هل تخطط ألمانيا لتواجد عسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط؟
20-10-2018

بهاء محمود
* باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

في منتصف سبتمبر الماضي (2018) أشارت وزيرة الدفاع الألمانية إلى إمكانية بقاء القوات الألمانية في الشرق الأوسط لفترة طويلة. جاء التصريح من داخل القاعدة العسكرية الألمانية في منطقة الأزرق، شرق الأردن، ومع ذلك، ورغم أنه يمثل إعلانا صريحا عن بقاء القوات الألمانية في المنطقة، إلا أنه يثير في الوقت ذاته استدعاء الماضي العسكري لألمانيا من جانب، واستحضار الضغوط التي تُمارس على الحكومة الألمانية لممارسة دور عسكري أكبر، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو غيرها من المناطق الملتهبة، من جانب آخر.

التخطيط لبقاء القوات الألمانية في المنطقة... مؤشرات مهمة

زيارة وزيرة الدفاع الألمانية في توقيت تبدو فيه النهاية الوشيكة لداعش كتنظيم، وتكرار المطالبات الأمريكية بزيادة الإنفاق العسكري الألماني وحثها على المشاركة في الضربات العسكرية ضد نظام الأسد، والرغبة في استمرار الجيش الألماني في مهام تدريب القوات العراقية المركزية، رغم قرب انتهاء التدريب في أكتوبر الجاري (2018)، وإعلان الوزيرة عن ضرورة تمديد المهمة لمدة ستة أشهر إضافية، كلها مؤشرات ترجح احتمالات بقاء القوات الألمانية في المنطقة أكبر فترة ممكنة. لكن بجانب هذه المؤشرات هناك عدد من التطورات الأخرى الأكثر أهمية التي يمكن أن ترجح أيضا هذا الاحتمال. نشير فيما يلي إلى أهمها.

1- التفكير في إعادة التجنيد الإلزامي[1]: بعد سبع سنوات من إلغاء التجنيد الإلزامي، طرح حزب أنجيلا ميركل هذا العام فكرة إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية. وقد أثار الاقتراح جدلا بين الأحزاب السياسية، سواء داخل الائتلاف الحاكم أو أحزاب المعارضة. فقد تبنى الفكرة الاتحاد المسيحي؛ وفق ما عبر عنه عدد من قادة الاتحاد، منهم "أنجريت كرامب كارينباور"، الأمينة العامة للحزب الديمقراطي المسيحي، التي اقترحت إعادة طرح الخدمة الوطنية الإلزامية للذكور. وأيدها في هذا الطرح أيضا "ميشائيل كرتشمار"،رئيس وزراء ولاية سكسونيا، الذي دعا إلى إجراء استفتاء على إعادة التجنيد الإلزامي. لكن يظل هناك اتجاه يعارض فكرة التجنيد الإلزامي، من هؤلاء، على سبيل المثال، هانز بيتر بارتلز، رئيس لجنة الدفاع البرلمانية، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي الكبير، الذي يرى أن الخدمة الإلزامية ستتعارض مع الحظر الذي تفرضه ألمانيا على "العمل القسري"، وبالتالي يصعب تخصيص 700 ألف شاب وشابة كل عام لمهام إلزامية مختلفة. ويتفق معه أحزاب المعارضة الأخرى في البرلمان من اليسار والخضر.

2- تمديد مساهمة القوات الألمانية في دارفور:[2] في مارس 2018 بدأ جدال في ألمانيا حول التخطيط لتمديد مساهمة القوات المسلحة في بعثة الأمم المتحدة في دارفور بجنوب السودان لمدة عام جديد، ومساهمتها في مهمة "الحارس البحري" لحلف الناتو في البحر المتوسط​​، والتي من المفترض أن تؤمن طرق الشحن.

3- زيادة البعثة الألمانية في مالي: توجد في غرب أفريقيا قوات للأمم المتحدة لمحاربة الإرهاب، بدأت عملها في عام 2013. وبعد موافقة البرلمان الألماني أعلنت الحكومة إرسال 100 جندي إضافي للانضمام إلى البعثة، ليصل إجمالي المساهمة الألمانية في غرب أفريقيا إلى 1100 ضابط، مع الأخذ في الحسبان أنها لم تكن الزيادة الأولى للبعثة الألمانية هناك.

4- مد مهام تدريب القوات العراقية: يتولى الجيش الألماني تدريب القوات العراقية المركزية، على خلفية البرنامج التدريبي "رفع قدرات الجيش العراقي". وكما هو معلن من المقرر أن تنتهي المهمة خلال الشهر الجاري (أكتوبر 2018)، لكن الحكومة الألمانية أعلنت على لسان وزيرة الدفاع تمديد المهمة لستة أشهر إضافية. أخذا في الاعتبار أن تدريب القوات المركزية قد سبقه تدريب الأكراد في شمال العراق منذ عام 2014، حين قدمت المعدات العسكرية والتدريب إلى القوات الكردية لمساعدتها  في حربها ضد داعش. أضف إلى ذلك أعلنت وزيرة الدفاع فون در ليين أن القوات الألمانية ستحافظ فى المستقبل على وجود فى بغداد وأربيل كي تقدم المشورة بشأن بناء الوزارات وتزويد الجنود بالإمدادات الطبية.

لاشك أن تمديد مهمة بعض البعثات، أو زيادة حجمها، يعبر في أحد أبعاده عن توجه للحفاظ على وجود البعثات العسكرية الخارجية في الخارج.

دوافع البعثات العسكرية

الخطوات التي أقدمت عليها ألمانيا خلال السنوات الأخيرة، سواء بزيادة حجم الإنفاق العسكري في عام 2017، أو زيادة حجم البعثات العسكرية، والحديث في مؤتمر ميونخ الأمني عن استعداد ألمانيا لتوسيع دورها الخارجي، يبرهن على تحولات محتملة في سياسة الدفاع والأمن الألمانية، بشكل عام، وطبيعة وحجم الوجود العسكري الألماني في الخارج بشكل خاص. ويمكن هنا رصد أهم العوامل المسئولة عن هذه التغييرات.  

1-الضغوط الدولية والإقليمية: هناك ضغوط أمريكية مهمة على ألمانيا، وعلى الحلفاء الأوروبيين بشكل عام، من أجل زيادة حجم الإنفاق الدفاعي. ويصر الرئيس ترامب على أن العديد من الدول الأوروبية، وألمانيا على وجه الخصوص، لا تستثمر بما يكفي في مجال الدفاع. هذا النقد ليس جديدا من جانب الإدارة الأمريكية. ولم تقتصر الضغوط الخارجية على الولايات المتحدة، حيث دعا الأمين العام لحلف الناتو "ينس ستولتنبرغ" هو الآخر ألمانيا إلى إنفاق المزيد على الدفاع.[3]

2- التعديل في سياسة الأمن الألمانية: ثمة دعوات تلوح من حين لآخر تقودها الدول الكبرى في أوروبا، تدور في نطاق بناء قدرات دفاعية أوروبية مشتركة وجيش أوروبي موحد. في هذا السياق، هناك رهان على ألمانيا لتكون في مقدمة الدول المشاركة في بناء هذه القدرات، وهو ما يعني بالتبعية تغييرا في هيكل سياسة الأمن الألمانية. الأخطار التى تهدد الإقليم الأوروبي ترتبط بروسيا، خاصة مع استيلائها على جزيرة القرم، ثم خروج بريطانيا -الدولة الأقوى عسكريا- من الاتحاد الأوروبي، نهاية بمخاوف تصدع حلف الناتو ذاته. كل ذلك يعنى أن ألمانيا باتت مطالبة باستجابة أكبر لهذه التحديات، ودور أكبر للبعثات العسكرية الألمانية في إدارة الأزمات الخارجية، في أفغانستان أو مالي، كإجراءات وقائية لحماية أوروبا من موجات اللاجئين والهجرات غير الشرعية والإرهاب. على هذه الخلفية، يمكن فهم قرار الحكومة الألمانية زيادة الميزانية العسكرية بعد قمة ويلز من 35.1 مليار يورو (41.16 مليار دولار أمريكي) في عام 2016 إلى 42 مليار يورو (49.25 مليار دولار أمريكي) في عام 2021.

3- دور جديد لألمانيا في الشرق الأوسط:لا يزال النفوذ السياسي الألماني في الشرق الأوسط محدودًا، ويعتمد فقط على محورين رئيسين، أولهما تقديم المساعدات الإنسانية، وثانيهما الشراكات الاقتصادية والعلاقات التجارية. لاشك أن أي تغيير في اتجاه حضور ودور عسكري أكبر لألمانيا في المنطقة، سيعزز، من ناحية، حجم النفوذ والدور الألماني في المنطقة، وسيعزز، من ناحية ثانية، وضع ألمانيا كلاعب مهم في النظام العالمي.

عوائق مهمة

الطموح الألماني المتزايد للقيام بدور عسكري خارجي أكبر في منطقة الشرق الأوسط لازال يصطدم بعدد من المشكلات. بعض هذه المشكلات ذات طابع داخلي، لكنها بعضها أيضا ذي طابع خارجي.

1- العوائق الدستورية: تمثل العقبة الدستورية المتمثلة في رقابة البرلمان الألماني(البوندستاغ) على عمليات نشر القوات العسكرية في الخارج، أحد العقبات المهمة أمام زيادة حجم الوجود العسكري الألماني الخارجي بشكل عام، والوجود طويل الأمد بشكل خاص[4]. فضلا عن الرقابة البرلمانية على الجيش الألماني بشكل عام. ويستند دور البرلمان هنا إلى خبرة مرحلة الصراعات والحروب الأوروبية- الأوروبية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والتخوف من تكرار هذه الخبرات مرة أخرى.

ويشارك البرلمان في الرقابة والسيطرة على الجيش الألماني المحكمة العليا، وهو ما برهن عليه القرار المهم للمحكمة العليا في ألمانيا بأنه يمكن للقوات المسلحة الألمانية المشاركة في عمليات النشر الأجنبية كجزء من "تحالف" مثل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي. ومؤخرا نشر البرلمان الألماني تقريرا مهما مفاده أن مشاركة الجيش الألماني في ضربة بسوريا يعد مخالفا للدستور.

2- الانقسام السياسي: على الرغم من بعض أوجه النقص في تسليح الجيش الألماني، والتحديات الأمنية، لكن لا يوجد إجماع[5] في ألمانيا على ضرورة معالجة هذه القضايا عن طريق زيادة حجم الإنفاق العسكري أو زيادة ميزانية الدفاع. ولا تنقسم المعارضة فحسب حيال مسألة الإنفاق العسكري ونشر قوات ألمانية في الخارج، بل يمتد هذا الانقسام إلى داخل الائتلاف الحاكم المكون من حزب الديمقراطيين المسيحيين، والديمقراطيين الاجتماعيين. ففي حين يدافع الديمقراطيون المسيحيون- لاسيما المستشارة أنجيلا ميركل ووزيرة دفاعها- عن زيادة الإنفاق، يحذر الديمقراطيون الاشتراكيون من "دوامة التسلح" في أوروبا. كان ذلك واضحا خلال الحملة الانتخابية لعام 2017. ويشمل الاتجاه المعارض أيضا الحزب الديمقراطي الاشتراكي (على الرغم من أنه كان جزءا من الائتلاف الحكومي في وقت قمة ويلز). ويصف كبار ممثلي الحزب الديمقراطي الاشتراكي أن إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع يعد أمرا "خطأ"، ومن شأنه إثارة المخاوف من ألمانيا "عسكرية" و"إمبريالية".

بشكل عام، فإن الحكومات اليمينية (الليبراليين والديمقراطيين المسيحيين) تُعد أكثر ميلا للانخراط في العمليات العسكرية الخارجية أكثر من الحكومات ذات التوجه اليساري والاجتماعى، حيث تفضل أحزاب الوسط ويمين الوسط المزيد من الانخراط في مهام السلام والأمن الدولى على قدم المساواة مع الدول الأخرى، ومن ثم فإنها ترى ضرورة منح السلطة التنفيذية قدرة أكبر على اتخاذ القرار الخاص بنشر الجيش الألماني في الخارج منفردا.

3-النفوذ الأمريكي:[6]على الرغم من الضغوط الأمريكية على الشركاء الأوروبيين للقيام بدور عسكري أكبر في الخارج، إلا أنه لا يعني بالضرورة توجيه هذا الدور إلى كل المناطق، فمازالت هناك بعض الأماكن شديدة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة. ولا يزال النفوذ الأمريكي هو الأكبر في منطقة البحر المتوسط ​​ومنطقة الخليج، ولا يمكن استبداله واقعياً بالقوات الأوروبية مجتمعة، أو قوات منفردة مثل ألمانيا في الأردن وغيرها من القوات الأوروبية التى تحاول التواجد في ليبيا أو الخليج. ويعزز هذا التوجه التوصية[7] الصادرة عن مجموعة العمل التابعة لمجلس الأطلنطي برئاسة "مادلين أولبرايت" و"ستيفن هادلي" والتي ترى أن "في العراق وسوريا، يجب على الولايات المتحدة أن تقود بينما يجب على أوروبا أن تأخذ زمام المبادرة في ليبيا". هذا الرأى له وجاهته ليس فقط كون أحد القائمين عليه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، بلإن الدور الأوروبي (فرنسا، إيطاليا) يتعاظم في ليبيا مقابل شبه غياب للدور الأمريكي، في حين تهتم الولايات المتحدة أكثر بعلاقتها مع دول الخليج.

ختاما، يمكن القول إن التكلفة الاقتصادية الباهظة، والعواقب الاجتماعية، والأمنية للتدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق بشكل أساسي، تجعل فكرة التدخل كخيار للسياسة الخارجية الألمانية غير قابل للتطبيق حاليا. وسينتهي الأمر -في الأغلب- على الاكتفاء بالمشاركة المحدودة البسيطة في مهام التدريب، مع الحفاظ على تواجد يحقق حماية للمصالح الألمانية بصورة نسبية. وفي ظل ضعف قدرات الجيش الألماني الحالية والمعارضة الداخلية للأنشطة العسكرية في الخارج، مع الأخذ في الاعتبار أن الطموح العسكري الألماني هو في الأصل مرهون بوجود حكومات على رأسها الاتحاد المسيحي.


[1] “Germany - Military Personnel”, Global Security. Available at:

https://www.globalsecurity.org/military/world/europe/de-personnel.htm

[2] Ben Knight, “Germany to expand global military missions”, DW, 7 March 2018. Available at:

https://www.dw.com/en/germany-to-expand-global-military-missions/a-42858081

[3] Barbara Kunz, “The Real Roots of Germany’s Defense Spending Problem”, War on the Rocks, July 24, 2018. Available at:  https://warontherocks.com/2018/07/the-real-roots-of-germanys-defense-spending-problem/

[4] Matthias Gebauer and Konstantin von Hammerstein, “Germany Faces New Pressure to Take Military Role”, Spiegel on Line, 17 September 2018. Available at:

http://www.spiegel.de/international/germany/germany-faces-new-pressure-to-take-military-role-in-syria-a-1228150.html

[5] Barbara Kunz, “The Real Roots of Germany’s Defense Spending Problem”, op., cit.

[6] Christian-P. Hanelt, “The International Response to Crisis in the Middle East: A German Approach”, Bertelsmann Foundation, December 1, 2016. Available at: https://www.bfna.org/research/the-international-response-to-crisis-in-the-middle-east-a-german-approach/

[7] Ibid.


رابط دائم: