الانتخابات العراقية 2018: حدود التنافس العربي - الإيراني
15-5-2018

د. محمد السعيد إدريس
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

نستطيع أن نقول، دون تردد، إن الساحة العراقية لا تقدم الصورة الحقيقية للتنافس العربي- الإيراني، الذي تجاوز حدود التنافس إلى الصراع بالوكالة أحيانا، والصراع المباشر في أحيان أخرى بالنسبة لأطراف عربية بعينها، لكنه يأخذ بالنسبة لأطراف عربية أخرى مسار التعاون، وربما التحالف. فقد أصبحت إيران قضية خلافية بين الدول العربية.

هذا الأمر يتضح إذا قارنا التنافس العربي- الإيراني في الانتخابات العراقية، وهو التنافس الكاشف لحدود الدورين العربي والإيراني في العراق، بالتنافس العربي– الإيراني في الانتخابات اللبنانية. ففي الوقت الذي تتأكد فيه هامشية التنافس العربي لإيران في الانتخابات العراقية، نجد تنازعًا تجاوز التنافس بين الطرفين في الانتخابات اللبنانية لسبب أساسي هو وجود درجة ما من توازن النفوذ الذي يعبر عن توازن المصالح بين دول عربية وإيران في لبنان على العكس تماما من اختلال هذا التوازن لصالح إيران في حالة العراق. هذه نقطة خلل هائلة في الأداء والموقف السياسي العربي من العراق، وهو الخلل الذي بدأ بتحول العلاقات بين العراق ودول عربية، خاصة الخليجية منها (الكويت والسعودية بشكل أساسي)، إلى علاقة صراعية بعد التورط العراقي في غزو الكويت عام 1991، ثم التورط الخليجي في دعم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، على العكس من الموقف الإيراني من هذين الحدثين. فقد حافظت إيران على ما يمكن تسميته بـ"حياد إيجابي" من حدث الغزو العراقي للكويت، ثم حافظت أيضا على هذا الحياد الزائف بالنسبة للغزو الأمريكي للعراق، فقد احتضنت المعارضة العراقية (الشيعية منها على وجه الخصوص) ودفعت بها للتحالف مع الاحتلال الأمريكي لتكون فيما بعد هي قاعدة الحكم والنفوذ الأمريكي في العراق، ليفاجأ الجميع الأمريكيين والعرب أنهم كانوا يقدمون العراق لإيران عن وعي أو دون وعي، وهو الأمر الذي ظل يحكم اختلال النفوذ بين الدول العربية وإيران في العراق.

أولا: المحددات الحاكمة

يكشف تحليل التفاعل العربي والإيراني مع الانتخابات العراقية التي أجريت في 12 مايو 2018 عن حقيقتين بارزتين. الحقيقة الأولى، هي وجود نوع من الاستسلام، أو الفتور، العربي نحو الانتخابات العراقية، على العكس من الموقف الإيراني من هذه الانتخابات. ففي مقابل هذا الفتور العربي، فإن إيران تقاتل، سياسيا وإعلاميا وماليا، لإنجاح القوى الموالية لها داخل العراق للسيطرة على نتائج هذه الانتخابات باعتبار أن العراق يمثل "حديقة خلفية" للأمن وللمصالح القومية وللمشروع الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط.

الحقيقة الثانية، أن الدول العربية المعنية بالشأن العراقي، خاصة الخليجية منها، وإن كانت قد حاولت الانتصار لقوى عراقية ترى أنها موالية لها، سواء كانت من العرب السُنة أو من الأكراد، فإنها تركت أمر التنافس الانتخابي مع إيران في العراق للولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم، أصبح التنافس الحقيقي في هذه الانتخابات بين إيران والولايات المتحدة، وليس بين إيران والدول العربية، أو حتى بين إيران وتركيا، حيث تتأكد هامشية الدورين العربي والتركي في هذه الانتخابات، وربما يرجع ذلك إلى تصاعد الخلافات العربية - التركية في الآونة الأخيرة، وبالذات في سوريا، إلى جانب الانحياز التركي لقطر في الخلاف القطري مع الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر).

تتأكد هاتان الحقيقتان فيما ورد في البيان الصادر عن اجتماع لوزراء الخارجية العرب (ديسمبر 2017) وتضمن "التصدي للتدخلات الإيرانية في الدول العربية وتقويضها للأمن والسلم العربي" لكنه حصر هذا التصدي في ساحات ثلاث بعينها: اليمن (حيث تدعم إيران الحوثيين)، ولبنان (حيث تتحالف إيران مع حزب الله)، والبحرين (حيث تدعم إيران قوى المعارضة الشيعية للنظام)، وغابت سوريا والعراق حيث تتأكد، وبالذات في الأشهر الأخيرة، هامشية الدور العربي، بقدر ما تتأكد قوة الوجود والنفوذ الإيراني في الأزمة السورية وفي التطورات العراقية، حيث لعبت إيران دورا قويا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإرهابي في العراق إلى جانب الجيش العراقي والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة من خلال ميليشيات "الحشد الشعبي" التي تدعمها طهران، وحيث تقاتل إيران إلى جانب الجيش السوري، بالتحالف مع روسيا في سوريا.

وإذا كان اختلال النفوذ العربي مقارنة بالنفوذ الإيراني يعتبر محددا أساسيا للتفاعل العربي والإيراني في الانتخابات العراقية، وما يستتبع ذلك من تأثيرات مهمة على النتائج النهائية للانتخابات لمصلحة القوى الموالية لإيران حتى وإن جاء في صياغة معادلة مختلفة نسبيا، وبالتالى استمرار السيطرة والنفوذ الإيرانيين على القرار السياسي العراقي، على حساب القوى والأحزاب العراقية المدعومة عربيًا، ومن ثم على حساب هامشية النفوذ العربي مستقبلا على القرار العراقي، فإن هناك أسبابا موضوعية جديدة دعمت هذا المسار الذي يعكس اختلالا شديدا في النتائج المتوقعة من هذه الانتخابات لصالح لإيران وحلفائها. ومن أبرز هذه الأسباب:

1- أن هذه الانتخابات جاءت عقب الانتصارات العراقية على تنظيم "داعش" الإرهابي، والتي لعبت فيها إيران دورًا محوريًا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال دعمها لمنظمات وميليشيات "الحشد الشعبي" العراقية، الأمر الذي أعطى لإيران قوة كبيرة في الساحة العراقية يجري توظيفها لصالح القوى والتحالفات الانتخابية الموالية لها.

2- دخول منظمات "الحشد الشعبي" في هذه الانتخابات باعتبارها طرفًا سياسيًا فاعلًا، ومتغيرًا جديدًا في الطبقة السياسية العراقية، خاصة في الشق الشيعي منها، معززًا بالانتصار على "داعش"، باعتبار هذا الحشد قوة موازية للدولة العراقية. وتراهن إيران بقوة على هذا المتغير الجديد في الانتخابات العراقية، فهذه الميليشيات الشيعية تعتبر في الواقع ذراعًا إيرانية (تؤكد دراسات أن 41 فصيلًا من أصل 72 فصيلًا تتشكل منها هيئة الحشد الشعبي ترتبط ببيعة شرعية للمرشد الأعلى الإيراني السيد علي الخامنئي). ولعل هذا ما يفسر اعتبار دخول "الحشد الشعبي" كقوة سياسية - عسكرية إلى البرلمان العراقي الجديد بمثابة "انقلاب عسكري" داخل السلطة التشريعية يمكن أن يؤدي إلى "عسكرة السياسة والحكم في العراق لصالح النفوذ الإيراني" خصوصًا إذا أخذ هذا التطور المسارات التالية:

أ- أن تتحول الميليشيات التي تتكون منها هيئة "الحشد الشعبي" إلى أحزاب سياسية دون أي ضمانات بتنازلها عن أسلحتها، وتخليها عن ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني.

ب- شرعنة نفوذ تلك الميليشيات في مناطق عدة بالعراق عبر سيطرتها على حقول النفط العراقية في كركوك والبصرة وجميع منافذ العراق الاقتصادية والتجارية.

جـ- امتلاك قوة عسكرية خارج الدولة - ولكن بحمايتها- في ظل اعتراف ودعم آخر أكثر تفوقًا في تأسيس المكانة هو دعم "المرجعية الشيعية العليا" ممثلة بالسيد علي السيستاني. هذا المسار يمكن أن يجعل من "الحشد الشعبي" قوة سياسية - اقتصادية - عسكرية لا تقل في سطوتها عن "الحرس الثوري" الإيراني، لكنها في الوقت ذاته ذراعًا إيرانية ممتدة في عمق النظام السياسي العراقي.

3- أن هذه الانتخابات أجريت في ظل حالة من تصعيد العداء ضد إيران، وفي ظل إدارة أمريكية جديدة ورئيس أمريكي جديد قرر مواجهة إيران؛ فالانتخابات أجريت بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحابه من الاتفاق النووي الموقع مع إيران في إطار مجموعة "5+1"، وفي ظل ضربات استفزازية متتالية توجهها إسرائيل ضد مواقع إيرانية مهمة داخل سوريا، وفي ظل افتعال إسرائيلي لمعلومات تتبناها الإدارة الأمريكية تؤكد أن إيران تمتلك برنامجًا سريًا لإنتاج القنبلة الذرية، الأمر الذي أخذ يدفع بترجيح احتمال حدوث الحرب التي ظلت مستبعدة بين إسرائيل وإيران بدعم ومشاركة أمريكية.

هذه  التطورات الخطيرة زادت من رهانات إيران على تقوية نفوذها في العراق، والتعامل مع الانتخابات التشريعية العراقية باعتبارها معركة كبرى تتعلق بالنفوذ الإقليمي لإيران ومستقبله، وتمثل فى الوقت نفسه قياس للجدارة والمكانة بالنسبة للنظام الإيراني، ليس فقط في الدائرة الإقليمية، ولكن بالأساس داخل إيران نفسها؛ نظرًا لأن هذه الانتخابات جاءت بعد انتفاضة شعبية إيرانية كبيرة هددت مكانة النظام في الداخل الإيراني.

لكل هذه الأسباب خاضت إيران معركة نفوذها ومكانتها الإقليمية ومعركة جدارة نظامها السياسي في الداخل الإيراني من خلال الانتخابات التشريعية العراقية، على العكس تمامًا من حالة الغياب العربي عن هذه المعركة الانتخابية العراقية التي عكست حالة "الغياب العربي" الأوسع بالنسبة لمجمل الأحداث والقضايا العربية التي باتت خارج سيطرة النظام العربي المغيب عن معظم وظائفه وأدواره.

ثانيًا: التفاعلات العربية مع الانتخابات العراقية

على عكس ما يحاول الإعلام الإيراني والإعلام العراقي الموالي الترويج له من وجود ما يسمونه بـ"تهافت عربي" وخليجي على وجه التحديد إزاء الانتخابات العراقية، فإن الدور العربي والتفاعل العربي كاد يكون غائبًا عن أجواء تلك الانتخابات، باستثناء بعض المتابعات الإعلامية التليفزيونية والصحفية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتلك الانتخابات. هذا الغياب العربي عن متابعة الانتخابات العراقية هو الوجه الآخر، أو النتيجة الحتمية لغياب الدور العربي والنفوذ العربي في الشأن العراقي مقارنة بنظيريه الإيراني والأمريكي. ويرجع ذلك إلى افتقاد العرب لرؤية استراتيجية واضحة تستهدف استعادة العراق إلى حاضنته العربية.

هناك محاولات خليجية مترددة للتقارب مع العراق، وهي مترددة إما لإدراكها لغياب قاعدة أساسية موالية يمكن أن يرتكز عليها الفعل العربي والدور العربي داخل العراق، وإدراكها لاختراق إيران لمعظم، إن لم يكن كل القوى السياسية العراقية بما فيها السُنية والكردية، ومن ثم يأتي تقديرها لعبثية أي دور في ظل هذه الهيمنة الإيرانية. وإما لحرصها على عدم الصدام مع الدور الأمريكي في العراق. وإما لانشغالها بأزمات أو أولويات أخرى تصرفها عن التركيز على الشأن العراقي. وهناك أيضًا محاولات مصرية، لكن هذه المحاولات المصرية محدودة ومحكومة بمصالح مصرية بحتة، ولا تخدم أو تعكس رؤية إستراتيجية مصرية لإعادة دمج العراق في الشأن العربي؛ فالهموم الداخلية المصرية منذ أحداث ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 تسيطر بقوة على قرار السياسة الخارجية المصرية، ولم يأن الوقت بعد لقيام مصر بأدوار ومسئوليات تخدم إستراتيجية عمل عربي موسع.

ويمكن حصر التفاعلات الخليجية مع الانتخابات العراقية في ثلاثة مجالات تتابعت الواحدة تلو الأخرى على النحو التالي:

المجال الأول: محاولة دعم وجود تكتل سُني قوي يوازن الكتلة الشيعية الموالية لإيران. فقد حاولت السعودية القيام بهذا الدور من خلال سفيرها السابق ثامر السبهان، لكن هذا الدور ووجه بعقبات وضغوط حالت دون نجاحه قامت بها القوى السياسية الشيعية بدعم وتحفيز مباشر من إيران، أدت في النهاية إلى قيام الرياض بسحب سفيرها من بغداد. كان من أبرز الجهود التي بُذلت في هذا الاتجاه دعم مسعى تحالف القوى العراقية لعقد مؤتمر في جنيف للتأسيس لمشروع وطني عراقي يتجاوز مشروع المحاصصة الطائفية الذي أسسته الولايات المتحدة من خلال الدستور الذي فرضته على العراق، ومن خلال دعم طهران القوي لهذا الدستور الذي يكرس هيمنتها السياسية من خلال أذرعها الشيعية المسيطرة على السلطة في بغداد. هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح، ولم تحظ بالمتابعة اللازمة عربيًا.

المجال الثاني: دعم محاولة تأجيل إجراء الانتخابات لعام واحد عن موعدها المقرر. وقد تزعم هذا التوجه تحالف القوى العراقية (السُني) في محاولة منه للحد من اختلال توازن القوى الذي يعمل في صالح الأطراف الأخرى الشيعية المدعومة من إيران. وقدم التحالف السُني مبررات منطقية لدعوة التأجيل، وفي مقدمتها عدم تمكن مئات الآلاف من المشاركة في الانتخابات لاسيما سكان المناطق التي كانت ساحة للمواجهات العسكرية مع تنظيم "داعش" وكلها في الواقع محافظات سُنية. فمئات آلاف المهجرين من هذه المحافظات لم يتمكنوا حتى الآن من العودة إلى ديارهم خاصة أبناء محافظات صلاح الدين وديالي والأنبار وجنوب بغداد وشمال بابل، الأمر الذي من شأنه أن يحول دون مشاركة الجزء الأكبر من أبناء هذه المحافظات في الانتخابات. وقد عبر عن هذا التوجه بوضوح رعد الدلهكي المنتمي إلى تحالف القوى العراقية بالقول إن "القوى السُنية خاطبت الأمم المتحدة من أجل تأجيل الانتخابات بسبب عدم عودة النازحين، وعدم إعمار المناطق المحررة، كما طالب بتشكيل لجنة مشتركة مع "التحالف الوطني" (الشيعي) الحاكم من أجل بحث إمكان إجراء الانتخابات في المدن المحررة، ولفت إلى أن "اللجنة ستركز على إعادة النازحين إلى مدنهم قبل موعد الانتخابات، وتوفير الأجواء المناسبة لمشاركتهم في التصويت"، لكن رئيس الحكومة رفض أي حديث عن التأجيل، وتعهد بإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية قبل موعد إجراء الانتخابات.

خيار تأجيل الانتخابات كان يمكن أن يخلق فرصة لتحسين نتائج الانتخابات بالنسبة للقوى السُنية ومحاولة للحد من سيطرة التأثير الإيراني على الانتخابات، خصوصًا إذا دخلت الأم المتحدة طرفًا في معادلة إدارة هذا التأجيل وتنفيذ المهام المطلوب إجراؤها، لاسيما إذا تضمنت هذه المهام الإجراءات التالية:

أ- وضع برنامج وجدول محدد لإعادة النازحين والمهجرين وإدارة الانتخابات في أراضيهم.

ب- الإشراف الدولي على تجريد ميليشيات "الحشد الشعبي" من السلاح كشرط أساسي لمشاركتها بمرشحين في الانتخابات.

جـ- تمكين القوى والأحزاب السُنية من إعادة تفعيل دورها في محافظاتها، وإتاحة الفرصة لتأسيس تحالفات انتخابية غير طائفية يكون في مقدورها خلق توازن وطني أمام سطوة الأحزاب الطائفية والدور الإيراني المتفاقم.

وقد أدى عدم التمكن من فرض خيار تأجيل الانتخابات لعام واحد إلى غياب كل هذه الفرص، التي كان يمكن أن تعدل من النتائج لصالح التحالفات المدعومة من إيران.

المجال الثالث: دعم دعوة تأسيس تحالفات انتخابية "عابرة للطوائف"، ودعم توجه تفكيك "التحالف الوطني" (الشيعي) الحاكم، وانفراط أطرافه في تحالفات متنافسة. هذا التوجه دعمته نجاحات تحققت في مجرى التقارب الخليجي مع الحكومة العراقية ومع أطراف وزعامات عراقية شيعية أبدت دعما لدعوة إجراء توازن في علاقات العراق الإقليمية وبالتحديد بين إيران والسعودية. فقد حرصت دول خليجية، إضافة إلى مصر، على إجراء التقارب مع الحكومة العراقية وبالذات منذ أن تولى حيدر العبادي رئاستها وهو الذي عمل - قدر استطاعته - على أن يحقق توازنًا في علاقات العراق مع إيران والولايات المتحدة، ومع إيران والدول العربية. فقد أعلنت الحكومة العراقية إطلاق خطة لحوار إستراتيجي شامل مع منظومة دول مجلس التعاون الخليجي (2018 – 2023)، كانت البداية مع المملكة العربية السعودية بالزيارة التي قام بها حيدر العبادي إلى الرياض وتأسيس "مجلس تنسيقي مشترك" بين البلدين في مجالات التعاون السياسية والاقتصادية والأمنية والاستثمار والثقافة.

هذا التوجه فتح مجالًا لزيارتين قام بهما الزعيم الشيعي مقتدى الصدر للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت ذاته قام السيد عمار الحكيم بزيارة للقاهرة. والزعيمان مقتدى الصدر وعمار الحكيم هما من تزعم دعوة توازن العلاقات الإقليمية للعراق، وهما من تزعم دعوة المشروع الوطني الجامع العابر للطائفية السياسية. كما طرح مقتدى الصدر مشروعًا لعراق ما بعد "داعش" تضمن الدعوة إلى "فتح صندوق دولي لدعم الإعمار في كل المناطق المتضررة، وإيصال المساعدات بصورة عاجلة وفورية لإغاثة المناطق المنكوبة، وتشكيل خلية دولية تعني بحقوق الإنسان والأقليات، مهمتها الإشراف على إزالة الانتهاكات والتعديات الطائفية والعرقية، وأكد على "ضرورة تمكين الجيش والقوات الأمنية حصرًا من مسك الأرض في المناطق المحررة والمناطق المتنازع عليها (خاصة في كركوك)، في محاولة لتحجيم دور ميليشيات "الحشد الشعبي"، كما طالب بدمج "العناصر المنضبطة منها" مع القوات الأمنية، وبخروج كل القوات المحتلة بل والصديقة (إيران) من الأراضي العراقية للحفاظ على هيبة الدولة وسيادتها". كما دعا الصدر إلى "فتح حوار شامل للمصالحة على أن لا يكون محددًا بالطبقة السياسية، بل يكون حوارًا للمصالحة الشعبية والوطنية، ويشمل كل الأديان والمذاهب والأقليات، والتوجهات في رعاية علمانية، ولا يشمل البعث والإرهاب، ولا يكون قائمًا على أسس انتخابية بل أسس تضمن السلم الأهلي والاجتماعي". كما دعا الصدر أيضا إلى "ضرورة جمع السلاح المتناثر في العراق وتسليمه إلى الدولة" و"غلق كل مقار الفصائل المسلحة أو تحويلها إلى مؤسسات ثقافية أو مدنية أو اجتماعية أو إنسانية، والعمل على تصفية السلك الأمني كله من العناصر غير المنضبطة، ووضع قوانين صارمة تعيد إلى الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى هيبتها واستقلالها".

هذه الدعوات كانت تخدم مشروع تجاوز المذهبية والطائفية السياسية، وما فرضته من استقطاب طائفي مكَّن إيران من فرض سيطرتها على السياسة والحكم في العراق، من خلال أذرعتها الأمنية والعسكرية واختراقاتها الاستخباراتية والإعلامية والمالية. لكن الخطوة الأهم، التي أقدم عليها مقتدى الصدر وأثارت عليه حنق وغضب طهران، هي تأسيسه لأول تحالف انتخابي عابر للطائفية السياسية، وعابر للأيديولوجيات، ومتحرر من هيمنة المرجعية الدينية في محاولة منه للخروج على "قواعد اللعبة السياسية" في العراق. فقد أسس مقتدى الصدر تحالف "سائرون نحو الإصلاح" بالتعاون مع ما يسمى بـ "التيار المدني" الذي يضم الحزب الشيوعي، والتجمع الجمهوري وأحزاب وشخصيات أخرى ليبرالية ويسارية. هذا التوجه لقى دعمًا عربيًا، غير مباشر، بقدر ما ووجه بعداوة إيرانية مفرطة عبر عنها علي أكبر ولاياتي مستشار المرشد الأعلى الإيراني في زيارته للعراق (فبراير 2018) وبانتقادات لاذعة من القوى الموالية لإيران.

بهذا المعنى نستطيع أن نقول إن التفاعلات العربية مع الانتخابات العراقية ظلت محدودة، ومن ثم ظلت فرص تحقيقها نجاحات على الأرض هامشية، وتكاد تكون محصورة فيما سوف يحققه تحالف "سائرون نحو الإصلاح"، إضافة إلى ما يمكن أن يحدث من نتائج قد تترتب على التنافسات الانتخابية بين حلفاء طهران داخل العراق.

ثالثا: التفاعلات الإيرانية مع الانتخابات العراقية

سعت إيران بكل جدية لتمكين حلفائها من الفوز بأغلبية المقاعد في البرلمان العراقي، كمقدمة لتشكيل حكومة عراقية موالية، والعمل على محاربة النفوذ الأمريكي في العراق. وقد أكد علي أكبر ولاياتي، مستشار المرشد الأعلى، في زيارته للعراق (17 فبراير 2018)، على هدفين تسعى بلاده إلى تحقيقهما في العراق. أولهما، طرد الولايات المتحدة من العراق، حيث قال في لقاء مشترك مع نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية زعيم تيار "دولة القانون" أن "على جبهة المقاومة الإسلامية أن تحول دون انتشار القوات الأمريكية تدريجيًا في شرق الفرات"، وهو هنا يقصد الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا وشمال غرب العراق. وقال عقب لقائه مع إبراهيم الجعفري، وزير الخارجية العراقي، أن "أمريكا هي أهم مشكلة في الشرق الأوسط"، وأن "إيران والعراق وسوريا، من خلال تعاونهما المستمر لن تسمحا للأمريكيين بالنفوذ في مناطق يقطنها الأكراد"، وهو يعني التركز العسكري الأمريكي في مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" الكردية شرقي نهر الفرات في سوريا، والوجود العسكري الأمريكي في كردستان العراق. أما الهدف الثاني فهو الحيلولة دون انفراط تماسك هيمنة القوى الشيعية الموالية على السلطة في العراق، ورفض أي تغيير أو تعديل في معادلة الحكم العراقية كما أرساها الأمريكيون، والحفاظ على الاستقطاب الطائفي وهيمنة القوى الشيعية على الحكم في العراق، لذلك كان تركيزه خلال كلمته التي ألقاها خلال افتتاح "المجمع العراقي للوحدة الإسلامية" على الحديث عن "قيادة المرشد السيد علي خامنئي للأمة الإسلامية"، وعن "الصحوة الإسلامية"، لكن الأهم هو إعلانه أن إيران "لن تسمح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى الحكم في العراق"، في إشارة إلى انضمام الحزب الشيوعي وقوى وشخصيات يسارية وليبرالية مع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر في تحالف انتخابي واحد هو "سائرون من أجل الإصلاح" خشية أن يؤدي هذا التحالف إلى تفكيك وحدة التحالف الشيعي الحاكم.

ويمكن القول إن أولويات إيران في إدارة عملية الانتخابات العراقية قامت على المحاور التالية:  

1- رفض خيار تأجيل الانتخابات والإصرار على التعجيل بإجرائها، خشية أن يؤدي التأجيل إلى ظهور تطورات يمكن أن تهز من قدرة القوى الشيعية الحليفة على السيطرة الكاملة على نتائج الانتخابات.

2- الحرص على عدم انفراط وحدة تحالف القوى الشيعية، وتعاملها بإيجابية مع ما حدث من تطورات أدت إلى تأسيس تحالفات انتخابية شيعية متنافسة (تحالف حيدر العبادي، وتحالف نوري المالكي، وتحالف عمار الحكيم)، من خلال المراهنة على عودة هذه التحالفات المتنافسة إلى التوحد داخل البرلمان تحت راية شيعية واحدة، تحسم معركة اختيار رئيس الحكومة الذي لا يجب أن يخرج عن أي من القيادات الشيعية الموالية.

3- محاصرة فرص تحقيق تحالف "سائرون" أية نتائج ذات تأثير، والحيلولة دون تمكينه من تكوين كتلة سياسية داخل البرلمان "عابرة للطائفية"، ومتمردة على قواعد اللعبة السياسية التقليدية.

4- دعم دخول "الحشد الشعبي" الانتخابات، والمراهنة على طرح هادي العامري زعيم تحالف "الحشد الشعبي" وزعيم منظمة بدر كقوة سياسية بديلة لتراجع نفوذ نوري المالكي، وكزعامة منافسة لحيدر العبادي.

إيران حريصة على محاصرة فرص نجاح حيدر العبادي كرئيس للحكومة لموقفه المتوازن بينها وبين الأمريكيين، ولحرصه على الانفتاح على الجوار العربي، وفي حال تمكن حيدر العبادي من تشكيل الحكومة، فإنها تراهن على شخص هادي العامري وحلفائها الأقوياء داخل البرلمان لتشكيل القوة الضاربة القادرة على محاصرة نفوذ حيدر العبادي كرئيس للحكومة، وجعل هادي العامري الأقوى سياسيًا داخل البرلمان والقادر على تحقيق الأهداف والمصالح الإيرانية في العراق في وقت تتعرض فيه إيران لاحتمال التورط في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو حرب غير مباشرة، قد تكون الأقرب زمنيًا بين إسرائيل وحزب الله، في ظل أزمة تتفاقم حول برنامجها النووي. إيران تخوض الآن حرب وجود، ووجودها في العراق هو أحد أهم أشكال هذا الوجود الذي يعاني الآن من أزمة حادة أخذت من شرعية نظام ولاية الفقيه في طهران.


رابط دائم: