الدور التنموي للمؤسسة العسكرية: خبرات دولية ودروس مستفادة عرض العدد رقم 28 من دورية "بدائل"
12-6-2018

مصطفى كمال
* باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

في إطار تزايد اهتمام المؤسسات البحثية ومراكز الفكر بدراسة التداعيات المترتبة بتنامي نسب مساهمة المؤسسة العسكرية في الاقتصادات الوطنية لدولها، سواء التداعيات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية،يناقش العدد الجديد من دورية "بدائل"، الدور التنموي للمؤسسة العسكرية في ضوء الخبرات الدولية وأهم الدروس المستفادة منها. وتوضح د. إيمان رجب، الخبيرة في الأمن الإقليمي بمركز الأهرام ورئيس تحرير الدورية، في افتتاحية العدد التي تحمل عنوان "الدفاع أم التنمية؟: تجدد النقاش حول أدوار المؤسسة العسكرية" أن هناك نقاشا يتجدد خلال المراحل الانتقالية التي تمر بها دول الشرق الأوسط حول طبيعة الأدوار التي يتعين على المؤسسة العسكرية القيام بها، وهو نقاش يدور في جوهره حول ما إذا كان مقبولا خروج هذه المؤسسة عن نطاق الأدوار الدفاعية في مواجهة العدائيات التي تهدد الأمن القومي لدولها، إلى ممارسة أدوار ذات طبيعة مدنية مثل تحقيق التنمية بأبعادها المختلفة؟

كما توضح د. إيمان أن مراجعة هذا النقاش على المستوى الدولي، تكشف عن أن هذه القضية لا ترتبط بالدول الشرق أوسطية فقط أو بالدول العربية، وإنما توجد أيضا في الدول الغربية المتقدمة، والتي تحولت فيها المؤسسة العسكرية بأنشطتها التنموية إلى واقع تقننه عدد من القوانين والنظم المعتمدة.

وتنقسم الدراسة الرئيسية لهذا العدد التي أعدها الأستاذ هاني سليمان إسماعيل، الباحث المتخصص في العلاقات المدنية- العسكرية، والمعنونة "الدور التنموي للمؤسسة العسكرية: خبرات دولية ودروس مستفادة"، إلى ثلاثة أقسام. يتناول أولها أدوار المؤسسة العسكرية في تحقيق التنمية المستدامة. ويستعرض القسم الثاني تجارب مختارة من الخبرات الدولية للدور التنموي للمؤسسة العسكرية، وأخيرًا يستخلص القسم الثالث الدروس المستفادة التي يمكن الاستفادة منها من هذه الخبرات.

أولًا: أدوار المؤسسة العسكرية في تحقيق التنمية المستدامة

تناقش الدراسة في هذا الجزء مسألة الدور التنموي للمؤسسة العسكرية، خاصة أن البعض يرى أن هذا الدور يتعارض مع المهمة الأساسية للمؤسسة العسكرية وهي الوظيفة الدفاعية، وأن المشاركة في الاقتصاد والعملية التنموية، يخرجها عن وظيفتها الأصلية. وتناولت الدراسة جميع الآراء المؤيدة والرافضة لمشاركة المؤسسة العسكرية في أعمال التنمية. وفي هذا الإطار، تميز الدراسة بين مدرستين أساسيتين في تقييم الدور التنموي للمؤسسة العسكرية.

المدرسة الأولى، هي التحول الوظيفي، والدور المجتمعي للعسكريين، وترى أن المهارات الفنية والإدارية التي يتمتع بها العسكريون يمكن أن يستفيد منها المجتمع ككل.

المدرسة الثانية، هي النظرية التقليدية، وترى أن المؤسسة العسكرية عادة ما تولي اهتمامًا كبيرًا بمصالحها الجمعية على حساب المصالح والغايات المجتمعية، ويكون كل همها تسخير كل الموارد لتعزيز قدراتها وأدواتها الأمنية والعسكرية بهدف الإبقاء والمحافظة على حكمهم أطول فترة زمنية ممكنة.

وللوقوف على طبيعة الأدوار التي تقوم بها المؤسسة العسكرية لتحقيق التنمية المستدامة، عرضت الدراسة أنماط الدور التنموي، ومحفزات ودوافع هذا الدور.

١- حدود الدور التنموي للمؤسسة العسكرية

ترى الدراسة أن المؤسسة العسكرية هي أحد أهم أدوات الدولة للقيام بمهامها، كونها تحتل مكانة مركزية في قلب أي نظام، بما يؤهل الدولة للعمل على أداء وظائف بناء الأمة وشن الحرب والحماية واستخراج الموارد وتوزيعها والإنتاج. وللوقوف على أنماط الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، لابد من التفرقة بين اعتبارين، هما مدى انخراط المؤسسة العسكرية في عملية التنمية، وتأثير ذلك الدور على عملية التحول الدمقراطي. وفي هذا السياق، ميزت الدراسة بين عدة أنماط للأدوار الاقتصادية للمؤسسة العسكرية كما يلي:

أ- نموذج الانغلاق/ الانعزال: وهنا يقتصر دور المؤسسة العسكرية على أداء الوظيفة الدفاعية، ولا تعدو المؤسسة العسكرية كونها مجرد أداة تنفيذ السياسة الدفاعية التي تقرها الحكومات المنتخبة.

ب- نموذج المركب الصناعي- العسكري، حيث تمیل العلاقات المدنية- العسكرية لنمط من الشراكة المؤسسة وتقاسم الاختصاصات، وتمتلك خلاله المؤسسة العسكرية القوة الفنية فيما يخص صناعة التسليح، وتتميز بارتفاع مستوى الإنفاق الذي يذهب جزء منه لشركات القطاع الخاص التي تلبي احتياجات المؤسسة العسكرية وتنفيذ مشروعاتها وفقًا لإطار تشريعي وسياسي تشارك في وضعه النخبة السياسية.

ج- نموذج الاندماج العسكري في الحياة السياسية، والاقتصادية، ويأخذ هذا النموذج أحد ثلاثة أنماط: الأول، توسط العسكريين بين الفرقاء السياسيين، والمساهمة في ترجيح أحدهم على الآخر، والثاني حماية العسكريين للحكم السلطوي أمام محاولات إسقاطه، والنمط الأخير هو تولي العسكريين السلطة السياسية سواء رأس الدولة أو السلطة التنفيذية.

د- نموذج الجيش الحارس للتوازن الاجتماعي، حيث تنتمي قيادات وكوادر المؤسسة العسكرية لطبقة معينة مع احتفاظهم بدور في حسم الصراعات السياسية دون اختلال التوازن الاجتماعي القائم، ويمتد تأثيرهم خارج المجالات السياسية والدفاعية، وقد يشمل القيام بأنشطة اقتصادية واجتماعية وإعلامية

هـ- نموذج الاحتكار الاقتصادي/ النموذج البريتوري. ويتميز هذا النموذج بسيطرة العسكريين على مؤسسات الدولة السياسية منها والاقتصادية، ويتسم النشاط الاقتصادي بلعب القوات المسلحة لدور قوي كاحتكار بعض الأنشطة الاقتصادية، واتباع استراتيجية بناء الاقتصاد الوطني وتخفيض الواردات بهدف السيطرة على القطاع الخاص.

٢- محفزات الدور التنموي للمؤسسة العسكرية

تحدد الدراسة عددا من المحفزات والدوافع للمؤسسات العسكرية للقيام بالأدوار الاقتصادية والتنموية، سواء كانت تنتمي لدول نامية أو دول متقدمة، وتتمثل أهم تلك العناصر فيما يلي:

أ- تراجع مستوى التنمية الاقتصادية، وبالتالي يتم اللجوء إلى الأعمال التدخلية التي تقوم بها المؤسسة العسكرية لحماية الأمة من خطر التدهور والانهيار الاقتصادي.

ب- عدم عدالة التوزيع والصراع على الدخول والثروات، وهي من أهم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع لحدوث التدخل من قبل المؤسسة العسكرية، حيث تكون هناك حاجة لإعادة توزيع الثروات في المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ج- مواجهة الفقــــر والمــــرض والفساد، وينتشر هذا السبب في شعوب العالم الثالث نتيجة تعلق أملها على القادة السياسيين لتحقيق التنمية وانتشالها من سياق التخلف والفقر.

د- عدم ملاءمة السياســـات الاقتصاديـــة، حيث تكتسب السياسة الاقتصادية أهمية محورية بالنظر إلى اعتبارها مؤشرًا على تأثير المؤسسة العسكرية في المجتمع والنظام الاقتصادي وعملية التخصيص السلطوي للموارد المالية، وتؤثر السياسة الاقتصادية على العلاقات المدنية- العسكرية من خلال ما يلي:

- المستوى المرتفع للإنفاق العسكري.

- مساهمة المؤسسة العسكرية في الناتج المحلي الإجمالي والمشروعات التنموية المدنية.

- تقديم المؤسسات العسكرية لخدمات المدنيين (صحية وتعليمية) كبديل للمؤسسات المدنية.

- وجود آليات الرقابة، والمحاسبة البرلمانية على الموازنة العسكرية، والأنشطة الاقتصادية العسكرية.

- المسئولية التشاركية، وتقوم على فكرة انتقاد الفصل بين اختصاصات المؤسسات السياسية والعسكرية باعتبار ذلك الفصل غير واقعي، ومن المستحيل تحقيقه سواء في الديمقراطيات الغربية أو في الدول النامية بالنظر إلى مصالح العسكريين التي تتطلب التدخل السياسي للحفاظ عليها وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم للمصلحة الوطنية التي قد تتعارض مع توجهات شاغلي السلطة السياسية.

هـ بناء الدولة، حيث تعتمد المؤسسة العسكرية في القيام بأدوارها التنموية على مسئوليتها الوطنية في الدول المتقدمة المستقرة وفقًا لقواعد دستورية وعرفية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واستراليا. كما تنطلق في الدول النامية من أساس إعادة بناء الدولة في فترات ما بعد الاستقرار والمصالحة الوطنية، لما يكون لها من رصيد قوي لدى المجتمع وفقًا لتكوينها على أساس وطني، وغالبًا ما يأتي بعد فترات نزاع أو حرب أهلية.

و- دوافع ذاتية، حيث تنطلق الأدوار المختلفة للمؤسسة العسكرية في بعض الأحيان من أغراض ودوافع ذاتية خاصة بالمؤسسة وتقديراتها لمصالحها ومكتسباتها الخاصة، في ضوء علاقات التحالف والصراع مع النخبة السياسية وموقعها في بنية النظام السياسي.

ثانيًا: الدور التنموي للمؤسسة العسكرية في أهم الخبرات الدولية

تناولت الدراسة في هذا الجزء تجارب بعض الدول التي لعبت فيها المؤسسة العسكرية دورًا تنمويًا، استجابة للحاجة لضرورة مشاركة المؤسسات العسكرية في العبء التنموي بدرجة أو بأخرى في المجتمعات على اختلافها، ووفقًا لترتيبات وقواعد محددة.وتستعرض الدراسة في هذا الجزء أهم الخبرات الدولية لدور المؤسسة العسكرية في التنمية. وقد اعتمدت في اختيار حالات الدراسة على اختيار بعض النماذج من الدول المتقدمة، والدول النامية على حد سواء.

١- الولايات المتحدة الأمريكية: الإسهامات العسكرية لدعم الاقتصاد الأمريكي تكمن أساسًا في قطاعين؛ المبيعات العسكرية الخارجية، والمناقصات الإنشائية. وفيما يتعلق بالمبيعات العسكرية؛ تشترك المؤسسة العسكرية مع المصانع المدنية في إنتاج نظم التسلح الأمريكية، وهي بذلك تحقق عائد اقتصادي كبير للدولة، علاوة على عائد سياسي من خلال توظيفها في المعونات الخارجية لحلفاء الولايات المتحدة كأحد أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، أما بالنسبة للمناقصات الإنشائية فهي مثال لما يقوم به سلاح المهندسين في الجيش الأمريكي، سواء داخل الولايات المتحدة، خاصة في المشروعات الكبيرة للبنى التحتية، أو ما يقوم به خارج الولايات المتحدة، مثل إنشاء المطارات والقواعد العسكرية، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًا مهمًا للدولة، أو يخصص لدعم ميزانية القوات المسلحة خصمًا من احتياجاتها من ميزانية الدولة.

٢- المؤسسة العسكرية في باكستان: دخلت المؤسسة العسكرية في الاقتصاد من خلال المشاريع التجارية ومجالات الرعاية الاجتماعية، وهذه المشاريع التي أنشئت لرعاية الجنود المتقاعدين والمعوقين، وتعمل اليوم على مجموعة واسعة من الأنشطة التجارية، التي كثيرا ما تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية، وهي من أكبر التكتلات التجارية في باكستان. ويدير الجيش الباكستاني محفظة استثمارية قيمتها 20 مليار دولار، ويملك 7% من أصول الدولة في باكستان، واستثمر في فترة قريبة 10 مليار دولار في تصدير غاز ومصانع سكر وشركات خدمات أمن. كما أن المؤسسة العسكرية أسهمت في مجال تطوير الهياكل الأساسية، وفي ميادين الهندسة والاتصالات، وأنشأت قوات الدفاع، ولا تزال تدير جزئيًا، مصانع السكر، وتصنيع أغذية الإفطار والمطاط والأحذية.

٣- جيش الدفاع الإسرائيلي: يعتمد طبيعة بناء وتكوين جيش الدفاع الإسرائيلي على بناء الدولة من القواعد، تزامنًا مع خوض الحرب، ومشاركة الجيش في المجالات الاقتصادية والتنموية قد يكون جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية بناء الدولة في حد ذاتها. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى خصوصية نموذج إسرائيل، وهو يتشابه نوعيًا مع جنوب أفريقيا، حيث تقوم القوات المسلحة بعدد من الوظائف الاجتماعية خاصة في مجالات التعليم والتنشئة والتكامل فضلًا عن مجالات الإنشاء، وتمثل المؤسسة العسكرية المجتمع السياسي الكلي للمستوطنين حيث تسهم في خلق التماسك والتكامل بينهم.

٤- الجيش البتسواني: استخدمت بتسوانا المؤسسة العسكرية في حماية الحياة البرية، حيث تمتلك بتسوانا ثروة بيئية من الحيوانات البرية الكبيرة وكانت هناك حاجة قوية لحمايتها من عصابات الصيد المسلحة. كما أنها تلعب دورًا كبيرًا ومتناميًا في خطط الدولة للتنمية الاقتصادية في قطاع الأمن البيئي والاقتصادي، وهنا كان التلاقي والتعاون كمصلحة وطنية مهمة. هذه المهمة العسكرية هي فريدة من نوعها في أفريقيا، وهي مهمة غير تقليدية بالمقارنة بالأدوار التقليدية للعسكريين داخل القارة.

ثالثًا: الدروس المستفادة

انتهت الدراسة إلى أن مساهمة المؤسسة العسكرية في عملية التنمية هي واقع تشترك فيه الدول المتقدمة مع الدول النامية بأشكال ودرجات مختلفة، فقد أصبح الدور الاقتصادي والاجتماعي للمؤسسة العسكرية مرتبطًا بوجودها وتطورها، وبخاصة مع تراجع الحروب التقليدية والتغير النسبي في مفهوم الوظائف الدفاعية. وفي الخبرة العربية في السنوات الأخيرة، لم تستطع الدول الاستجابة بالشكل الكافي لمطالب وطموحات الشعوب، وبذلك فقد فرضت المعطيات ضرورة تحمل المؤسسات العسكرية دورها في تلك الفترة الخطيرة، من أجل القفز على حالة الاضطراب السائدة.

وفي هذا الإطار استخلصت الدراسة عددا من الدروس المستفادة من الخبرات التي تم مناقشتها في هذه الدراسة، وهي:

- إن الصورة النمطية التقليدية الشائعة داخل بعض البلدان العربية من تضخم الأدوار التنموية للمؤسسة العسكرية، ليست هي الصورة الدقيقة والوحيدة المعبرة عن دور ومساهمات المؤسسات العسكرية.

- إن دور المؤسسة العسكرية يمكن أن يكون أكثر جدوى إذا ما وجه إلى مشروعات البنية الأساسية التي تتجه لصالح المجتمع كله، ولا تهدف لتحقيق ربح.

- إن من يتولى إدارة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية من داخل المؤسسة العسكرية لابد أن يكون مؤهلًا للقيام بهذا العمل من حيث النظام والشعور بالواجب.

- إن مساهمة المؤسسة العسكرية في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية يجب ألا يتداخل مع المهام الرئيسية لها، وهي تلك المتعلقة بالدفاع وحماية الأمن، كما أنها لا يجب أن تحل على المدى الطويل محل الاقتصاد المدني.

- أضحت المؤسسة العسكرية هي الداعم الأساسي والرئيسي لبعض منظمات المجتمع المدني، ولبعض المشروعات الاقتصادية والخدمية، بما يسهم في تعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطنين، وبما يسهم في تواري النظرة التقليدية السلبية للمؤسسة العسكرية، وبخاصة في خبرات دول العالم الثالث.

هذا الوضع يستدعي الحديث عن عقد جديد في العلاقات المدنية- العسكرية يقوم على التشارك ومواجهة التحديات وبناء الدولة بعيدًا عن النظريات الصراعية التي حكمت تلك العلاقات وتتمحور حول القفز على السلطة، والتي أرهقت الدول النامية وتوارى بسببها أفق التنمية؛ فالمؤسسة العسكرية وكما هو الحال في الدول التي خطت بعيدًا في هذا الأمر واستقر فيها نمط العلاقات بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية، تقوم بأدوارها التنموية في ظل قواعد وحدود واضحة، وكونها أحد أهم مؤسسات الدولة تقوم بدورها كأي مؤسسة أخرى، في معادلة متوازنة دون بسط نفوذها أو تقليص قدراتها، وضمن معايير من الشفافية.


رابط دائم: