كي مون شحصياً أم مع غيره، لا أتذكر الآن، وقلت له إن ذلك القرار لا يجوز أن نوافق عليه، بعد ذلك بفترة قصيرة اتصل بي كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، وقلت لابد أن يشير القرار إلى سيادة ليبيا وعدم دخول أي جندي أجنبي، وأن المطلوب فقط هو حماية المدنيين عن طريق الحظر الجوي، وتمت إضافة تلك الصيغة في القرار، ثم إذا بالقرار يصدر بشئ من الخبث وعدم المهنية، وقيل إنه لمنع أى طيران لابد من وجود طيران آخر. وهنا بدأ دور القوى الأوروبية أى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، وشاهدت في ذلك الوقت التنافس الشديد بين إيطاليا وفرنسا، وبدأ طيران بعض هذه الدول في الدخول، وشارك معهم بعض الطيارين من بعض الدول العربية، ولكن لا علاقة للجامعة العربية بهذا، فهي ليست ذات سيادة على سيادة أي دولة. واكتشف الأمريكيون في ذلك الوقت أن القوة الأوروبية غير كافية.

هنا بدأ هذا الطيران يصيب مدنيين في ليبيا، وهو ما اعترضت عليه وأعلنت أننا لا يمكن أن نوافق على ذلك، وأننا لا نحمي المدنيين الليبيين من الطيران الليبي لكي يصبحوا ضحية لأي طيران آخر.

وكنت رافضا أن اجتمع معهم، فطلب الرئيس الفرنسى حينئذ ساركوزي حضوري، لأن الأمين العام للأمم المتحدة موجود ولابد من حضور الأمين العام للجامعة العربية، لإجراء مناقشة متعمقة لما قد يحدث. وأنا كنت غير واثق ولم يكن الموضوع بالنسبة لي منضبطا، فجاء لي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة وهو وزير عربي سابق، وقال لي نحن نرى ضرورة وجودك لأنك لديك أراء ومواقف نحن بحاجة إليها. وفى اليوم التالي كان الاستفتاء على تعديل الدستور فى مارس 2011، وقلت له إنني لا أستطيع المجيء لهذا السبب، قال لي لابد أن أتصرف، فذهبت إلى اللجنة مبكرًا ثم توجهت إلى المطار، وقابلني ساركوزي على الباب وكأنه يستقبل رئيس دولة، وبدأنا الحديث وقال سأعطي الكلمة للسكرتير العام، فأخذت الكلمة ونسيت أن بان كي مون موجود، وكانت كلمة مهمة للغاية ذكرت خلالها موقف الجامعة العربية بأننا يجب أن نكون واضحين بشأن عدم المساس بالسيادة, وأن هناك تطورات جذرية جديدة في العالم العربي، يجب مراقبتها لرؤية ما سوف يحدث، وبعد ذلك عندما عدت إلى مصر وأعلنت أنني غير مطمئن إلى هذه الأمور، وإذا رجعنا إلى وكالات الأنباء سوف تجد هذا التصريح. كلمني بعد ذلك كاميرون وقال لي ما الذي يزعجك فشرحت له الأمر.

وهذا ما حدث. كان هناك قرار من مجلس الأمن من منطلق منع الطيران من ضرب المدنيين، وحدث التفاف حول هذا رغم مواقفنا الواضحة التى يحاول البعض تشويهها الآن. لكن التسجيلات موجودة، وسوف نحضرها ونضعها حرفيًا أمام الرأى العام، سواء البيان الذي ألقاه الأمين العام للجامعة العربية في اجتماع باريس، ثم حديثه مع الأمم المتحدة ومع قادة أوروبيين عن أنه إذا كنتم تريدون غزواً فلا يمكن أن توافق الجامعة العربية على مثل هذا. هناك ثورة نعم، ولكن في المقابل هناك اعتداء على المواطنين ونريد التعاون معًا لمنع ضرب المدنيين وانتهى الأمر بمقاطعتي لكل ذلك. والذي أريد قوله إن أي تعاون عربي مع الدول الأوروبية فى هذا المجال كان خارج الجامعة العربية.

هذا التشويه سوف نقوم بالرد عليه بوثائق تؤكد سلامة موقف الجامعة العربية تجاه ليبيا التى كانت تواجه ثورة شعبية، كما حدث فى مصر وتونس.


رابط دائم: