القارة المضطربة... انتهاء نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا؟
16-12-2018

د. دينا شحاتة
* رئيس وحدة الدراسات الاجتماعية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

هل تشهد القارة الأوروبية نهاية نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي دعم السلام والازدهار في أوروبا منذ عام 1945؟ 

تشير الأحداث الأخيرة في كافة أنحاء أوروبا إلى أن هذا هو الحال بالفعل؛ حيث تُعد الاحتجاجات الأخيرة في فرنسا من قبل حركة "السترات الصفراء" هي الأحدث في سلسلة من الأزمات التي عصفت بالقارة الأوروبية، والتى تضمنت أيضامعضلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) Brexit، وزيادة الاستقطاب والتشظي السياسي في ألمانيا، وصعود الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة ووصولها إلى السلطة في إيطاليا وبولندا والمجر.

استند نظام ما بعد الحرب في أوروبا إلى عدد من المرتكزات الأساسية التيأصبحت جميعها محل هجوم شديد. أول هذه المرتكزات هو الاتحاد الأوروبي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية لتأسيس شبكة كثيفة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين دول أوروبا الغربية لضمان عدم نشوب الصراع بينهما مرة أخرى. المرتكز الثاني لهذا النظام، تمثل في التحالف عبر الأطلسي الذي تم تأسيسه بتشكيل حلف "ناتو" الذي كفل التعاون العسكري بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة لمواجهة التهديدات العسكرية للاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية. ومثل حلف "ناتو"، بالإضافة للاتحاد الأوروبي، سمة مميزة لحقبة الحرب الباردة، وشكلا معًا الدعائم الرئيسية لما يُعرف باسم "الكتلة الغربية" التي واجهت الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي.

وبالإضافة إلى دور هذه المؤسسات في تعزيز التحالف الغربي، فقد عُرف هذا التحالف نفسه بالتزامه بعدد من القيم المشتركة، شملت الليبرالية، والديمقراطية، والأسواق المفتوحة، وحقوق الإنسان التيتصارعت على المستوى الأيديولوجي مع القيم الخاصة بالكتلة الشرقية المناصرة للتخطيط المركزي، وملكية الدولة لوسائل الإنتاج، والحكم السلطوي.

وعلى مستوى السياسات الداخلية، احتضنت الدول الأوروبية الغربية الوسطية السياسية، وذلك من خلال تداول السلطة بين تحالفات وأحزاب على يمين الوسط ويسار الوسط في معظم مرحلة ما بعد الحرب، وظلت الأحزاب المتطرفة على اليسار واليمين هامشية في معظم البلدان الأوروبية حتى وقت قريب.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبنت الدول الأوروبية السياسات الرأسمالية المناصرة للأسواق والحدود المفتوحة أمام البضائع والعمالة، كما تبنت معظم هذه الدول نموذج دولة الرفاهية، معتمدة في ذلك على فرض ضرائب تصاعدية وعالية لتوفير مزايا اجتماعية لمواطنيها تشمل التعليم المجاني والرعاية الصحية وإعانات البطالة، فضلاً عن أن قوانين العمل في كافة أنحاء أوروبا دافعت عن حقوق العمال وكفلت حمايتهم من تقلبات السوق.

لقد كانت نهاية الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، وإعادة توحيد ألمانيا، وانهيار الاتحاد السوفييتي بمثابة لحظة انتصار للاتحاد الأوروبي والتحالف الغربي؛ حيث أعلن الكثيرون نهاية التاريخ والانتصار النهائي للغرب. وللاستفادة من هذا الانتصار، شرع الناتو والاتحاد الأوروبي في تطبيق مشاريع توسعية طموحة لدمج بلدان أوروبا الشرقية والوسطى وتوسيع التحالف الغربي، على نحو جعل روسيا تشعر بالضعف والعزلة بشكل متزايد.

لكن التاريخ لم يتوقف عند هذه الأحداث كما ظن البعض، فقد نشأت تحديات أخرى مهمة لنظام ما بعد الحرب في أوروبا وخارجها خلال العقد الماضي. على المستوى الدولي، أدى صعود الرئيس دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والرئيس فلاديمير بوتين في روسيا إلى تقويض التحالف عبر الأطلسي والمؤسسات التي دعمته بوسائل عدة. فمن ناحية، تخلى ترامب، عقب توليه المنصب، عن أحد المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكيةألا وهي الالتزام بالتكامل والأمن الأوروبيين والتحالف عبر الأطلسي. ففي يوليو الماضي (2018)، ذهب ترامب إلى حد القول بأن الاتحاد الأوروبي "عدو" للولايات المتحدة، وقام بفرض رسومً جمركية جديدة على السلع الأوروبية. كما أظهر دعمًا للبريكست وإجراءات أخرى مناهضة لمصالح الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، هدد ترامب في عدة مناسبات بالانسحاب من الناتو، واتهم الدول الأوروبية بالتواكل وطالبهم بسداد الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة لضمان أمن أوروبا.

من ناحية أخرى، مارست روسيا في عهد بوتين تأثيرا متناميا في القارة الأوروبية في اتجاه مناهض للتكامل الأوروبي، خاصةً في دول أوروبا الشرقية والوسطى. فقد أثبتت روسيا في عهد بوتين مهارتها في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لدعم الرؤى والجماعات المناهضة لمشروع الاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء أوروبا؛ فهناك تقارير تتحدث عن أن روسيا قد تلاعبت بوسائل التواصل الاجتماعي للدفع بالتصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، دعمت روسيا وبشكل نشط ظهور الحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة في كافة أنحاء أوروبا بهدف تقويض الاتحاد الأوروبي الذي تعارضه إلى حد كبير هذه الجماعات.

وعلى المستوى الاقتصادي، دفعت ضغوط العولمة والأزمة الاقتصادية لعام 2008 الحكومات في كافة أنحاء أوروبا إلى تبني سياسات اقتصادية ليبرالية جديدة وإجراءات تقشفية. وكثيرًا ما تم دفع هذه السياسات بضغط مباشر من الاتحاد الأوروبي، وفي ظل المعارضة الشعبية واسعة النطاق، كما حدث في اليونان، ما أدى إلى تراجع دولة الرفاه الاجتماعي في كافة أنحاء أوروبا، وتنامي انعدام الأمن الاقتصادي بين شرائح مهمة من الطبقات العاملة والمتوسطة الأوروبية التي تدهورت دخولها بشكل مطرد. كما ارتفع التفاوت في الدخل في كافة أنحاء أوروبا، مع تركيز الثروة والسلطة بشكل متزايد. وعلى الرغم مما سبق، فقد فشلت هذه التدابير في تحقيق الانتعاش الاقتصادي الموعود، ولا تزال العديد من الاقتصادات الأوروبية تعاني من الركود أو النمو بمعدل منخفض للغاية.

تطور مهم آخر أضعف المشروع الأوروبي هو الضغط المتزايد بسبب الهجرة، فلقد أدى توسع الاتحاد الأوروبي لأول مرة ليشمل دول جنوب أوروبا، ثم دول أوروبا الشرقية والوسطى، إلى تدفق المهاجرين من هذه الدول إلى الدول الأكثر ثراء في أوروبا الغربية. فمعظم الوظائف اليدوية ذات الأجور المنخفضة في غرب القارة يتم تنفيذها الآن من قبل مواطني هذه الدول.

وبالإضافة إلى كل ذلك، دفعت الأزمات السياسية والاقتصادية في أفريقيا والشرق الأوسط ملايين الأفراد لعبور البحر بوسائل قانونية وغير قانونية للبحث عن ملجأ في أوروبا، فأصبحت الدول الأوروبية تضم بشكل متزايد أقليات كبيرة ومتنامية من أصول أفريقية وشرق أوسطية. وقد أدى هذا التدفق لعدد كبير من اللاجئين والمهاجرين إلى خلق رد فعل عنيف من الكثيرين في أوروبا، لاسيما بين الطبقات العاملة التي قد تضع اللوم -نظرًا لمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية- على وجود هؤلاء المهاجرين والأقليات. وبالإضافة إلى ما سبق، أدى التنوع الثقافي والديني المتنامي في أوروبا نتيجة لتدفق المهاجرين إلى زيادة التوترات بين الأغلبيات المسيطرة والأقليات الثقافية، حول أشكال التعبير المشروع عن الدين والهوية في المجتمع الأوروبي.

هناك متغير أخير -لا يقل أهمية- أسهم في تقويض المشروع الأوروبي خلال العقد الماضي، هو انخفاض الثقة في النخب السياسية والصعود السريع للشخصيات والتيارات المناهضة لهذه النخب؛ حيث أدى تناوب السلطة بين مجموعة صغيرة من النخب والأحزاب على يمين الوسط ووسط اليسار في أوروبا إلى تضييق المشهد السياسي ودفع العديد من هذه النخب لتكوين مصالح خاصة وعلاقات وثيقة مع مجتمع المال والأعمال، والدفع بأجندة سياسية واقتصادية داعمة له، وهو ما أدى إلى إحساس متنامٍ بأن النخب السياسية في جميع أنحاء أوروبا فاسدة ومهتمة بمصالحها الضيقة، مما دفع عددًا متزايدًا من الناخبين للتصويت لصالح الشخصيات المناهضة لهذه النخب.

لقد أدى تضافر هذه التحديات والمتغيرات خلال السنوات الأخيرة إلى تصاعد قوى اجتماعية وسياسية جديدة نجحت في استقطاب قطاعات متنامية من الأوروبيين؛ حيث فقدت أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط بشكل متزايد قدرتها على الفوز بأغلبية أو أكثرية انتخابية حاسمة تمكنها من الحكم بفعالية وتشكيل تحالفات قادرة على البقاء، حيث اتجهت أعداد متزايدة من الناخبين في أوروبا للتصويت لصالح الأحزاب اليمينية المتطرفة الشعبوية التي تبنت أجندة مناهضة للاتحاد الأوروبي وللنخب السياسية وللمهاجرين.هذه الأحزاب الشعبوية نجحت حتى الآن في الوصول إلى السلطة في إيطاليا وبولندا والمجر، بينما نجحت الأحزاب اليمينية المتطرفة في دول مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والنمسا والسويد في تحقيق مكاسب انتخابية مهمة، من المرجح أن تتزايد في الانتخابات القادمة.

ففي المملكة المتحدة، نجح "حزباستقلال المملكة المتحدة" UK Independence Party (UKIP) اليميني المتطرف، وبالتحالف مع شخصيات داخل حزب المحافظين مثل وزير الخارجية السابق "بوريس جونسون"، في الضغط لصالح التصويت للبريكست والذي يهدد بتقويض الاتحاد الأوروبي. وحتى الاحتجاجات الأخيرة في فرنسا، على الرغم من أنها في الغالب بلا قيادة، ينظر الكثيرون إليها على أنها قامت بسبب نفس المظالم التي دفعت الحركة الشعبية اليمينية المتطرفة إلى الأمام. ويعتقد الكثير من المتابعين أن زعيمة اليمين المتطرف "مارين لوبين" هي أكثر من سيستفيد من هذه الاحتجاجات خلال الانتخابات القادمة.

وهكذا يبدو مستقبل أوروبا على المحك، مع صعود الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة والتي تزيد من احتمالات تزايد الاضطرابات السياسية في هذه المنطقة من العالم التي طالما اتسمت بالسلم والرخاء.


رابط دائم: