عرض العدد 51 من الملف المصري "مستقبل العلاقات المصرية - الإثيوبية"
10-12-2018

مصطفى كمال
* باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

في إطار الحرص على دعم ركائز الأمن القومي المصري، والحفاظ على مصالحها الإستراتيجية سعت مصر خلال السنوات الأربع الماضية إلى استعادة دورها المحوري إقليميًا ودوليًا؛ وذلك من خلال تصحيح مسارات علاقاتها بالدول الأخرى، خاصة التي شهدت علاقاتها معها بعض التوتر بخصوص بعض الملفات، مثل إثيوبيا، بحيث تتأسس العلاقات على مبادئ التعاون المشترك والمنفعة المتبادلة، مع الالتزام بعدم إلحاق الضرر بالطرف الآخر، فى سبيل دعم الثقة المتبادلة وتجاوز أية تحديات. في هذا السياق، خُصص العدد رقم (51) من دورية الملف المصري (نوفمبر 2018) لمناقشة مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية، خاصة بعد وصول رئيس وزراء إثيوبيا الجديد آبي أحمد إلى سُدة الحكم، وما حمله ذلك من فرص وتحديات بالنسبة لمصر، خاصة فيما  يتعلق بقضية سد النهضة.

 وقد استهلت  الدكتورة أماني الطويل، مساعد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، العدد بمناقشة المحددات الحاكمة للعلاقات المصرية الإثيوبية، والتحديات التي تواجهها، وركزت في هذا الإطار على عدد من المحددات، جاء فى مقدمتها المحدد المائي الذى يلعب دورًا حاسمًا باعتبار أن أكثر من 85% من التدفقات المائية لنهر النيل تأتي من إثيوبيا. كما أشارت إلى عدد آخر من المحددات، مثل المحددات السياسية، والمحدد الثقافي، والمحدد الديني، والمحدد الاقتصادي، والمحدد الإقليمي. وأوصت فى نهاية تحليلها بضرورة العمل على تفعيل العلاقات المصرية الإثيوبية في إطار هذه المحددات، من أجل دعم الاستقرار والتوازن الإقليمي في القارة الأفريقية.  

ولأهمية سد النهضة باعتباره حاكم أساسي في العلاقات المصرية الإثيوبية تناول الدكتور أيمن عبد الوهاب، خبير الشئون الأفريقية بالمركز، الجوانب المختلفة الخاصة بأزمة سد النهضة، حيث أشار إلى أن مسارات الأزمة مرت بالعديد من المراحل والمحطات، ارتبطت بالأساس بطبيعة البيئة الحاضنة لهذه الأزمة. ثم قام بتوصيف الموقف الحالي للأزمة بأنه تجميد مؤقت، وأرجع ذلك لأسباب تتعلق بجودة الدراسات الفنية من جانب، ومشروع آبي أحمد الإصلاحي وعلاقات القوى داخل المجتمع الإثيوبي من جانب آخر. كما ناقش الدكتور أيمن مرتكزات التحرك المصري، وذلك من خلال ثلاثة مسارات؛ الأول هو الدبلوماسية الرئاسية، والثاني يتمثل فى المسار السياسي، والثالث هو المسار الفني. وفي الختام أوصى بضرورة دعم الآلية التفاوضية، واعتبرها نقطة البداية المصرية، والتى تعد مرتهنة بتحول الرؤية المصرية الخاصة بالأمن المائي. فضلًا عن دعم توجهات السياسة الخارجية المصرية تجاه أفريقيا، لاسيما المبنية على دعم قضايا التنمية كسبيل لتحقيق الأمن الإنساني والغذائي.

وحول التفاعلات الداخلية الإثيوبية التي تعد الإطار الحاكم لسياستها الخارجية، تناول الدكتور خالد حنفي، الخبير في الشئون الأفريقية، في المقالة الثالثة رؤية تحليلية خاصة بمحاولات إعادة تعريف السياسة الإثيوبية، والكشف عن حدود تأثيراتها على مصر، حيث رأى أنه مع  صعود آبي أحمد إلى منصب رئاسة الوزراء انتقلت السياسة الإثيوبية من الدور القمعي إلى الدور الإصلاحي الاستيعابي لأزمات التعددية، من خلال اتخاذ العديد من الإجراءات الإصلاحية للنموذج الفيدرالي، والتى تستهدف بشكل أساسى تهدئة القوميات الغاضبة من هيمنة التيجراي، وفى سبيل إثبات حسن النوايا قام آبي أحمد بالإفراج عن سجناء الرأي، ورفع بعض الحركات من قوائم الإرهاب. بالإضافة إلى وضع خطة إصلاح اقتصادي لمواجهة أزمة نقص النقد الأجنبي وزيادة الديون الخارجية، وذلك بالتخلي عن المشاريع القومية الجديدة والاقتصار على استكمال المشاريع المنفذة فى الوقت الراهن. وخارجيًا، تحولت إثيوبيا من القوة الإقليمية المتدخلة عسكريًا أو المحاصرة لجيرانها إلى صانع سلام إقليمي في القرن الأفريقي، من خلال عدة اتجاهات، من بينها استعادة القيادة الإقليمية بمنظور سلمي عبر تحويل التعاون الثنائي إلى آخر إقليمي يوفر القدرة على التأثير والتكيف مع ترتيبات التنافس الإقليمي. الاتجاه الثاني، بناء شراكات جديدة مع القوي الإقليمية وذلك لاعتبارين؛ الأول من خلال تأمين الدعم لإصلاحاته، والثاني عبر توسيع خياراته الاستثمارية. أما عن تأثير إعادة تعريف الدور الإقليمي على مصر فقد أكد الدكتور خالد أن حدود التأثير يرتبط بمدى قدرة القاهرة على بناء سياسات واقعية للتعاطي معها. ومن أجل ذلك رصد ثلاثة مسارات للعلاقات، أولها التعاون الثنائي، والثاني تعزيز سياسة الاستيعاب المصرية تجاه السودان، أما المسار الثالث فيتعلق بمدى إمكانية تقديم مصر مبادرة جديدة للتعاون الإقليمي. 

وبالنسبة لانعكاسات التفاعلات الداخلية على إعادة تعريف سياسة إثيوبيا الخارجية، ناقشت الدكتورة رانيا حسين خفاجة،  مدرس العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، في المقالة الرابعة، السياسة الخارجية الأثيوبية تجاه القرن الأفريقي، حيث رأت أن هذه السياسة لم تكن بمعزل عن رؤية آبي أحمد الإصلاحية، وتجلى ذلك من خلال التحولات الجوهرية. وكان أبرزها التقارب التاريخي بين إثيوبيا مع إريتريا، وتوقيع الدولتين لمعاهدة صداقة وتعاون. ولم تقتصر السياسة الأثيوبية على إريتريا فحسب، حيث وقعت إثيوبيا على اتفاقية مع حكومة جيبوتي لشراء حصة في ميناء جيبوتي في مايو 2018. وبالنسبة للعلاقات الإثيوبية– السودانية، فقد نجحت إثيوبيا في تحييد الموقف السوداني في مفاوضات سد النهضة، وبذلك ترى الدكتورة رانيا أن إثيوبيا لم تسع فقط إلى تطوير علاقتها الثنائية بدول إقليم القرن الأفريقي، وإنما سعت أيضًا إلى تأكيد مكانتها كقوة إقليمية. ولعل محاولة إثيوبيا القيام بدور الوسيط في الصراع الداخلي في السودان نموذج واضح على قوتها الإقليمية. ثم رصدت الدكتورة رانيا عددا من العوامل والمحددات الخاصة بالتحرك الإثيوبي في المنطقة. واختتمت تحليلها برصد عدد من التحديات التي تواجه إثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي، من بينها معوقات التطبيع الكامل بين إثيوبيا وإريتريا بجانب الخلاف الحدودي مثل دعم البلدين الحركات المعارضة والجماعات المتمردة التي تستهدف الدول الأخرى، إضافة إلى تحديات الموقف الداخلى فى إثيوبيا، بشأن سياستها  الخارجية خاصة تجاه إريتريا.

واختتم العدد الدكتور أيمن شبانة، نائب مدير مركز حوض النيل بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية، بمناقشة مستجدات العلاقات الإثيوبية الإقليمية والدولية، حيث أكد أن العلاقات الخارجية الإثيوبية تدور عبر عدة دوائر؛ أهمها على الإطلاق دائرة القرن الإفريقي، أما الدوائر الأخرى فهي حوض النيل، والبحيرات العظمي، والتجمعات الإقليمية الأفريقية، والشرق الأوسط، والدائرة العالمية. وأوضح دكتور أيمن أن إثيوبيا حرصت على تنويع علاقاتها الخارجية، وبناء شراكات استراتيجيه متوازنة تساعدها على تحقيق مصالحها الوطنية وأهمها الحفاظ على وحدتها، وتأمين منفذ مباشر على البحر الأحمر، والاستفادة من الموارد المائية المتاحة لديها. كما أكد على وجود عدد من المبادئ تحكم تلك السياسة، أهمها التنمية الاقتصادية، واتباع المنهج السلمي، وقيام العلاقات مع العالم الخارجي على أساس المصالح المشتركة.

وناقش د. أيمن العوامل المؤثرة في العلاقات الخارجية الإثيوبية، وصنفها إلى عوامل داخلية وخارجية. وأخيرًا استعرض العلاقات الإثيوبية مع عدد من الدول الإقليمية والدولية، ورأى أن إثيوبيا قد حققت العديد من المكاسب من علاقتها الخارجية، أهمها الحفاظ على تماسكها الإقليمي، وتدعيمها كقوة إقليمية بالقرن الإفريقي، علاوة على توفير الغطاء السياسي لاستكمال مشروع سد النهضة.


رابط دائم: