مستقبل منظومة التعاون الخليجي... قراءة في سياق ونتائج القمة 39
17-12-2018

مهاب عادل حسن
* باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مثلت قمة الدورة التاسعة والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في 9 ديسمبر الجاري (2018)، القمة الثانية منذ بدء الأزمة القطرية، كانت الأولى بالكويت في 5 ديسمبر 2017 واستمرت لمدة يوم واحد، في ظل تمثيل محدود من جميع دول المقاطعة الخليجية، ما انعكس على مستوى وطبيعة مخرجات ونتائج القمة، خاصة في ظل بيئة خليجية مضطرية.

وقد أعطى المشهد الإقليمي والدولي الراهن درجة من الأهمية للقمة الأخيرة في إطار ترتيبات مخططة، يُعد الجانب الخليجي طرفا رئيسيا فيها، على نحو استوجب تهيئة البيت الخليجي رغم حالة التصدع التي يعيشها، ولكنها تهيئة "تنسيقية" بين أطرافه لا تنتقل بحالة التفاعل الثنائي الحالية، التي يستثنى منها أطراف خليجية، إلى حالة من التفاعل الخليجي الجماعي. ويعكس حرص دول المجلس على دورية انعقاد قمم المجلس، الرغبة الخليجية في الحفاظ على الإطار المؤسسي الذي بلغت مسيرة عمله 37 عامًا متواصلة، خاصة في ظل تواتر الحديث والتحليلات حول انتهاء منظومة التعاون الخليجي قريبا، والبقاء الشكلي – فقط – لمجلس التعاون.

ومن ثم، جاءت هذه القمة كمؤشر قياس يُمكن من خلاله الاستدلال على مسارات التعاون الخليجي المستقبلية، وانعكاسات ذلك على بعض أزمات المنطقة التي ينخرط فيها الجانب الخليجي بشكل مباشر، خاصة في ظل جملة المتغيرات الإقليمية والدولية التي أحاطت بالمشهد الخليجي خلال الفترة الماضية، وهو ما يُمكن تحسسه من خلال قراءة المشهد العام للقمة الحالية والمخرجات التي نتجت عنها في ضوء بيانها الختامي.

سياق الانعقاد والدلالات

عُقدت القمة الخليجية الحالية في سياق تفاعل اختلفت ملامحه عن ذلك الذي عقدت فيه القمة السابقة، حيث شهدت الفترة السابقة لعقد القمة بعض المتغيرات الإقليمية والدولية التي كانت لها انعكاساتها على الداخل الخليجي، خاصة الموقف السعودي. هذا بالإضافة إلى حدوث بعض التطورات المتعلقة بمشهد التفاعلات البينية الخليجية التي جاءت ارتباطًا بمجريات الأزمة القطرية، ومن ثم، قادت هذه المتغيرات إلى تشكيل سياق كان له دلالاته الواضحة التي عكستها مخرجات القمة، ونطرح فيما يلي أبرز ملامح هذه المتغيرات:

1- تزامن القمة لترتيبات إقليمية مستحقة: جاءت القمة الحالية متزامنة مع بعض الترتيبات الإقليمية المستحقة خلال الشهر الذي يلي انعقادها (القمة الأمريكية- الخليجية المخطط انعقادها في يناير 2019، والإعلان المرتقب عن "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" "ميسا" أو "الناتو العربي"). ويحضر الجانب الخليجي (بكامل أعضاء المجلس) كطرف رئيس فيه، وهو ما أضفى درجة من الأهمية عليها، باعتبارها خطوة تمهيدية للترتيبات التي تم الإعداد لها خلال الفترة الماضية عبر اجتماعات مشتركة من كامل أعضاء مجلس التعاون مع الجانب الأمريكي، وكان آخرها اجتماع وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، مع دول الخليج الست، بالإضافة إلى مصر والأردن، في 28 سبتمبر 2018، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لبحث عملية تشكيل "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" أو "الناتو العربي"[1].

2- التعنت القطري واستمرار التصعيد: كشف السلوك القطري خلال الفترة الماضية عن حالة من التعنت والتصعيد المستمر، عبرّت عنه تصريحات المسئولين القطريين، وبعض القرارات الحكومية التي استهدفت تعزيز الاستقلال عن المحيط الخليجي، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الخليجية تجاه بعض الملفات الاقتصادية وخاصة ملف الطاقة. من الأمثلة المهمة في هذا السياق، القرار القطري قبل انعقاد القمة بأيام قليلة في 3 ديسمبر، بتجميد عضويتها في منظمة الدول المُصدِّرة للنفط (أوبك)، ويأتي هذا القرار بعد مرور ما يقرب من 60 عامًا على عضوية قطر في المنظمة. هذا القرار عبّر عن تجذر واتساع الخلاف الخليجي- القطري، والذي سيكون له تأثيره -حالة تنفيذه بالفعل- في اتجاه المزيد من التقارب القطري مع تركيا وإيران، خاصة أن هذا القرار يأتي بالتزامن مع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على قطاع الطاقة الإيراني، والذي مارست على إثرها (الولايات المتحدة) بعض الضغوط على المملكة العربية السعودية لزيادة إنتاجها النفطي لتعويض العجز الناتج عن اقتطاع الحصة الإيرانية في سوق النفط العالمي. بمعنى آخر، فإن قرار قطر تجميد عضويتها في منظمة (أوبك) يستهدف بشكل واضح زيادة الضغط على المملكة فيما يتعلق بسياستها النفطية. من الأمثلة المهمة أيضا في إطار التصعيد القطري ما عبّر عنه وزير خارجيتها محمد بـن عبدالرحمن، في 31 نوفمبر، أنــه "لـيـس هـنـاك آلـيـة لحل المشكل رغم امتلاكنا ذلك ضمن المجلس.. نحن لا نتقاسم حتى الأمـن المشترك، وبتنا نخشى من دولة عضو في المجلس"، مؤكدًا أنه "لا يريـد أن يكـون متشائمًا ولكنه لا يعتقد أن مجلس التعاون سيسترد دوره فـي المستقبل"[2].

إلى جانب ذلك، تسعى قطر عبر خطوات حثيثة، إلى تعزيز القدرات العسكرية التركية في المحيط الخليجي عبر أراضيها، في إطار تحقيق الردع العسكري لدول المقاطعة، عبر استدعائها للدور العسكري التركي. وانعكست هذه الخطوات خلال الفترة الماضية عبر جملة من المؤشرات، جاء في مقدمتها الاختبار الأول الذي أجرته شركة "أسيلسان" التركية المتخصصة بالصناعات العسكرية والإلكترونية، وسط صحراء قطر، لمنظومة سلاح "صرب- ظفر" الذي يعد واحدًا من أحدث منتجاتها[3].

هكذا، هذه السياسات والتحركات القطرية تعكس بشكل واضح التعنت القطري والاستمرار في التصعيد عبر قرارات تزيد من تغريدها خارج السرب الخليجي، وتعزز من هوة الخلاف بين دول جوارها الخليجي لصالح تقاربها مع تكريا وإيران. ثم جاء التمثيل القطري المحدود في القمة -مستوى وزير دولة للشئون الخارجية– ليعكس التوجه القطري تجاه القمة بشكل خاص، ومنظومة التعاون الخليجي بشكل عام.

3- استمرار تمسك دول المقاطعة بشروطها الثلاثة عشرة لقبول التصالح مع قطر: أفصحت دول المقاطعة (المملكة العربية السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) قبيل انعقاد القمة عن تأكيد التزامها بالشروط المعلنة للتصالح مع قطر، وفي مقدمتها التخلي القطري عن سياستها المتعلقة بدعم الإرهاب والتطرف، وعدم التدخل في شئون الدول الأخرى، وتحييد علاقاتها مع إيران، وإلغاء التواجد العسكري التركي في قطر، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال تصريحه في 5 ديسمبر، قائلاً إن "موقف الدول الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب، تم تأكيده مجددًا خلال الاجتماع الرباعي الذي عُقد بالمنامة، وهو موقف مستقر"، مشيرًا إلى الشواغل الـ13، التي تطالب الدول الأربع باستجابة قطر لها، منوّهًا "لا نرصد تغيرًا في السياسات القطرية تؤدي لانفراج الأزمة"[4]. وقد تقاطع ذلك مع تصريح وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، خلال حديثه مع صحيفة الشرق الأوسط في 6 ديسمبر، بأن "الخلاف لن يحل بـ(حب الخشوم)، فلابد من اتفاق جديد ونظام جديد، ووضع الدوحة تحت المجهر"، مشددًا على ضرورة أن تصلح الدوحة نفسها، مضيفًا "أن الرباعي العربي المقاطع لقطر لا يزال عند موقفه وشروطه"[5]. وتلاقى ذلك مع التعليق الإماراتي الأول حول القمة على لسان وزير الدولة الإماراتي للشئون الخارجية أنور قرقاش، خلال تغريدة له على موقع تويتر في 6 ديسمبر، والتي أكد فيها أن "قمة مجلس التعاون في الرياض والرئاسة العمانية القادمة مؤشر أن مجلس التعاون، وبرغم أزمة قطر، مستمر"، مشيرًا إلى أن "الأزمة السياسية ستنتهي حين ينتهي سببها ألا وهو دعم قطر للتطرف والتدخل في قضايا استقرار المنطقة"[6].

لقد كان لهذه التصريحات، ومواقف دول المقاطعة الخليجية أصداؤها على تهميش الأزمة القطرية ضمن أجندة القمة.

4- تعزيز أطر التعاون الخليجي الثنائية على حساب الإطار الجماعي: اتجهت دول المقاطعة الخليجية، خاصة المملكة السعودية والإمارات، إلى تعزيز أطر التعاون الثنائي فيما بينها، وكذلك بين الوحدات الخليجية الأخرى، خاصة الكويت التي تمثل الضلع الثالث لمثلث الثقل الخليجي. وجاء ذلك خلالالفترة الماضية عبر تدشين مجالس للتنسيق الثنائي فيما بين المملكة السعودية والإمارات من جانب، وبين المملكة والكويت من جانب آخر، من أجل تخفيف آثار الأزمة القطرية على آلية التعاون الجماعي، في مقابل تسويف الأزمة لأجل غير معلوم.

5- تطورات الداخل الأمريكي وتباينات الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط: شهدت الفترة الماضية بعض التطورات التي لحقت بتوازنات القوة داخل الكونجرس الأمريكي لصالح الحزب الديمقراطي، حيث جاءت انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر الماضي، بأغلبية ديمقراطية في مجلس النواب، وهو ما سيكون له تأثيره على السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ومنطقة الخليج بشكل خاص. أخذا في الاعتبار أيضا تواتر الأحاديث داخل أروقة دوائر صنع القرار ومراكز الأبحاث الأمريكية حول تراجع أهمية منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام، لصالح ضرورة التوجه نحو "إعادة التوازن" إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والانتقال من مكافحة الإرهاب إلى المنافسة بين الدول العظمى كإطار استراتيجي منظم للسياسة الخارجية الأمريكية[7]، وهو ما يستوجب إعادة تقييم للدور الأمريكي المنخرط في بعض أزمات المنطقة، من خلال إعادة تقييم نهجها للشراكات الأمنية وتقاسم الأعباء مع الحلفاء هناك.

هذه المتغيرات قادت إلى ضرورة بناء رؤية خليجية مشتركة، وتنسيق أدوار دول أعضاء مجلس التعاون – على الأقل مراكز ثقل القرار الخليجي (السعودية، الإمارات، الكويت)– حول طبيعة التهديدات التي تواجهها وفي مقدمتها الخطر الإيراني، بالإضافة إلى أهمية الاتفاق على تطوير أطر جديدة للتعاون تستهدف تعزيز القدرات الدفاعية والعسكرية لدول الخليج، عبر صيغ تتجاوز البعد الخليجي لتشمل النطاق العربي (مصر، الأردن) لضمان فعالية واستدامة هذه الأطر المقترحة، وهو ما سيساعد في ملء الفراغ الذي سيوجده التراجع المحتمل للدور الأمريكي التقليدي في توفير مظلة الحماية لمنطقة الخليج. وقد فرضت هذه المتغيرات بدورها درجة من الزخم على مخرجات القمة الأخيرة لمجلس التعاون.  

مخرجات القمة... الدلالات والمآلات المحتملة  

فرضت التطورات السابقة التي يشهدها السياق الإقليمي والدولي المحيط بدول الخليج، وما ارتبط بها من ملفات بحاجة إلى تنسيق وتوحيد الموقف الخليجي بشأنها، أجندة محددة على القمة، جاء التركيز فيها على قضايا تعزيز العمل الخليجي المشترك، وعلاقات بعض القوى الخليجية مع أطراف إقليمية كإيران، بالإضافة إلى القضايا الإقليمية الأخرى في إطار دوائر حركة مجلس التعاون التقليدية (العربية، الأفريقية، الإسلامية)، وهو ما انعكس في التحليل الأخير على مخرجات القمة من خلال بيانها الختامي.[8]

1- تعزيز العمل الخليجي المشترك

استهدفت القمة التأكيد على عدد من المرتكزات الأساسية لتعزيز العمل الخليجي المشترك في المجالات المختلفة، وذلك في إطار الرؤية السعودية التي أقرها المجلس الأعلى في دورته (36) في ديسمبر 2015. وفي سبيل ذلك أقرّت القمة بعض السياسات، أهمها:

- تأكيد استمرار العمل لاستكمال مراحل الدراسة الخاصة بإنشاء الأكاديمية الخليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، ومختلف الجوانب المتعلقة بالعمل العسكري المشترك وما تتطلبه ذلك من إجراءات ودراسات مختلفة.

- المصادقة على موازنة الشئون العسكرية وموازنة القيادة العسكرية الموحدة للعام المالي 2019، والاعتمادات الخاصة بمشاريع الاتصالات المؤمنة.

- تأكيد سرعة العمل على إنجاز الدراسات والمشاريع المتعلقة ببرنامج عمل "هيئة الشئون الاقتصادية والتنموية"، لتحقيق الوحدة الاقتصادية بحلول عام 2025، لاسيما الدراسات المتعلقة باستكمال الوضع النهائي للاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة، وتسهيل انتقال الشاحنات بين الدول الأعضاء.

- متابعة تطورات المشاريع التكاملية، بما في ذلك مشروع سكة الحديد لدول مجلس التعاون، وإنشاء شركة المدفوعات الخليجية.

- اعتماد المجلس الأعلى الخطة الاستراتيجية للعمل البلدي المشترك للجنة الوزراء المعنيين بشئون البلديات بدول المجلس، ودليل الإجراءات الصحية الموحدة في المنافذ الحدودية لدول مجلس التعاون.

- موافقة المجلس الأعلى على القانون (النظام) الموحد لتمكّين الأشخاص ذوي الإعاقة بدول المجلس بشكل استرشادي لمدة سنتين. وعلى القانون (النظام) الموحّد للعمل التطوعي بدول المجلس بشكل استرشادي لمدة سنتين.

- تطوير موقف خليجي موحد حول أزمات الداخل لبعض أعضاء المجلس.

لقد استهدفت القمة تفريغ الضغط الدولي حول بعض أزمات الداخل الخليجي لأعضاء المجلس، وهو ما جاء من خلال التأكيد على موقف خليجي موحد لدول المجلس لدعم إجراءات المملكة السعودية في قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والتأكيد على الرفض القاطع لاستغلال هذه القضية للمساس بسيادة قرار المملكة وأمنها واستقرارها. أيضًا تطرقت القمة إلى الأزمة المثارة فيما بين دولة الإمارات وإيران حول الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، أبو موسى)، وتم التأكيد في هذا الإطار على دعم وتأييد الموقف الإماراتي، واعتبار أن أية قرارات أو ممارسات أو أعمال تقوم بها إيران على الجزر الثلاث باطلة ولاغية، مع دعوة الجانب الإيراني للاستجابة للمساعي الإماراتية لحل القضية عن طريق المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

2- الاتفاق على سياسة خليجية ثابتة تجاه القضايا الإقليمية

سعت القمة الأخيرة إلى التأكيد على سياسة خليجية ثابتة تجاه الأزمات الإقليمية، وتوحيد الرؤية والموقف الخليجي بشأن الحلول الإقليمية والدولية المطروحة لتسوية هذه الأزمات. في هذا الإطار، وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكدّت القمة على مرجعية المبادرة العربية للسلام لعام 2002، كأساس للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي، والتي تقوم على تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين. كما رحبت القمة بقرار مجلس جامعة الدول العربية الصادر في ختام اجتماعه المستأنف على مستوى وزراء الخارجية الذي عُقد في القاهرة في الأول من فبراير 2018، لمواجهة قرار الإدارة الأمريكية بشأن نقل السفارة إلى القدس، واعتبار أن أي إجراء تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي هو أمر باطل، ولا يؤدي إلا إلى إشعال التوتر في المنطقة. وحول "الأزمة اليمنية"، تم التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة، وفقًا للمرجعيات المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن 2216. ورحبت القمة بجهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن غريفيثس للتوصل إلى حل سياسي للأزمة في اليمن وفقًا لتلك المرجعيات، وتطلعه إلى تحقيق نتائج إيجابية في مشاورات السويد. أيضًا أكد المجلس على مواقفه وقراراته الثابتة بشأن "الأزمة السورية"، والحل السياسي القائم على مبادئ (جنيف- 1)، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي ينص على تشكيل هيئة انتقالية للحكم تتولى إدارة شئون البلاد، وصياغة دستور جديد لسوريا، والتحضير للانتخابات. وفيما يتعلق "بالأزمة الليبية"، تم التأكيد على دعم جهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة، وتأكيد مرجعية اتفاق الصخيرات الموقع بين الأطراف الليبية في ديسمبر 2015، كإطار للخروج من الأزمة.

3- تعزيز مواجهة النفوذ الإيراني عبر دول المنطقة

أكد المجلس رفضه التام لاستمرار التدخلات الإيرانية في الشئون الداخلية لدول المجلس والمنطقة، وإدانة جميع الأعمال الإرهابية التي تقوم بها، وتغذية النزاعات الطائفية والمذهبية، على غرار انتهاك إيران الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على إرسال الأسلحة لليمن، وتزويد الحوثيين بطائرات مسيرة وصواريخ بالستية اُطلقت على المملكة العربية السعودية، وتم إدخالها إلى اليمن بعد فرض الحظر على الأسلحة عام 2015، في مخالفة صريحة لقرار مجلس الأمن (2216)، هذا إلى جانب التواجد الإيراني في الأراضي السورية وتدخلات إيران في الشأن السوري، عبر القوات الإيرانية وميلشيات حزب الله وكافة الميلشيات الطائفية التي جندتها إيران للعمل في سوريا. بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه في زعزعة استقرار لبنان عبر حزب الله، والذي تستهدف من خلاله إضعاف المؤسسات السياسية والأمنية، وتفتيت الوحدة الوطنية وتأجيج الصراعات المذهبية والطائفية فيه.

وفي سبيل ذلك طالب المجلس المجتمع الدولي باتخاذ خطوات أكثر فاعلية وجدية لمنع حصول إيران على قدرات نووية، ووضع قيود أكثر صرامة على برنامجها للصواريخ البالستية في الفترة المقبلة.

4- تعزيز الشراكات الخليجية مع الأطراف الخارجية

أكدت القمة على أهمية عدد من الشراكات الاستراتيجية الخارجية، والتي تستهدف الدول الخليجية من خلالها تأمين فضاء مصالحها الاستراتجية وتعزيز أطر مواجهتها للنفوذ الإيرانية، وجاءت في مقدمة هذه الشراكات الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعرب المجلس عن ارتياحه عن تقرير الأمانة العامة عن اجتماعات مجموعات العمل المتخصصة التي تم تشكيلها لتفعيل الشراكة الاستراتيجية بين المجلس والولايات المتحدة في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية ومكافحة الإرهاب والتطرف، مؤكدًا تأييده للاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، بما في ذلك ما يتعلق ببرنامج إيران النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وأنشطتها المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة ودعمها للإرهاب.

وحول الشراكات في المحيط العربي، أكد المجلس على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية التي تم إقرارها في دورته (32) في ديسمبر 2011، ووجّه بسرعة استكمال تنفيذ خطط العمل المشترك التي تم اعتمادها لتعزيز التعاون والتكامل بينهما في جميع المجالات، كما تم التأكيد على أهمية تأسيس حوار استراتيجي شامل لتطوير علاقات مجلس التعاون مع العراق في جميع المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وكلف الأمانة العامة باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك. أيضًا أكد المجلس حرصه على تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ووجه الأمانة العامة باتخاذ الإجراءات اللازمة لاستكمال تنفيذ خطة التحرك الخليجية وخطط العمل المشترك التي سبق إقرارها في هذا الشأن.

وهكذا، عكست أجندة الموضوعات السابقة عددا من الدلالات التي توضح استراتيجية التحرك الخليجي خلال الفترة القادمة، سواء فيما يتعلق بالقضايا الحيوية بالنسبة للمصالح الخليجية أو تلك المتعلقة بدوائر الحركة والشراكات الاستراتيجية التي تمثل أهمية استراتيجية لمقتضيات الأمن القومي الخليجي، وتبرز هذه الدلالات عبر المحاور التالية:

- تحييد آثار الأزمة القطرية تجاه مشاريع التكامل والتعاون الخليجي: انعكس ذلك بشكل واضح من خلال تهميش أجندة القمة للأزمة القطرية، وبدلا من ذلك تم التركيز على فرص التعاون المطروحة والتأكيد على استمرار أطر التكامل والتعاون فيما بين دول المجلس، وطرح تفصيلات مشاريع التكامل والتعاون وما تم التوصل إليه بشأنها، والتي استهدفت القمة من خلالها إبراز هامشية تأثير الأزمة القطرية على منظومة التعاون الخليجي.

- تأمين المحيط العربي عبر تعزيز الشراكات الاستراتيجية: أبرزت المخرجات السابقة التوجه الخليجي نحو تأمين مناطق الطوق الاستراتيجي بالنسبة لمصالحه الاستراتيجية وأمنه القومي، عبر تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع دول الجوار الجغرافي العربية، التي باتت تمثل منصات ضغط يبرز من خلالها النفوذ الإيراني، على سبيل المثال العراق، التي قطعت بالفعل بعض دول المجلس، على غرار المملكة السعودية والكويت، خطوات حثيثة لإعادة التموضع هناك، وملء الفراغ العربي الذي استغلته إيران لتعزيز حضوره في المشهد السياسي لعدد من العواصم العربية كالعراق وسوريا ولبنان على نحو ما بات يُعرف بـ الهلال الشيعي الإيراني.

- تعزيز مكانة أفريقيا، خاصة منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ضمن دوائر الحركة الخليجية: برز ذلك من خلال ما أكدت عليه مخرجات القمة، وتترجمه حاليًا تحركات أعضاء المجلس – على وجه التحديد المملكة السعودية والإمارات – في تلك المنطقة. وكان آخر هذه التحركات الوساطة السعودية – الإماراتية لتسوية الصراع فيما بين دول تلك المنطقة، ومنها التوسط لتوقيع اتفاقية جدة للسلام في سبتمبر 2018، فيما بين إريتريا وإثيوبيا، وكذلك عقد المصالحة بين قادة دولتي جيبوتي وارتيريا في جدة بعد قطيعة استمرت عشرة أعوام، هذا فضلاً عن الدعم اللوجيستي والعسكري الذي تقدمه دول المجلس لدول الساحل الأفريقي G5لمكافحة الإرهاب، وقد تكامل مع هذه الجهود السعي السعودي لتشكيل تحالف مع 6 دول (مصر وجيبوتي والصومال والسودان واليمن والأردن) تطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وجاء ذلك من خلال اجتماع احتضنته الرياض في 12 ديسمبر الجاري (2018)[9]، لبحث المبادرة دون التوصل إلى اتفاق نهائي خاصة في ظل الرفض الإريتري والإثيوبي للانضمام.

- خفض تكلفة الدور الخليجي في أزمات المنطقة: تسعى دول المجلس الرئيسة (السعودية، الإمارات، الكويت) إلى خفض انخراطها في أزمات المنطقة، خاصة الانخراط العسكري، نظرًا لارتفاع التكلفة السياسية والاقتصادية لهذا الدور على نحو شكل عبئًا على الصورة الخارجية لبعض دول المجلس. ويعكس هذا التوجه ما أكدته القمة فيما يتعلق بالسياسة الخليجية تجاه الأزمات الإقليمية والتي أكدت فيها على ضرورة الحل السياسي والاستناد إلى مرجعية القرارات الدولية للتسوية.

- تأكيد مواجهة النفوذ الإيراني عبر الشراكة الأمريكية: عكس ذلك تأكيد مخرجات القمة على أهمية الشراكة الاستراتيجية لمجلس التعاون مع الولايات المتحدة، وتأييد السياسات الأمريكية بشأن مواجهة الخطر الإيراني، ويأتي ذلك قبل أيام قليلة من القمة الخليجية الأمريكية المرتقبة في يناير 2019، والتي من المتوقع الإعلان خلالها عن تأسيس "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" أو "الناتو العربي"، الذي تستهدف الولايات المتحدة من خلاله تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية لدول مجلس التعاون، في إطار التوجه الأمريكي لخفض دوره التقليدي في توفير الحماية لدول مجلس التعاون الذي كان يقوم به عبر انخراطه العسكري المباشر في المنطقة. وهنا يجب التأكيد على ضرورة فرض الرؤية العربية واعتبارات الأمن القومي العربي عند صياغة هذه الأطر والانطلاق من أرضية عربية مشتركة حول طبيعة التهديدات التي تشكل مصدر خطر على الأمن القومي العربي دون تدخل خارجي في رسم خريطة التهديدات التي ينبغي توجيه هذا الإطار الجديد لمواجهتها.

سيناريوهات محتملة لمنظومة التعاون الخليجي

تفرض المعطيات الراهنة للمشهد الخليجي، إلى جانب المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تحيط بالبيئة الخليجية، بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل منظومة التعاون الخليجي، وذلك ارتباطًا بالفرص والتحديات التي تطرحها بيئة التفاعلات الخليجية والإقليمية، وكذلك مسارات تعاون دول المجلس مع الشركاء الدوليين، ونطرح فيما يلي بعض من هذه السيناريوهات المحتملة.

1- استمرار جمود الوضع الراهن فيما يتعلق بالأزمة القطرية

وذلك في ظل استمرار تعنت قطر، وتعزيزها لسياسات الاستقلال عن محيطها الخليجي مقابل تعزيز علاقاتها مع تركيا وإيران اللذان يوفران بدورهما الدعم الذي تحتاجه قطر لتعزيز مساحة حركتها وهامش مناورتها في مواجهة دول المقاطعة على النحو الذي يُطيل من أمد الأزمة ويعمق هوة الخلاف فيما بين قطر ومحيطها الخليجي والعربي. وقد مثلت القمة الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي مؤشرا مهما لترجيح هذا السيناريو خلال الفترة المقبلة، فقد عكست مخرجات القمة هامشية تأثير الأزمة القطرية على المشهد الخليجي فيما يتعلق بتفاعلات دول المجلس وعلى آلية عمل مجلس التعاون بالشكل الذي يُتيح استمرار الوضع دون تسوية قريبة للأزمة.

2- حلحلة الوضع الراهن عبر فك الارتباط القطري – التركي – الإيراني

ويُعوّل في حدوث هذا السيناريو على الفرص التي توفرها البيئة الإقليمية والدولية الراهنة، في ضوء العقوبات الأمريكية على إيران والتي تحجم بدورها حدود الدعم والمساعدة الذي يمكن أن تقدمها طهران لقطر على نحو يجعل دورها في الأزمة الحالية هامشي ويقود في المستقبل إلى فك الارتباط معها. أيضًا تفرض تحديات الداخل التركي والأعباء التي تتحملها أنقرة في انخراطها في العديد من أزمات المنطقة قيودا على استمرار دعمها لقطر، وقد ينتهي في حال توصل تركيا وفق نهجها البراجماتي لاتفاق مع دول المقاطعة الخليجية (السعودية، الإمارات) يعظّم من مكاسبها، على نحو قد يقود إلى فك الارتباط أيضا فيما بين أنقرة وقطر، وهو ما سيؤدي إلى تفريغ دوائر الدعم للدور القطري ويقودها في النهاية إلى إبداء المرونة في تقبل الشروط الـ13 التي وضعتها دول الرباعي العربي كأساس للمصالحة. 

3- تسوية محتملة للأزمة القطرية في إطار العامل الخارجي أو تغيرات الداخل

يعتمد هذا السيناريو على سياسة الأمد الطويل في حلحلة الوضع عبر استمرار الضغوط الخارجية على الطرفين القطري ودول المقاطعة من أجل الدخول في مفاوضات حول شروط كل منهما لتسوية الأزمة، وهو ما شهدته الأشهر الأولى في الأزمة ولم يصل بعد إلى نتيجة، أو عبر حدوث تغيرات داخلية للنظام القطري تؤدي إلى حدوث حلحلة في موقفه وإعادة النظر في سياساته الخارجية وفقًا للمعايير التي تحدده شروط دول الرباعي العربي، وهو ما قد يقود إلى تسوية الأزمة.

4- تهميش دور مجلس التعاون لصالح أطر جديدة

وذلك في ضوء حالة الجمود التي تسود منظومة التعاون الجماعي فيما بين دول مجلس التعاون، بالشكل الذي يجعلها تسعى إلى الإبقاء الشكلي على مجلس التعاون من حيث الحرص على دورية انعقاد قممه، إلا أن هذا لم يلغ حالة الانقسام التي يشهدها البيت الخليجي، وباتت تعبر عنها أصوات صحفية رسمية مقربة لدوائر صنع القرار في الدول الخليجية المقاطعة، وبدأت تتواتر الأحاديث عن إنهاء مجلس التعاون[10]. ويعزز من هذا السيناريو الأطر الثنائية التي يتم استحداثها كبدائل لتنظيم التفاعل والتعاون الخليجي بين وحداته، في غياب تام لقدرة المجلس على معالجة الصدع الراهن الذي يشهده البيت الخليجي. ومن ثم، قد تقود هذه المتغيرات إلى استمرار تهميش دور المجلس، في خضم الموجات الجديدة لما بات يُعرف بالإقليمية الجديدة (Neo-regionalism)[11]، الذي لم يتمكن مجلس التعاون حتى الآن من تحقيق أحد مظاهر التكامل التي تقوم عليها هذه الموجة الاندماجية الجديدة بدرجة أكثر تعقيدًا.


[1] بومبيو يبحث مع دول الخليج ومصر والأردن تشكيل “ناتو العرب”، جريدة القدس العربي، بتاريخ 28 سبتمبر 2018. انظر:

https://bit.ly/2QEOMU8

[2] قطر: نخشى من دولة في مجلس التعاون الخليجي... بعد "إجراءات غير مسبوقة"، وكالة سبوتنيك الروسية، بتاريخ: 1 ديسمبر 2018. انظر:

https://sptnkne.ws/khgt

[3] "قطريليكس" : تركيا تجرى اختبارات عسكرية فى صحراء قطر، جريدة اليوم السابع، بتاريخ: 4 ديسمبر 2018. انظر:

http://www.youm7.com/4056304

[4] شكري: تحركات قطرية مناوئة خارجة عن التعاون العربي، جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 6 ديسمبر 2018. انظر:

https://bit.ly/2EiSpck

[5] وزير خارجية البحرين: قطر أحرقت سفن العودة والحل لن يكون بـ«حب الخشوم»، جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 6 ديسمبر 2018. انظر:

https://bit.ly/2rnehLl

[6] الصفحة الرسمية لحساب الوزير الإماراتي أنور قرقاش على موقع تويتر. انظر:

https://twitter.com/AnwarGargash/status/1070535754814775297

[7] Michael Singh, The United States, Saudi Arabia, and the Middle East in the Post-Khashoggi Era, The Washington Institute for Near East policy, December 10, 2018. Available on:

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-united-states-saudi-arabia-and-the-middle-east-in-the-post-khashoggi-er

[8] البيان الختامي لقمة الدورة التاسعة والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بتاريخ 9 ديسمبر 2018. انظر:

http://www.gcc-sg.org/ar-sa/MediaCenter/NewsCooperation/News/Pages/news2018-12-9-9.aspx

[9] عادل الجبير يدعو إلى إنشاء كيان للدول المطلة على البحر الأحمر، جريدة المصري اليوم، بتاريخ 12 ديسمبر 2018. انظر:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1350717

[10] عبد الرحمن الراشد، هل حان إنهاء مجلس التعاون؟، جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 9 ديسمبر 2018. انظر:

https://bit.ly/2rp7S2c

 [11]بوجلخة شوقي، “الإقليمية الجديدة وأثرها على اقتصاديات الدول النامية: دراسة حالة الجزائر- تونس في الفترة من 2000 حتى 2013"، رسالة ماجستير (الجزائر: كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، 2014). انظر:

http://www.univ-eloued.dz/images/memoir/file/M.E-064-1.pdf


رابط دائم: