عرض العدد 48 من الملف المصري "تحديات الإعاقة في مصر"
14-8-2018

مصطفى كمال
* باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

تعد قضية "ذوى الإعاقة" من القضايا المهمة التى حظيت بدرجة كبيرة من الجدال حول تعريفاتها والاستراتيجيات والنماذج التي تتعاطى معها. وتأتى أهمية هذا العدد من الملف المصرى فى محاولته تقديم رؤية شاملة الجوانب فيما يخص هذه القضية، سواء من ناحية الفرص، أو التحديات التى مازالت تواجه ذوى الإعاقة فى مصر. من حيث الفرص، تطورت القضية من كونها مجرد مشكلة طبية في حاجة إلى العلاج، إلى اعتبارها مشكلة تمييز وعزل من المجتمع ضد المعاقين. وذلك بفضل ظهور حراك مجتمعي حقيقي تزعمه المجتمع المدني داخل مصر للمطالبة بحقوقهم، والذى ساهم في دفع الجهات المعنية في الدولة لوضع معايير عادلة لضمان حقوقهم وتمثيلهم داخل مجلس النواب. فضلا عن إنشاء أول قاعدة بيانات في مصر حول فئة المعاقين كبداية لإعادة تنظيم ووضع السياسات والاستراتيجيات اللازمة لرعاية وتأهيل وتمكين هؤلاء الأفراد. إلا أنه على الرغم من الجهود التي قامت بها مؤسسات الدولة المصرية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني خلال السنوات الأخيرة لتحسين أوضاع ذوي الإعاقة، إلا أنه يوجد عدد من التحديات التى مازالت تواجههم. ويأتى فى مقدمة هذه التحديات التكلفة المالية التي يجب أن تتحملها الموازنة العامة للدولة، ونقص الوعي المجتمعي والأسري فيما يتعلق بقضية الإعاقة، والتي تقتضي تغيير النظرة المجتمعية السائدة تجاههم والنظر إليهم من قبل الدولة المصرية على أنهم طاقة بشرية لها دور إيجابي في تحقيق التنمية المستدامة.

وقد استهلت هذا العدد الدكتورة إيمان مرعي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، من خلال تناول سياسات الدولة المصرية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، والتى كشفت عن عدد من التطورات خلال السنوات القليلة التى انعكست بصورة إيجابية على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بحيث لم تعد تقتصر معالجة مشاكلهم على الجانبين الصحى والخيري فقط. وتأتى في مقدمتها صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 410 لسنة 2012 والخاص بإنشاء المجلس القومي لشئون الإعاقة، بالإضافة إلى تواجدهم لأول مرة في دستور 2014، ثم إتاحة الفرصة لتمثيلهم داخل البرلمان (15 نائبا في برلمان 2015). كما ساهم قانون "حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة"، والذي أقره البرلمان المصري في فبراير 2018 في تجديد الأمل لدى ذوي الإعاقة، خاصة أنه لأول مرة يضم القانون الأقزام لذوي الإعاقة. أضف إلى ذلك قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي اعتماد عام 2018 عاماً مصريًّا لــ "الأشخاص ذوي الإعاقة".

وعلى الرغم من أن إقرار القانون يعد تطورا مهما، إلا أنه يواجه عددا من التحديات، يأتى في مقدمتها التكلفة المالية التي يجب أن تتحملها الموازنة العامة للدولة، فضلا عن نقص الوعي المجتمعي والأسري فيما يتعلق بقضية الإعاقة. ومن ثم يوصي المقال بضرورة استناد حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مبدأ المواطنة كحق أصيل.

ثم يرصد الدكتور أحمد إسحاق، مسئول وحدة ذوي الإعاقة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، أوضاع وتحديات حالة الإعاقة في مصر، حيث يرى أن خروج الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى النور في العام 2006، وتوقيع مصر عليها في العام 2007 ثم التصديق عليها في العام 2008، قد ساهم في تحول النظرة لقضية الإعاقة من البعدين الصحي والخيري إلى البعد الاجتماعي. كما شكلت ثورة 25 يناير بداية للحراك في المياه الراكدة من حيث الاهتمام بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والتعرف على مشكلاتهم، ثم جاءت ثورة 30 يونيو لتشكل نقلة نوعية فيما يتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وكان من أبرز تجلياتها تضمين الدستور المصري لسنة 2014 لأول مرة ثماني مواد مرتبطة بالأشخاص ذوي الإعاقة بصورة مباشرة. أضف إلى ذلك صدور قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، والذي ساهم في زيادة الوعي والاهتمام بقضايا الإعاقة؛ من خلال ما تضمنه من حقوق للأشخاص ذوي الإعاقة. كما شكل صدور القانون رقم 10 لسنة 2018، والخاص بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتصديق رئيس الجمهورية على ذلك القانون في 19 فبراير 2018م باكورة القوانين المعنية بحماية وكفالة حقوقهم؛ وذلك بما تضمنه من العديد من المكاسب.

وتتناول الأستاذة بسمة سعد، الباحثة المساعدة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سياسات وتحديات اندماج ذوي الإعاقة في مصر، حيث ترى أن إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن نتائج تعداد الأشخاص ذوي الإعاقة؛ وذلك في عام 2017 بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي قدرت نسبتهم 13.3% من عدد السكان، تعد خطوة هامة والأولى من نوعها من أجل دعم احتياجات ذوي الإعاقة، ونتيجة لهذا الحصر تم إنشاء أول قاعدة بيانات في مصر حول فئة المعاقين كبداية لإعادة تنظيم ووضع السياسات والاستراتيجيات اللازمة لرعاية وتأهيل وتمكين هؤلاء الأفراد لاسيما أن تلك النسبة لا يمكن الاستهانة بها في المجتمع. إلا أنه مازال هناك العديد من التحديات التي تواجهها الحكومة المصرية وتقف حائلًا أمام رعاية وتأهيل وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، ويأتي في مقدمتها النظرة المجتمعية للطفل والفرد المعاق، والتي تقتضي ضرورة تغيير هذه النظرة. أما التحدي الآخر فيتمثل في ضعف وعدم تأهيل البنية الأساسية من طرق ووسائل مواصلات وكذلك منشآت ومبانٍ بما فيها المدارس والمستشفيات لاسيما في المناطق النائية.

أما الأستاذ أحمد عدلي، المحلل بوحدة إدارة الأزمات بجامعة الدول العربية، فقد قام بعرض وتحليل واقع وتحديات حقوق ذوي الإعاقة التعليمية في مصر، حيث يعتبر أن التعليم حق أصيل لذوي الإعاقة شأنه شأن أي مواطن آخر كفل الدستور والقانون المصري له هذا الحق. وبالرغم من الجهود التي قامت بها مؤسسات الدولة المصرية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني خلال السنوات الأخيرة لتحسين الأوضاع التعليمية لذوي الإعاقة، إلا أنه لا يزال هناك عدد من التحديات التي تعرقل تقديم مستوى تعليمي جيد لتلك الفئة، وأهمها عدم وجود رؤية إستراتيجية واضحة تتعامل مع حقوق هذه الشريحة ليس فقط في مجال التعليم وإنما في باقي حقوقهم الأساسية. في هذا السياق، يطرح المقال عددا من التوصيات بهدف إزالة هذه العراقيل، من بينها الاهتمام بوضع استراتيجية قومية لإصلاح التعليم بالنسبة لذوي الإعاقة، تقوم على توفير تعليم جيد لهم، بما يشمل تصميم برامج تعليمية تتناسب مع احتياجاتهم وتوفير محتوى دراسي متاح بطريقة يستطيعون استيعابها. فضلا عن تطوير منظومة التقييم بحيث تشتمل على التقويم الشامل (معرفيًا، مهاريًا، وجدانيًا) دون التركيز على التقييم التحصيلي فقط.

ويرصد الأستاذ مايكل سعد عبد السيد، مشرف برامج البيئة الدامجة والإتاحة بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، دور المجتمع المدني في دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث يرى أن قضية الإعاقة تُعد من القضايا المهمة التي حظيت بدرجة عالية من الجدال حول تعريفاتها والاستراتيجيات والنماذج التي تتعاطى معها. وتأتى في مقدمة هذه النماذج النموذج الطبي الذي يعرف الأشخاص ذوي الإعاقة بأنهم أشخاص غير طبيعيين وذوي درجة أدنى، وذلك في مقابل ظهور النموذج الاجتماعي، والذي يساهم في تغيير نظرة المجتمع لقضية الإعاقة من كونها مجرد مشكلة طبية في حاجة إلى العلاج إلى اعتبارها مشكلة تمييز وعزل من المجتمع ضد المعاقين. وبناء على اختلاف تلك النماذج كان هناك تنوعا في الاستراتيجيات وبرامج العمل التي تم صياغتها لمعالجة المشكلات المرتبطة بقضية الإعاقة.

وقد بدأ التغيير الحقيقي على المستوى العالمي في سياسات الإعاقة مع صدور الاتفاقية الموحدة للأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006، والتي صدقت عليها مصر. مما ساهم في ظهور حراك مجتمعي حقيقي تزعمه المجتمع المدني داخل مصر للمطالبة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مما ساهم في دفع الجهات المعنية في الدولة لوضع معايير عادلة لضمان حقوقهم وتمثيلهم داخل مجلس النواب.

وأخيرا، تحلل الدكتورة إيمان جابر، مدير إدارة طب نفس الأطفال والمراهقين بالأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، العقبات والتحديات التى تواجه ذوى الإعاقة الذهنية، حيث تعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها حالة من توقف النمو الذهني أو عدم اكتماله، ويتميز بشكل خاص باختلال في المهارات، ويظهر أثناء دورة النمو، ويؤثر في المستوى العام للذكاء. وبالنسبة لمصر يوجد خلط كبير بين الإعاقة الذهنية والتوحد، حيث لا يزال يتم التعامل معهم على أنهم يعانون من الاضطراب. وعلى الرغم من العقبات اليومية والتحديات التى يواجهها المعاقون ذهنيا في مصر والتي تسببت في المزيد من انعزالهم عن وسطهم الاجتماعي، وبالتالي إهدار طاقتهم، إلا أنه يوجد بعض التطورات الإيجابية الداعمة لحقوقهم، من بينها إقرار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل نهائي، فى فبراير 2018 حيث حمل القانون الجديد العديد من الخطوات المهمة، والتي بمقتضاها يمكن أن تساهم في تحسين أوضاع المعاقين عامة والأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية بشكل خاص. وتتنوع الخدمات الطبية المقدمة ما بين تشخيصية ووقائية وأخرى علاجية وتأهيلية، إلا أنها تواجه أيضا عددا من التحديات التي تتطلب توافر التمويل اللازم والكوادر المتخصصة، مع ضرورة تفعيل نظام للرقابة والمتابعة.


رابط دائم: