تقاسم الأدوار: إطار لفهم قرار إنشاء "اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان"
18-11-2018

د. حسن سلامة
* أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية

منذ الإعلان عن قرار السيد رئيس مجلس الوزراء بتشكيل اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، تصاعدت العديد من التساؤلات حول الهدف من إنشاء هذه اللجنة، وطبيعة مهامها، ومدى تقاطعها مع كيانات قائمة بالفعل، وفي مقدمتها المجلس القومي لحقوق الإنسان. وتعكس هذه التساؤلات المشروعة أمور عدة، لعل أهمها حيوية قطاع مهم من المجتمع بتكويناته المتعددة، خاصة المتفاعلين مع العمل الحقوقي وأولئك الذين يشتبكون مع قضاياه، وحرص هذا القطاع على متابعة التطورات المتلاحقة في ملف هو معقد بطبيعته وشهد مراحل متعددة بين شد وجذب في إطار علاقة الدولة به. ولعل أهم ما يثير الانتباه أيضا هو وجود حالة من الترقب حول كيفية التفاعل المتوقع بين هذه اللجنة والكيانات القائمة بالفعل، وما ذهب إليه البعض من عدم جدوى حقيقية لوجود اللجنة التي تسحب بقرار إنشائها –من وجة نظرهم– اختصاصات المجلس القائم.

إن هذه التساؤلات، وغيرها، تفرض علينا التناول بشيء من التفصيل دلالة إنشاء هذ اللجنة، وتوقيت إنشائها، وعلاقتها بالكيانات القائمة في ضوء ما يُعرف بثقافة تقاسم الأدوار.

اللجنة والكيانات القائمة... هل من تعارض؟

أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتشكيل اللجنة بموجب القرار رقم 2296 لسنة 2018، برئاسة السيد وزير الخارجية وعضوية ممثلين عن كل من وزارات الدفاع، والتضامن الاجتماعي، والعدل، وشئون مجلس النواب، والداخلية، بالاضافة إلى جهاز المخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والمجلس القومي لشئون الإعاقة، والهيئة العامة للاستعلامات، والنيابة العامة. وبموجب القرار أيضًا، يحق لوزير الخارجية دعوة من يراه من الوزراء، كما للجنة الاستعانة بمن تراه من ذوي الخبرة في مجال حقوق الإنسان.

وهكذا، يظهر من التشكيل السابق أن اللجنة الجديدة هي لجنة تنفيذية بامتياز، تضم ممثلين عن الجهات التنفيذية ذات الصلة بقضايا حقوق الإنسان، وهو ما يميزها عن المجلس القومي لحقوق الإنسان القائم، باعتباره مجلسًا وطنيًا مستقلًا وليس جهة تنفيذية.

ويُعد هذا التشكيل، من ناحية أولى، خطوة مهمة على الطريق الصحيح في التعاطي مع قضية حقوق الإنسان، خاصة في ظل محاولات خارجية متكررة لتسييس هذه القضية واستغلالها كأدوات ضغط للتدخل في الشئون الدخلية للدول، بما في ذلك مصر. التشكيل السابق للجنة يتيح –دون مواربة– رسم صورة متكاملة للقضايا الحقوقية والتفاعل مع أي من أبعادها برؤية أكثر كفاءة.

من ناحية ثانية، فإن وصف اللجنة بالدائمة هي رسالة قوية مفادها أن ثمة إصرار على توجه مؤسسي متراكم في التعامل مع القضايا الحقوقية بأبعادها المختلفة، وطرح أكثر شمولا يتجاوز طرق التفاعل الجزئي في مراحل سابقة.

من ناحية ثالثة، تحل هذه اللجنة محل كل من اللجنة الرئيسية لحقوق الإنسان بوزارة العدل، واللجنة الوطنية المعنية بآلية المراجعة الدورية أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الأمر الذي يشير إلى أن قرار تأسيس اللجنة هو جزء من توجه لإيجاد كيان جديد يحل محل كيانات "تنفيذية" عديدة قائمة.

من ناحية رابعة، فإن توقيت صدور قرار تشكيل اللجنة يحمل دلالة مهمة، خاصة مع استمرار الهجمات الإعلامية الخارجية، ومحاولات تسييس قضايا حقوق الإنسان على أسس مغلوطة ضد الدولة المصرية، الأمر الذي أوجد حاجة لاستحداث كيان مؤسسي ذي مهنية أعلى للتعامل مع هذه الهجمات، يقوم على تكامل مختلف الكفاءات والتخصصات والجهات المعنية.

تحديات عديدة

قرار رئيس مجلس الوزراء حدد مهام اللجنة في وضع استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في مصر، وخطط العمل لتنفيذها من قبل الجهات المعنية ومتابعتها، وصياغة رؤية مصرية موحدة يتم التعبير عنها في المحافل الدولية والإقليمية، ومتابعة تنفيذ خطط التحرك لدعم وتعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومتابعة تنفيذ مصر لالتزاماتها الدولية الناشئة عن الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية، واقتراح التدابير والتشريعات اللازمة، ومتابعة ما يُتخذ من إجراءات لتنفيذها، ورصد ودراسة ومعالجة مشكلات حقوق الإنسان في مصر التي تُثار على الصعيد الدولي، وإعداد الرد على الادعاءات المثارة والتنسيق مع الجهات المعنية لتعميمها ونشرها، بالإضافة إلى إعداد ملف مصر الذي يُعرض على آلية المراجعة الدورية الشاملة أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ومتابعة تنفيذ التوصيات التي تقبلها مصر في إطار عملية المراجعة الدورية واقتراح الحلول اللازمة لتنفيذها، ووضع السياسات والبرامج والخطط الكفيلة برفع الوعي وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان، وإعداد البحوث والدراسات وحملات التوعية الإعلامية وتشجيع الجهود الرامية إلى الارتقاء بمستوى الكوادر الوطنية القائمة على إنفاذ أحكام الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإعداد برامج التدريب ودعم قدرات العاملين بالجهات المعنية، وإعداد قاعدة بيانات مركزية بالتنسيق مع المراكز البحثية الوطنية والمجالس القومية المتخصصة لدعم المعلومات والبيانات والخبرات المتعلقة بمجال عملها، وتفعيل التعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وغيرها من الدول والمنظمات الحكومية الدولية ذات الصلة للحصول على أشكال الدعم الفني والمالي المتاحة لمساعدة الحكومة المصرية في مجال البناء المؤسسي وبناء القدرات والتدريب في مجال حقوق الإنسان، والتعاون مع الجهات الدولية والإقليمية والجهات النظيرة بغرض تبادل التجارب والخبرات فيما بينها وفقاً للقواعد الواردة في بروتوكولات التعاون الموقعة معها. أضف إلى ذلك قيام اللجنة بإعداد تقرير سنوي حول الجهود الوطنية في كافة المجالات ذات الصلة بتعزيز حقوق الإنسان، واقتراح القوانين والتعديلات التشريعية المتعلقة بمجال دعم وتعزيز حقوق الإنسان.

ويظهر من استعراض تلك المهام اتساعها وتنوعها وارتباط ببعضها البعض؛ فالتداخل والتأثير متبادل بين الأوضاع الحقوقية الداخلية وتفاعلاتها الخارجية، ومن ثم فإن إيجاد رؤية متكاملة – وهو أحد مهام اللجنة – يُعد شرطًا ضروريًا  لنجاح التعامل مع هذه القضايا وسد المنافذ أمام محاولات توظيفها وتسييسها. ويصبح الجهد على تلك اللجنة مضاعفًا – خاصة مع تشكيلها الحكومي الصرف – في إقناع الأطراف الأخرى بشفافية التعامل الحكومي مع قضايا حقوق الإنسان في ضوء اعتبارين أساسيين: أولهما، أنها ستكون معنية بإعداد ملف مصر في إطار آلية المراجعة الدورية لحقوق الإنسان والمتوقع تقديمه في مارس المقبل، وثانيهما  أن الاتهامات توجه إلى الجهات التنفيذية بالأساس.  

يرتبط بذلك مهمة أساسية تتمثل ضرورة إيجاد الكوادر القادرة على صياغة الرؤية المطلوبة وتنفيذها في مجال حقوق الإنسان، وهو شرط لازم لكفاءة أعلى في التعامل مع القضايا الحقوقية؛ فغياب تلك الكوادر واختراق المجال الحقوقي من جانب عناصر دون المستوى أساء كثيرا إلى هذا المجال، مما استوجب وقفة جادة ربما تكون بدايتها تشكيل هذه اللجنة.

تقاسم الأدوار

باتت قضايا حقوق الإنسان على درجة عالية من التنوع والتعقيد وتعدد الأبعاد، علاوة على استمرار جهود تسييسها وتوظيفها وفق أجندات متعددة ومصالح متباينة، وهو ما قد يكون مصحوبا بمغالطات وتشويه للحقائق، الأمر الذي استوجب قدرا من التنسيق وتقاسم الأدوار، وهو ما ينفي المزاعم حول تعارض وجود هذه اللجنة مع كيانات قائمة بالفعل وعلى رأسها المجلس القومي لحقوق الإنسان.

إن وجود هذه اللجنة بتشكيلها التفيذي  –مع إمكانية الاستعانة بمن تراه من الخبراء– يفتح الباب أمام توحيد الجهد الحكومي، ويجعل منها محاميا ومدافعا عن الحكومة خاصة أن هذه المهمة ليست من مهام الكيانات القائمة ومنها المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي يتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري، ويُعد رأيه استشاريا وفق دستور 2014. ويأتي الدور الرقابي للجنة حقوق الإنسان بالبرلمان مكملا لمنظومة التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، حيث تتولى متابعة كل من اللجنة ذات التشكيل الحكومي والمجلس القومي لحقوق الإنسان ذي الصفة الاستشارية.

على جانب آخر تأتي المنظمات الأهلية الحقوقية الوطنية التي تنشط في هذا المجال، والتي يتعين تحقيق التنسيق والتكامل معها باعتبارها عينا قادرة على رصد واقع حقوق الإنسان في مصر بهدف تحسينه، من ناحية، وباعتبارها، من ناحية أخرى، مخزنا للأفكار التنفيذية القابلة للتطبيق اتساقا مع الواقع المحلي وتماشيا مع تنوع الحقوق وتعددها سياسية واقتصادية وثقافية وغيرها.

كيف يمكن تفعيل دور اللجنة والاستفادة منها؟

يُعد تشكيل اللجنة من الجهات التنفيذية المتعددة مصدرًا مهمًا لقوتها، حيث يتوافر لديها مخزون كبير من المعلومات والحقائق التي تسمح لها بأداء مهمتها في تصحيح صورة مصر في الخارج والرد على المغالطات والشائعات. وتبقى مهمة إقناع الأطراف الدولية بتلك الحقائق رهنا بمجموعة من المقترحات نوردها فيما يلي:  

- مناقشة المنظمات الحقوقية الدولية فيما تنشره عن مصر ومصادرها، ومدى مصداقية هذه المصادر، ودعوتها إلى زيارة مصر للتعرف على حقائق الوضع بها مباشرةً، مع التأكيد على حقوق السيادة الوطنية المصرية ورفض التدخل في الشئون الداخلية.

- إيجاد علاقة منتظمة وفعالة مع المنظمات الأهلية الحقوقية الوطنية، بحيث تعقد معها لقاءات دورية تناقش أوضاع حقوق الإنسان في المجتمع المصري، والتعرف على سلبياتها والمشاكل التي تحول دون قيام هذه المنظمات بمسئولياتها وقدرتها على رصد حالة حقوق الإنسان، والتنسيق معها في كيفية مواجهة هذه المشاكل والقضاء عليها.

- الاستعانة بخبراء المجال الحقوقي في عضوية واجتماعات اللجنة – دون أن يكون لهم صوت معدود– لكي تخرج التقارير عن اللجنة أكثر شمولا ومصداقية.

- هيكلة اللجنة وتقسيمها إلى لجان فرعية، تختص كل منها بجيل من أجيال حقوق الإنسان، توخيا لجودة العمل ومصداقية الأداء.

- الاهتمام بالاتصال المنتظم مع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وإحاطتها علما بتطورات أوضاع حقوق الإنسان في المجتمع وأنشطة اللجنة الخاصة بذلك.

- تحقيق التواصل المطلوب والضروري مع وسائل الإعلام من خلال تنظيم دورات بناء قدرات لعدد كاف من العاملين بالإعلام، وتزويدهم بثقافة حقوق الإنسان لتمكينهم من متابعة حالة حقوق الإنسان في مصر ونشاط اللجنة في هذا المجال، مما يسهم في خلق رأي عام مساند لعمل اللجنة.

- الحرص على التنسيق مع كل من المجلس القومي لحقوق الإنسان، ولجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، وتحقيق التكامل معهما في نشاط مشترك يساعد على التوسع في نشر ثقافة حقوق الإنسان ورصد أوضاعها والتعرف على ما يواجهها من عقبات.

- ترجمة أنشطة اللجنة حول حقوق الإنسان في مصر إلى اللغات الأجنبية الرئيسية، مع التركيز على المنظمات الأممية والمنتديات الدولية بهدف إحاطة الرأي العام الدولي علما بها.

- عقد مؤتمر شهري للمتحدث باسم اللجنة يحرص من خلاله على تزويد وسائل الإعلام والاتصال الدولية، من صحف وقنوات تليفزيونية وغيرها، بأهم الحقائق حول القضايا التي تثيرها هذه الوسائل.


رابط دائم: