لماذا عاد الجدل حول الأنشطة الصاروخية الإيرانية؟
3-12-2018

د. محمد عباس ناجى
* رئيس تحرير مجلة "قضايا إقليمية" - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

في الأول من ديسمبر الجاري (2018)، تعمد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الإعلان عن إجراء إيران تجربة إطلاق صاروخ باليستي متوسط المدى، في خطوة اعتبر أنها تمثل انتهاكًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر بعد الوصول للاتفاق النووي في 14 يوليو 2015، على نحو دفع إيران إلى تأكيد أن برنامجها الصاروخي دفاعي بحت دون أن تنفي أو تؤكد صحة تصريحات بومبيو.  

المعنى الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تكتف بمتابعة نتائج الضغوط التي تفرضها عقوباتها ضد إيران، خاصة فيما يتعلق بقدرة الأخيرة على احتواء الأزمة الاقتصادية ومواصلة دعمها لحلفائها الإقليميين. إذ -على الأرجح- سوف تتجه الولايات المتحدة إلى شن حملة دبلوماسية جديدة الهدف منها هو تبرير إجراءاتها العقابية ضد إيران، والتي لم تلق تأييدًا ملحوظًا من جانب بعض القوى الإقليمية والدولية المعنية بالاتفاق النووي، وربما تصعيد حدة الضغوط الحالية من أجل دفع طهران إلى القبول بالمطالب الأمريكية الخاصة بإجراء مفاوضات جديدة للوصول إلى اتفاق أكثر شمولا، يعالج نقاط ضعف الاتفاق الحالي -وفقًا لوجهة النظر الأمريكية- خلال في المرحلة القادمة.

أهداف سياسية

حرص واشنطن على منح أولوية للنشاط الصاروخي الإيراني في المرحلة الحالية يهدف إلى إضفاء وجاهة وأهمية خاصة على السياسة التي تتبناها تجاه إيران بشكل عام، خاصة فيما يتعلق بتجاربها الصاروخية، وبرنامجها النووي، ودورها الإقليمي. إذ ترى واشنطن أن نجاح استراتيجيتها الحالية تجاه إيران، والهادفة إلى "تصفير" الصادرات النفطية الإيرانية، بعد انتهاء مهلة الأشهر الست التي منحتها لثماني دول مستوردة للنفط الإيراني، ووقف العمل بالاتفاق النووي الحالي مع العمل على استبداله باتفاق آخر يستوعب التحفظات الأمريكية العديدة على الاتفاق القائم، لن يتحقق إلا في حالة تمكنها من استقطاب دعم العدد الأكبر من القوى الدولية والإقليمية المعنية بهذا الاتفاق وبالعلاقات مع إيران.

ويكتسب هذا المتغير اهتماما خاصا من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة بعد أن أبدت بعض تلك القوى مواقف متحفظة إزاء الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي أو العقوبات الأمريكية الجديدة، على نحو دفعه بهذه القوى إلى انتقاد هذه الإجراءات وتأكيد عدم وقف علاقاتها التجارية مع إيران أو الالتزام بتلك العقوبات.

وهنا، فإن واشنطن تسعى عبر الإعلان عن التجربة الصاروخية الإيرانية الجديدة إلى تأكيد أن إيران لا تلتزم بالاتفاق النووي الذي يطالبها بالتوقف عن إجراء أنشطة خاصة بالبرنامج الصاروخي، وأنها طرف لا يمكن الرهان على تنفيذ تعهداته الدولية.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية اختارت التوقيت الحالي تحديدًا، لإدراكها أن ثمة توتر قد يتصاعد خلال المرحلة القادمة بين إيران وبعض القوى الدولية، لاسيما الدول الأوروبية، بسبب تورط إيران في بعض العمليات الإرهابية التي تستهدف عددا من أقطاب المعارضة الإيرانية التي تتواجد داخل تلك الدول، على غرار ما حدث في فرنسا والدانمارك في الشهور الأخيرة.

بعبارة أخرى، فإن واشنطن تسعى عبر تلك الخطوة إلى إقناع الدول الأوروبية بأن الاتفاق النووي، وما تبعه من رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران (قبل الوصول للاتفاق النووي)، لم يساهما في تعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط أو تغيير سلوك إيران الذي فاقم من الأزمات الإقليمية المختلفة وعرقل جهود تسويتها، لاسيما في كل من سوريا ولبنان واليمن والعراق. بل إن رفع تلك العقوبات أسهم في تمكين طهران من الحصول على مزيد من العوائد المالية التي استخدمتها -حسب الاتهامات الأمريكية- في تطوير البرنامج الصاروخي ودعم حلفائها الإقليميين.

تشدد مستمر

اللافت في هذا السياق أن رد فعل إيران إزاء تلك التصريحات لم يتضمن نفيا أو تأكيدا لها، بل ركز على أن أى نشاط لإيران في هذا السياق له طابع دفاعي بحت، باعتبار أن الصواريخ الباليستية، في رؤية طهران، ذات أغراض دفاعية وليس مخططا لها أن تحمل رؤوسا نووية. بمعنى آخر، فإن إيران ترى أن تجاربها الصاروخية الحالية لا تدخل في نطاق الأنشطة المحظورة التي يحددها قرار مجلس الأمن رقم 2231، باعتبار أن النوعية التي تمتلكها وتقوم بتطويرها مختلفة عن تلك التي حددها القرار.

وربما يطرح ذلك دلالة مهمة، تتمثل في أن قرار مجلس الأمن رقم 2231 لم يعالج بشكل واضح وصارم مجمل الخلافات التي كانت عالقة بين إيران ومجموعة "5+1" وقت الإعلان عن الوصول للاتفاق النووي. بعبارة أخرى، فإن القرار لم يكن محددا بما يكفي لإزالة أى تباين في المواقف قد يحدث في مرحلة التطبيق.

وتستند إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هذه النقطة تحديدا لتبرير انسحابها من الاتفاق النووي وفرض عقوبات جديدة على إيران، باعتبار أن الاتفاق لم يمنعها من مواصلة أنشطتها النووية والصاروخية والإقليمية.

تصعيد محتمل

على هذا النحو، يمكن القول إن التصعيد المتبادل سوف يكون الخيار المرجح بالنسبة لواشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة. فقد باتت واشنطن أكثر إدراكا أن العقوبات وحدها ربما لن تدفع إيران إلى إجراء تغيير في سياستها باتجاه القبول بالانخراط في مفاوضات جديدة، خاصة أن إيران لديها خبرات سابقة في الالتفاف على العقوبات عبر استخدام أدوات غير تقليدية مثل تأسيس شركات وهمية وتوسيع نطاق الدور الذي يمكن أن يقوم به القطاع الخاص في بيع النفط، إلى جانب ممارسة أنشطة التهريب وغيرها.

هنا، يمكن التأكيد أن البرنامج الصاروخي والدور الذي تقوم به إيران داخل دول الأزمات سوف يحظى بمزيد من الاهتمام من جانب الإدارة الأمريكية الحالية، وذلك بهدف تقليص هامش الخيارات المتاحة أمام إيران للتعامل مع الضغوط الحالية.

من جانبها، فإن إيران قد ترد على تلك الضغوط عبر تصعيد وجودها في دول الأزمات، ومواصلة الأنشطة الخاصة ببرنامجها الصاروخي، مع التلويح في الوقت ذاته بأن أهدافا أمريكية عديدة باتت في مرمى نيران تلك الصواريخ، في إشارة إلى أنها لم تعد تستبعد نشوب مواجهة عسكرية مع واشنطن رغم أنها لا تفضلها.

اعتبارات متداخلة وملفات متشابكة كلها تشير في النهاية إلى أن منطقة الشرق الأوسط قد تشهد خلال المرحلة القادمة صراعا مفتوحا بين واشنطن وطهران سوف تفرض نتائجه تداعيات مباشرة على توازناتها الاستراتيجية والتفاعلات بين قواها الرئيسية.


رابط دائم: