سبع سنوات من الثورة... إلى أين تتجه الأزمة الليبية؟
5-3-2018

د. زياد عقل
* خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

تقديم

مرت في السابع عشر من فبراير الماضي (2018) الذكرى السابعة للثورة الليبية التي اندلعت في مدينة بنغازي في الشرق الليبي في 17 فبراير 2011. تدخل ليبيا هذا الأسبوع عامها السابع بعد إسقاط نظام معمر القذافي الذي استمر حاكما مطلقا لليبيا لفترة زمنية تجاوزت الأربعين عامًا. وكعدد كبير من النماذج في تاريخ الثورات المقارن، لم تأت الثورة الليبية بالازدهار والتنمية التي حلم بها الثوار، ولم تتمكن الثورة خلال السنوات السبع الماضية، ونتيجة لأسباب وعوامل عدة، من تحقيق أو بلورة الشعارات والهتافات التي تحرك الثوار على أرضيتها. وعلى الرغم من تشابه أصول ثورات الربيع العربي فيما يتعلق بالتحرك الجماهيري ضد أنظمة سياسية قمعية أمضت سنوات طوال في الحكم، ثم بدأت في اتخاذ خطوات لتوريث الحكم لأبنائها، إلا أن مخرجات هذه الثورات اختلفت عن بعضها البعض، فلا يمكن المقارنة بين مخرجات الثورة في الحالة المصرية، والتي ظلت الدولة فيها صامدة بالرغم من التوترات السياسية والتعبئة الجماهيرية، وبين الحالة الليبية أو السورية، حيث تصدع هيكل الدولة، وتطورت العديد من الانشقاقات في المؤسسات التي تشكل القلب الصلب للدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي تفككت في الحالتين السورية والليبية[1]. ولكن تظل الحالة الليبية أفضل نسبيا من الحالة السورية أو اليمنية، من حيث ما تمتلكه الدولة من موارد، ومن حيث التدخل العسكري لأطراف إقليمية ودولية، ومن حيث حدة الصراع العسكري بين الأطراف المختلفة في الداخل الليبي.

أولا: أهم المحطات في الثورة الليبية

لكن بعد مرور سبع سنوات على ذكرى الثورة، تظهر في المشهد الليبي عدد من المحطات الرئيسية التي شكلت المسار الذي اتخذته الثورة الليبية. لعل المشهد الأول هو سقوط نظام معمر القذافي والعاصمة طرابلس في أغسطس 2011، والاعتراف الدولي بشرعية الثورة الليبية والمجلس الوطني الانتقالي الذي تشكل من كوادر هذه الثورة، وهي حالة خاصة بليبيا لم تحدث في نموذج آخر من نماذج الربيع العربي[2]، وهو ما يتعلق بطبيعة هيكل الدولة في ليبيا ونمط الثورة التي تطورت سريعا إلى صراعات مسلحة. وكانت المحطة الثانية هي انتخابات 2012 التي أتت بالمؤتمر الوطني العام كأول مجلس تشريعي منتخب في تاريخ ليبيا، ومثلما كان الحال في أغلب نماذج الربيع العربي، شكلت انتخابات المؤتمر الوطني العام نموذجا من سيطرة الأقلية المنظمة على العملية السياسية، وكانت الأقلية المنظمة في أغلب نماذج الربيع العربي هي التيار الإسلامي، ولم تكن الحالة الليبية مختلفة عن المصرية أو التونسية في هذا الشأن. ومثلما كان أداء التيار الإسلامي مخيبا للآمال خلال تجربته في الحكم في كل من مصر وتونس، كان أيضا مخيبا للآمال في ليبيا. وشهدت ليبيا انتخابات في 2014 أطاحت بالمؤتمر الوطني العام وجاءت بمجلس النواب، وهي المحطة الثالثة في مسار الثورة الليبية. جاءت بعد ذلك المحطة الرابعة عندما أصدرت المحكمة العليا بطرابلس حكما ببطلان الانتخابات التي جاءت بمجلس النواب وأطاحت بالتيار الإسلامي من السيطرة على المجلس التشريعي وعلى اختيارات أعضاء الحكومة، وهو الحكم الذي صدر تحت وطأة الميليشيات في الغرب الليبي، ومن ثم دخلت ليبيا في مرحلة من الانقسام السياسي ومن تعدد الشرعيات، وأيضا من السجال العسكري بين معسكر في الشرق وآخر في الغرب.[3]

وإزاء مشهد الانقسام في ليبيا، لم يكن باستطاعة المجتمع الدولي أن يصمت، بل كان يجب أن يتحرك، خاصة لما تمثله ليبيا من دولة ممر للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وما تحتويه من استثمارات أجنبية (إيطاليا على وجه الخصوص) في قطاع النفط. وبالتالي تحركت الأمم المتحدة في عام 2014 لإقامة حوار سياسي بين الأطراف المتصارعة في ليبيا، وكان ذلك من خلال المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة برناردينو ليون. تحرك ليون على مستويات متعددة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي، ولكنه قام بإقصاء عدد من الفاعلين في المشهد في ذلك الوقت. وكانت نتيجة محاولات ليون هي توقيع الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات بالمغرب في ديسمبر 2015، وهو الاتفاق الذي لم يتم تفعيله حتي يومنا هذا. ولكن على الرغم من عدم تفعيل اتفاق الصخيرات بالشكل الذي كان من المفترض أن يتبلور من خلاله عمليا، إلا أن توقيع الاتفاق شكل محطة مهمة ضمن محطات الثورة الليبية. جاء اتفاق الصخيرات بعدد من الشرعيات المؤسسية لبعض الأطراف في الصراع الليبي- الليبي، وكان على رأس الكيانات الشرعية التي أفرزها اتفاق الصخيرات "المجلس الرئاسي" بقيادة فايز السراج، والاعتراف بشرعية مجلس النواب في طبرق، وهي الشرعية التي كان معترفا بها دوليا بالفعل، وتحويل المؤتمر الوطني العام، والذي لم يكن يحظى بشرعية دولية إلى كيان شرعي تحت مسمى "مجلس الدولة"[4]. وبالتالي جاء الاتفاق بإطار من الشرعية التي لازالت مستمرة في المشهد الليبي بالرغم من عدم تطبيق الاتفاق وعدم إجازة حكومة الوفاق من قبل مجلس النواب كما نص الاتفاق، وهي الشرعية التي يسعى المجتمع الدولي في الفترة الحالية للحفاظ عليها من خلال آلية تعديل الاتفاق وفقا للتغير في موازين القوى الذي طرأ على المشهد الليبي في الشهور الأخيرة.

ثانيا: وقائع الصراع العسكري في ليبيا خلال العام 2017

دخلت ليبيا منذ بدء مرحلة تعدد الشرعيات في عام 2014 وحتى الآن في عدد من السجالات العسكرية، والمواجهات العنيفة، والصراعات السياسية بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي. وتداخل عدد من الأطراف الإقليمية والدولية في دعم أطراف بعينها في الداخل الليبي، وهو ما مكن كل طرف من الأطراف من تأمين عدد من المكاسب العسكرية والجغرافية في سياق الصراع. ولكن مؤخرا، خاصة خلال العام 2017، شهدت موازين القوى في سياق الصراع في الداخل الليبي عددا من التغيرات، خاصة على الصعيد العسكري.

كان أول هذه التغيرات هو تمدد النفوذ العسكري للجيش الوطني الليبي بشدة في كل من الشرق والجنوب الليبي، وهو ما سينعكس بالتأكيد على الحوار السياسي في المرحلة المقبلة. والجدير بالذكر، أنه منذ بدء الانقسام في عام 2014، لم تكن هناك قوة عسكرية موحدة لها ذراع سياسي معترف بشرعيته دوليا، وهو الوضع الذي يتمتع به الجيش الوطني الليبي، ويسعى من خلال هذا الإطار الشرعي أن يضع قواعد للتنظيم المؤسسي في الجيش، وهو ما يعبر عنه افتتاح عدد من الأكاديميات العسكرية التي تهدف لتخريج عناصر لديها خبرة مهنية وقدر من العلم يؤهلهم لكي يكونوا أحد خطوط الدفاع المحورية في سياق ضعف الهيكل البنيوي للدولة الليبية.

على الجانب الآخر، يعاني الغرب الليبي عسكريا من حالة مستمرة من التفكك في التحالفات العسكرية، وهي التحالفات التي تشكل مشهد موازين القوى في الغرب؛ فمع تمدد نفوذ حفتر، سواء الفعلي أو ذلك الناتج عن إعادة بناء التحالفات السياسية والقبلية والمناطقية، بات المشهد مختلفا عن عام 2016. تظل القوى العسكرية الموجودة بمدينة مصراتة على درجة عالية من التسليح النسبي في سياق الصراع الليبي، ولكنها تفتقر للتنظيم المؤسسي، وبالتالي يسهل انشقاق تحالفاتها نظرا لعدم وجود هيكل تراتبي واضح، ويصعب عليها اتباع خط من التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، وهو ما بات يتميز به الجيش الوطني الليبي مؤخرا. كما أن وجود قوات البنيان المرصوص بوضعها الشرعي بعد اعتراف المجلس الرئاسي بها كقوات تابعة للدولة يعني أن الغرب الليبي ليس خاليا من قوى عسكرية من الممكن أن تحظى بإطار من الشرعية بشكل مؤسسي في مرحلة ما بعد التسوية السياسية. ولكن الملاحظة الأبرز في هذا المشهد هو تراجع احتمالات السجال العسكري المباشر واللجوء إما لمناوشات مسلحة على مستوى ضيق بين العناصر المختلفة، أو التنسيق بين الأذرع السياسية والعسكرية. وتوضح الخرائط التالية تحولات النفوذ العسكري في المشهد الليبي خلال العام 2017.[5]


 


 

 ثالثا: صراعات النخب والتسوية السياسية

على الصعيد السياسي، كانت النقطتان الأبرز خلال عام 2017. الأولى، هي إعادة تشكيل عدد من التحالفات بين النخب السياسية، وفرز نخبة سياسية باتت أكثر نفوذا وصلابة على المستويين المحلي والإقليمي، خاصة في الشرق الليبي. النقطة الثانية هي خارطة الطريق لعملية تسوية سياسية طرحها المبعوث الأممي غسان سلامة عندما بدأ ولايته. ويعلم متابعو الشأن الليبي، خاصة في مراحل ما بعد سقوط نظام معمر القذافي، أن صراعات النخب السياسية، أو بمعنى أكثر خصوصية لوصف النموذج الليبي، صراعات تشكيل أو فرز نخب سياسية، تُعد جزءا لا يتجزأ من المشهد الحالي أو من تطورات الثورة والصراع السياسي على مدى السنوات السبع الماضية. فليبيا على وجه الخصوص لم يكن بها نخب سياسية في مرحلة ما قبل العام 2011. فقد كان هناك نخب قبلية، وأخرى اقتصادية، وثالثة تحظى بمكانتها نظرا لقربها من النظام، ولكن لم يتضمن مفهوم تفاعلات نخب المجتمع الليبي أثناء حكم القذافي مفهوم الصراع في المقام الأول، وكانت فقط منافسات على الولاء. وبالتالي لجأت النخب التي بالفعل لديها صراعات مع النظام إلى الخارج لتشكل معارضة مهجر، لكنها مع ذلك ظلت نخب ضعيفة لا تحظى بأي ثقل، خاصة في ظل حرص نظام القذافي على استهداف معارضيه في مختلف أنحاء العالم.

وبالتالي دخلت ليبيا بعد الثورة في عدد من المراحل لفرز نخب جديدة في مختلف قطاعات المجتمع، وهو المشهد الذي يمكن القول إن نتائجه بدأت تتضح بشكل كبير خلال عام 2017وفي الوقت الحالي. ومثلما كان الوضع في كل دول الربيع العربي، برز بشدة الصراع بين التيار المدني والتيار الإسلامي، ولكن اتخذ هذا الصراع أشكالا مختلفة في كل حالة، وفقا لطبيعة كل مجتمع وكل دولة. وكان المشهد في ليبيا أكثر تعقيدا، أولا نظرا لضعف هذه التيارات كنتيجة لغيابهم عن المشهد، وثانيا، لصراعاتهم مع تيار ثالث تمثل في معارضة المهجر التي عادت إلى ليبيا، وخلافات التيارات الثلاث مع تيار رابع هو تيار أنصار معمر القذافي. هذا بالإضافة لصراعات كل هؤلاء مع التيارات الجهادية والإرهابية. ولكن الجدير بالذكر أن المجتمع الليبي ونخبه لم يكن يمتلك أيه أدوات سياسية للعمل، ولم يكن يمتلك شبكات من تحالفات ونفوذ، وبالتالي تحول المشهد إلى نموذج تقليدي من فرز النخب عن طريق السلاح في مرحلة ما بعد الثورة. وعلى الرغم من إجراء انتخابات في 2012 جاءت بالمؤتمر الوطني العام ذي الأغلبية الإسلامية، ظلت مؤسسات الدولة غير قادرة على صناعة شرعية صلبة، وهي أيضا أحد العوامل المشتركة في الكثير من نماذج الثورات السياسية.

ولكن المشهد الحالي، والذي تبلور بعد سبع سنوات من الثورة، وأربع سنوات من الانقسام، بدأ يتغير قليلا، خاصة فيما يتعلق بمسألة صناعة النخب السياسية. كان العام 2017 دالا على حقيقة مهمة تتلخص في ظهور ثلاث مؤسسات أساسية ستكون هي المصدر الرئيسي للنخب السياسية في مرحلة التسوية، وخلال الفترة الانتقالية، وحتي في المستقبل. هذه المؤسسات هي: الجيش الوطني الليبي، ومجلس النواب بطبرق، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، حيث بات من الصعب جدا الدخول للمشهد السياسي في ليبيا بصورة غير عنيفة إلا من خلال هذه المؤسسات، ولأسباب عدة. أولها، وبدرجات متفاوتة من النجاح، تمكنت هذه الكيانات الثلاثة من الاستمرار في المشهد دون أن تنقسم على نفسها. بالطبع هناك من استقال ومن امتنع عن الحضور، ولكن هذه الانشقاقات لم تؤثر في استمرار هذه الكيانات وقدرتها على كسب المزيد من النفوذ. وفي ظل انقسام سياسي وصراع عسكري، تُعد الاستمرارية والقدرة على تعظيم حجم المكاسب والنفوذ أحد علامات محورية الدور في سياق الصراع. على الجانب الآخر، تبدلت المواقف الإقليمية والدولية كثيرا حيال الأطراف الليبية في سياق الصراع، ويظل حتى الآن كل طرف من هذه الأطراف له حليفه الإقليمي والدولي، ولكن ما بدأ في التغير خلال عام 2017 هو اعتراف كل الفاعلين بشرعية هذه المؤسسات، والدفع بالكثير من الثقل وراء إشراكهم في عملية التسوية السياسية دون إقصاء، وبالتالي ستشارك هذه المؤسسات في صناعة نخب المرحلة القادمة بعد أن تمكنت من بلورة نفسها كجهات تحظى بشرعية دولية وعلى تواصل مع كل الفاعلين في المشهد الليبي.

رابعا: سيناريوهات محتملة

يظل التساؤل الأكثر محورية في الوقت الراهن حول المسار الذي من المتوقع أن تسلكه ليبيا في المستقبل، وهو التساؤل الذي يطرح بدوره عددا آخر من التساؤلات، مثل هل تنجح عملية التسوية السياسية التي يحاول أن ينهيها غسان سلامة بإقامة استفتاء على الدستور وانتخابات تشريعية ورئاسية خلال عام 2018 وفقا للجدول الزمني الذي كان قد أُعلن عنه؟ هل تقبل الفصائل المختلفة بفكرة المصالحة الوطنية؟ هذه التساؤلات وأكثر منها بكثير تبدو منطقية في الفترة الحالية قبل محاولة توقع السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة. ورغم أن المشهد لازال معقدا، ولازال به الكثير من عدم اليقين فيما يتعلق بالتسوية السياسية ومستقبلها، لكن هناك في النهاية عدد من المسارات التي من الممكن أن تشكل عددا من السيناريوهات المستقبلية بشأن ليبيا.

المسار الأول،المحتمل للأزمة الليبية هو نجاح محاولات الأمم المتحدة، المدعومة من قبل كل الأطراف الفاعلة في الملف الليبي، وفي تلك الحالة سوف تكون ليبيا على شفا مرحلة جديدة من إنهاء الانقسام وإعادة توحيد مؤسسات الدولة، والبدء في عملية سياسية خلال مرحلة انتقالية تفضي إلى انتخابات تفرز نظاما شرعيا جديدا، وهي الرؤية التي يطمح الكثير من الفاعلين في الملف الليبي إنجاحها. ولكي تدخل ليبيا في مرحلة تسوية سياسية فعلية وفقا للرؤية التي طرحتها الأمم المتحدة، تحتاج الخطوة الأولى في هذا الصدد أن تنجح محاولات تعديل الاتفاق السياسي، والتي يخوضها الآن أعضاء لجنة الحوار في كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. وبعد أن فشل الطرفان في التوافق على تصور أثناء حوار تونس، تقدم كل منهم بتصورين للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ولكن لازال هناك خلافات بين الطرفين تتعلق بآلية اختيار قوائم المرشحين وكيفية التصويت على أعضاء المجلس الرئاسي، في حين هناك إجماع بين الطرفين على أن يتكون مجلس رئاسي الدولة من رئيس ونائبين، وأن يتخذ المجلس قراراته بالإجماع، وهو ما يعني أن هناك توافقا على الإطار العام للاتفاق المعدل. ولكن على الجانب الآخر، يوجد صراعات وعدم توافق حول الآلية التي تضمن توازن القوى بين المجلسين في عملية اختيار قوائم المرشحين، وبالتالي فهو مرة أخرى صراع بين نخب سياسية تسعى بالأساس لتأمين أكبر قدر من المكاسب من خلال عملية التسوية، وهو ما يقودنا لمسار آخر من المحتمل حدوثه في المشهد الليبي مستقبلا.[6]

المسار الثاني، أن تقنع النخب السياسية الحالية في ليبيا بعملية التفاوض السياسي بين بعضها البعض دون ربط هذه العملية بأي جدول أو إطار زمني، وتسعى من خلال فتح المجال أمام التفاوض بين القوى السياسية أن تتواجد لأطول فترة ممكنة في الداخل الليبي من خلال عملية شرعية من التفاوض، تؤمن لها مكاسب أكثر عندما تنتهي مرحلة التفاوض. وبمعني آخر، أن تحاول النخب السياسية في ليبيا إطالة مدة التفاوض بقدر الإمكان حتى تتمكن من إعادة بناء تحالفاتها السياسية والعسكرية استعدادا لمرحلة ما بعد تعديل الاتفاق، وهو ما قد يغضب الأمم المتحدة، ولكنه في الوقت ذاته سوف يكون مقبولا لعدد من الأطراف الإقليمية والدولية، التي ستسعى هي الأخرى خلال هذه الفترة إلى التأكد من تواجد حلفائها في الداخل الليبي بمواقع أفضل ونفوذا أكبر، وضمان حماية مصالحها في مرحلة ما بعد تعديل الاتفاق.

ومع تراجع فرص المواجهة العسكرية[7]، أو التدخل الدولي في المشهد الليبي في الوقت الحالي، تبدو فرص التسوية السياسية هي الأقرب للتحقق، ولكن يظل هناك عاملان رئيسيان قد يحولا مسار التسوية السياسية. العامل الأول، يتعلق بالميليشيات والكيانات العسكرية التي لن تجد مكانا لها في حال عدم انضمامها للدولة. وهناك الكثير من هذه الميليشيات في ليبيا، سواء كانت ميليشيات إجرامية تعمل في التهريب، أو ميليشيات جهادية تقوم بعمليات إرهابية. والخطر الذي تشكله هذه الميليشيات هو إضافة المزيد من الهشاشة للكيانات الشرعية التي ستتمخض من رحم عملية سياسية تتم في إطار من الانقسام السياسي والصراع العسكري، وبالتالي عدم قدرة الدولة على فرض نتيجة العملية السياسية في ظل انتشار كيانات مسلحة معادية تضع شرعية هذه العملية في موقف شديد الضعف. العامل الثاني يتعلق بالتوصل لاتفاق سياسي قابل للتطبيق على أرض الواقع، بحيث لا تتكرر تجربة اتفاق الصخيرات عندما تم توقيعه في ديسمبر 2015 لتحقيق إنجاز سياسي وهمي، وهو الاتفاق الذي لم يُفعل ليومنا هذا.

وفي النهاية، يجب التعامل مع اتفاق التسوية السياسية في ليبيا كرؤية شاملة، لا تقتصر على تشكيل المجلس الرئاسي، أو التحكم في القوات المسلحة، أو تنظيم انتخابات، بل هي مجموعة من العوامل التي يجب أن تتوافق وبعضها البعض بغض النظر عن الإطار الزمني أو الإنجاز الفردي، فالرابح في النهاية لن يكون غسان سلامة أو خليفة حفتر أو فايز السراج، بل سيكون الشعب الليبي وباقي الشعوب الذي يمثل لها الصراع في ليبيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي.


[1] للمزيد حول هذه النقطة انظر: زياد عقل، "ست سنوات علي الثورتين المصرية والليبية: رؤية مقارنة"، كراسات استراتيجية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد رقم 269.

[3] انظر في ذلك: "ليبيا تشهد حربا أهلية وهذه أسباب الانقسام"، حوار مع فتحي البعجة سفير ليبيا لدى كندا، موقع الوسط، 10 أكتوبر 2014. متاح على الرابط التالي:

http://alwasat.ly/news/libya/38006

[4] للمزيد حول هذه النقطة انظر تقرير مجموعة الأزمات الدولية:

International Crisis Group, “The Libyan Political Agreement: Time for Reset”, Middle East and North Africa, Report No. 170, 4 Nov. 2016. Available at: https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-africa/libya/libyan-political-agreement-time-reset

[5]مصدر الخرائط: موقع إرم نيوزعلي الرابط التالي https://www.eremnews.com/news/arab-world/924047

[6] للمزيد من التفاصيل حول تطورات حوار تعديل الاتفاق انظر حوار رئيس لجنة الحوار بمجلس النواب عبد السلام نصية مع بوابة أفريقيا للأخبار، 2 مارس 2018. متاح على الرابط التالي:

http://www.afrigatenews.net/content/%D9%86%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D9%85%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A

[7] انظر في هذه النقطة، زياد عقل، "تحولات محتملة: تراجع الحسم العسكري وتزايد التسوية السياسية"، موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 1/1/2018. متاح على الرابط التالي:

http://acpss.ahram.org.eg/News/16500.aspx


رابط دائم: