مصر والمملكة العربية السعودية.. مصالح استراتيجية
28-11-2018

د. محمد عز العرب
* خبير النظم السياسية والشئون الخليجية بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة خلال يومي 26- 27 نوفمبر 2018، في إطار جولة عربية قبل توجهه للمشاركة في أعمال قمة العشرين بالأرجنتين، تسلط الضوء على مصالح استراتيجية مهمة بين مصر والمملكة العربية السعودية. كما تثير في الوقت ذاته وجود حاجة إلى بناء شبكة أخرى من المصالح لم تتشكل بعد، فضلا عن حاجة مشتركة لدرء عدد من التهديدات.

 

المصلحة الوطنية أولاً

"المصلحة الوطنية" تمثل أحد المداخل المهمة لفهم طبيعة العلاقات الدولية، سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف، كما تمثل مدخلا مهما أيضا لبناء هذه العلاقات، بعيدًا عن المزايدات أو الحسابات ضيقة الأفق أو قصيرة المدى. لقد عبر عن هذا النهج في الأدب النظري بوضوح كالفي هولستي فيما يخص الإعلاء من شأن المصلحة الوطنية في التحركات الخارجية للفاعل الدولي (الدولة). الالتزام بهذا النهج يعكسه وجود تصورات واضحة لدى النخبة الحاكمة وصانع السياسة الخارجية، بشكل عام، بما في ذلك العلاقة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الشقيقة، على نحو يضمن الحفاظ على مصالح الدولة المصرية في الإقليم الذي لازال يعج بأنماط عديدة من التهديدات.

ولعل تصريح السفير بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسية الجمهورية، لعدد من وسائل الإعلام المصرية - إن الرئيس عبدالفتاح السيسي، أكد خلال لقائه مع الأمير محمد بن سلمان، حرص مصر على تعزيز التعاون المشترك، والتنسيق الحثيث مع السعودية على أعلى المستويات لمواجهة التطورات المتلاحقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط حاليا- يعبر عن الإدراك المصري بضرورة التحرك على مسارين: مسار ثنائي خاص بالارتقاء بواقع العلاقات المصرية- السعودية. ومسار فرديوآخرجماعي يرتبط بالاشتباك مع القضايا الإقليمية التي تنعكس على المصلحة المصرية.

 

مصالح إستراتيجية عديدة

ويمكن تحديد المصالح الاستراتيجية لمصر في علاقتها بالسعودية، في ضوء الاعتبارات الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية، التي تزامنت مع زيارة ولي العهد، والتي يمكن تحديدها فيما يلي:  

1- الحفاظ على شبكة المصالح الاقتصادية، إذ ثمة توجهات واضحة تشير إلى أن لمصر مصلحة مهمة في استمرار العلاقة الاقتصادية التي تربطها بالسعودية ودول الخليج الأخرى باستثناء قطر، سواء الحفاظ على السوق الخليجية كواحدة من الأسواق المهمة للعمالة الخارجية المصرية، أو تعظيم حجم الاستثمارات السعودية والخليجية بمصر. فعلى صعيد الاستثمارات السعودية داخل مصر، فهي تتراوح ما بين 6.1 إلى 6.3 مليار دولار، تتوزع على 2900 مشروع في القطاعات الإنتاجية والخدمية، في حين تبلغ الاستثمارات المصرية داخل السعودية 1.1 مليار دولار، وفقا لتقديرات عام 2018. وصار الاستثمار السعودي هو الأول عربيا في مصر. كما أن معدلات التبادل التجاري تصل إلى ما يتجاوز 3 مليار دولار (خارج قطاع النفط).

هذا فضلا عن استقرار أوضاع العمالة المصرية في السعودية، التي تتجاوز مليون ونصف عامل في مناطق المملكة المختلفة، على الرغم مما يثار حول المشكلات والأزمات التي تواجهها بين الحين والآخر، بسبب حالات فردية، إذ تعد الجالية المصرية في السعودية أكبر جالية مصرية خارج حدودها الوطنية، ويستفيد منها آلاف الأسر المصرية في الداخل بحكم تحويلات العاملين المصريين بالمملكة، والتي تمثل أحد أهم أربعة موارد للخزانة المصرية، والمتمثلة في إيرادات قناة السويس، والسياحة، وإيرادات البترول.

لقد تضمنت الزيارة وجود اتفاق مشترك على تنفيذ الاتفاقيات العالقة بين البلدين، بما يعزز المصالح الاقتصادية التي تتطلب زيادة فعالية مجلس الأعمال المصري- السعودي، وهو ما أوضحه د. سامي العبيدي، رئيس مجلس الغرف السعودية، في تصريحه لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 27 نوفمبر الجاري (2018) عندما قال: "تتضمن أجندة الوفد عقد اجتماع مجلس الأعمال المشترك لزيادة فرص التعاون والاستثمار المشترك، وتعزيز التعاون الثنائي للدخول للأسواق الأفريقية، وكذلك عقد الملتقى الاقتصادي السعودي- المصري بمشاركة واسعة من المستثمرين السعوديين والمصريين لبحث الفرص الاستثمارية المتاحة في البلدين".

ولعل ذلك هو ما أدى أيضا إلى تأسس مجلس التنسيق السعودي- المصري في 11 نوفمبر 2015، برئاسة ولي ولي العهد (حينذاك) الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس الوزراء (حينذاك) المهندس شريف إسماعيل، بهدف تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وزيادة الاستثمارات السعودية في مصر، ومراجعة المبادرات ومشروعات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية المنبثقة عن إعلان القاهرة، على نحو يشير إلى أن هذا المجلس يعتبر مركزا مهما لاقتصاد البلدين، ويعكس طبيعة العلاقات السياسية.

2- توحيد "شروط الحل" في مواجهة قطر، لاسيما بعد ظهور احتمالات بأن ثمة مسعى من  السعودية إلى تقليص حدة التوتر تدريجيا مع قطر، في إطار جهودها لاحتواء تداعيات قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. وتستند تلك الاحتمالات إلى أن ذلك قد يكون مطلبا تتبناه كل من واشنطن وأنقرة، بهدف تجاوز الأزمة القطرية التي قاربت على العام ونصف من اندلاعها بين الدوحة من ناحية، ودول التحالف الرباعي من ناحية أخرى، والتي نتج عنها قطع العلاقات الدبلوماسية، على خلفية قيام الدوحة بدعم وتمويل وتوفير ملاذات آمنة للتنظيمات الإرهابية، والتدخل في الشئون الداخلية للدول الإقليم عبر دعم المعارضة المسلحة، والتحريض الإعلامي على النظم الحاكمة في تلك الدول.

وقد ظهرت بعض التصريحات الرسمية السعودية المعبرة عن احتمال حدوث تغيير في موقف المملكة تجاه الدوحة، حيث أشار الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" (دافوس الصحراء) الذي عُقد في الرياض خلال الفترة من 23- 25 أكتوبر 2018، إلى أن "قطر لديها اقتصاد قوي وستكون مختلفة بعد خمس سنوات". وتكرر ذلك مع تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في مؤتمر "حوار المنامة" في 27 أكتوبر 2018، حينما قال إن "التعاون الأمني مستمر مع قطر" وأن "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي لن يتأثر بالخلاف الدبلوماسي"، في إشارة إلى التحالف تحت التشكيل الذي تدعمه واشنطن لتحقيق الأمن الإقليمي تحت اسم "التحالف الاستراتيجي الشرق أوسطي" MESA، ويضم دول الخليج الست ومصر والأردن، والذي من المرجح طرحه في يناير 2019 ليكون موجها لمحاربة الإرهاب ومواجهة الخطر الإيراني.

اللافت في هذا السياق، أن قطر وظفت بشكل سريع هذه الإشارات، حيث أكدت أنها ليست في موقف ضعيف في مواجهة الضغوط التي فرضتها قرارات المقاطعة التي اتخذتها الدول العربية الأربع، على نحو انعكس في تصريحات نائب رئيس الوزراء وزير الدولة لشئون الدفاع خالد العطية، في 27 أكتوبر 2018، التي قال فيها إن "أى حل للأزمة يجب أن يسبقه الاعتذار وفك الحصار".

الدوحة تراهن على إحداث تفكيك لهذا التحالف واستغلال أي فرصة مواتية، منذ اليوم الأول للأزمة، بهدف خلق فجوة بين الرياض والعواصم العربية الأخرى، سواء لاختلافات بينية أو أزمات داخلية أو متغيرات إقليمية أو ضغوط دولية. وتؤكد زيارة بن سلمان بوضوح أن ثمة تنسيق مصري سعودي بشأن المسار المحتمل لهذه الأزمة.

3- دعم الرياض في مواجهة الابتزازات التركية، خاصةبعد مسارعة أنقرة إلى توظيف أزمة مقتل خاشقجي لدفع الرياض إلى تقديم تنازلات تجاه الدوحة، لاسيما في ظل دعم أنقرة موقف قطر في أزمتها مع كل من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، من خلال خطوات سياسية وعسكرية واقتصادية عديدة. كما تريد تركيا ضخ استثمارات سعودية في الداخل لاسيما في ظل المصاعب الاقتصادية التي لا يمكن مواجهتها بالمساعدات القطرية. كذلك تريد أنقرة تخفيف الضغوط على فروع جماعة الإخوان المسلمين في دول الإقليم.

وما يبرهن على صحة هذا التحليل تزامن زيارة الأمير القطري تميم بن حمد إلى أنقرة مع زيارة ولي العهد السعودي لمصر. فلم تعد إدارة التحالفات أقل تعقيدا من إدارة الصراعات في الوقت الراهن. ويعبر الدعم المصري للمملكة عن إدراك القاهرة بأن السعودية تعد لاعب إقليمي لا يمكن الاستغناء عنه أو التضحية له لصالح ابتزاز أطراف إقليمية مثل تركيا، لاسيما أن الأخيرة تعد مصدر تهديد رئيسي لشركاء الرياض (مصر والإمارات).

4- تحجيم ودرء التهديدات الأمنية الإقليمية الضاغطة، والتي تنبع من اتجاهات عدة، سواء بفعل وجود الميلشيات المسلحة في اليمن، أو تحركات التنظيمات الإرهابية عبر الحدود الرخوة في العراق وسوريا، أو البيئة الأمنية المتدهورة في ليبيبا بسبب استمرار الشرعيات الموازية، على نحو بلور ظاهرة الجيوش الموازية في دول الإقليم، وهو ما يؤثر جليا على الأمن القومي المصري والسعودي، إذ إن البلدين تشتركان حدوديا مع عدد من دول الجوار الجغرافي العربي، التي تعاني من حدود رخوة غير مسيطر عليها.

وتعد هذه التحولات الخطرة محفزا لأن يكون هناك توافق مصري سعودي فيما يخص تسوية سلمية للصراعات الإقليمية، خاصة في اليمن وسوريا، بما يقود إلى مواجهة التدخلات الإيرانية وهو ما تعكسه الارتباطات الخارجية للجماعات المسلحة "الطائفية" من غير الدول في اليمن وسوريا والعراق بالمحاور الإقليمية المختلفة. بمعنى آخر، فإن الحفاظ على المحور العربي بقيادة المثلث الاستراتيجي (مصر والسعودية والإمارات) مطلوب بقوة للتوازن مع المحور القطري- التركي- الإخواني والمحور الإيراني مع الميلشيات الشيعية في بؤر الصراعات العربية.

خلاصة القول، إن العلاقات المصرية السعودية تستند إلى مصالح استراتيجية مشتركة، متعددة الأبعاد، تتعلق بمواجهة المواقف الدولية المتغيرة والتحديات الإقليمية السائلة، في ظل إدراك يغلب عليه ضرورة "توازن المنافع". كما أن هذه المصالح المشتركة لا تعني بالضرورة التطابق التام فيما بينها، وإنما يكفي التطابق في المصالح الحيوية والأدوار الاستراتيجية، بحيث لا يلغي ذلك إمكانية وجود تمايز بين الجانبين حول بعض المصالح والأهداف والأدوار على مستويات أخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن مصر والسعودية تقودان دعم محور "الدولة الوطنية والاستقرار" في مواجهة محور "الفواعل المسلحة ما دون الدولة والفوضى" والقوى الإقليمية الداعمة لها.


رابط دائم: