دروس الأزمة مع قطر: هل بات "الصبر الاستراتيجي" والعزلة هما الخيار الأمثل؟
15-7-2017

د. معتز سلامة
* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية ومدير برنامج الخليج العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

وجهت الدول الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين)، بقائمة المطالب الـ 13 في 23 يونيو 2017، ضربة مفاجئة لقطر، انعكس أثرها بشكل ملفت على حركتها السياسية وعلى قناة الجزيرة التي برزت مختلة التوازن كثيرًا، على النحو الذي عكسه أداء مذيعيها وضيوفها خلال الأيام الأولى من الأزمة.

لكن مسار الأزمة لم يستمر على حاله؛ فقد تمكنت "الجزيرة" من استيعاب الضربة الأولى، ثم استعادت طاقتها وأخذت توجه هجومها الإعلامي على الدول الخليجية (خصوصًا الإمارات)، وتصرفت بشكل استعلائي نحو مصر، فأخذ بعض مذيعيها يتجاهلون مجرد ذكر اسم مصر، ويتحدثون عن دولة "غير خليجية"، وهو ما لا يمكن مقارنته مطلقًا بالموقف عند بداية الأزمة. وإلى حد كبير يمكن القول إن مسار الأزمة شهد خلال الأيام الأخيرة ميلًا لمصلحة قطر على الأقل من الناحية الدعائية ومن ناحية الموقف العالمي.

في البداية تعددت التصريحات القطرية وتقارير "الجزيرة" وحواراتها التي تحمل معنى الرجاء، وتدعو "للشفقة" على قطر كدولة صغيرة، على حد ما برز في تصريح الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري سابقا خلال لقائه مع قناة سي إن إن[1]. ثم تحولت قطر/ الجزيرة إلى مرحلة "الاستئساد" الإعلامي والسياسي على دول وحكام الخليج. وبعد أن كان ضيوف الجزيرة والقنوات القطرية يتحدثون عن تعويلهم على حكمة "خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز" في إيجاد مخرج للأزمة، اتجهوا لإهانة كل الرموز بطريقة تهكمية ساخرة، واستحقار تغريدات المغردين السعوديين والإماراتيين[2].  

وخلال عشرين يومًا -منذ بدء الأزمة- تعاملت "الجزيرة" عبر التقارير والأخبار والشائعات مع أنظمة الحكم في السعودية والإمارات والبحرين وكأنها في حرب بين جيوش مسلحة، وكانت طلقاتها الإعلامية أكثر أثرًا من الطلقات النارية، لمن يعرفون خصوصية الملوك والأنظمة وحرمة التعاطي معها في دول الخليج.

وهكذا، فإن الأزمة مع قطر تأخذ الآن مسارات مختلفة تمامًا عما كان عند بدايتها. وبينما طرحت التقديرات الأولى سيناريو إمكان دعم انقلاب يزيح نظام تميم، فإن هذا السيناريو أصبح الآن بعيدًا عن الواقع. مع ذلك لا تزال الكلمة النهائية في الأزمة ومستقبل قطر السياسي بيد الدول الأربع، لو أجادت تنظيم إدارة الأزمة وتمسكت بالصبر الاستراتيجي والعزلة الطويلة.

أولًا: الدروس الأساسية للأزمة

هناك العديد من الدروس التفصيلية التي يمكن استخلاصها من الأزمة، نشير فيما يلي إلى أهمها.  

1- "الإمارة المزعجة"... إعادة تعريف وموضعة قطر

حارت الأقلام العربية في تعريف قطر ودورها منذ سنوات، واشتدت الحيرة خلال هذه الأزمة؛ فأضيفت على الظاهرة القطرية تجليات وتعريفات جديدة؛ فتحدث البعض عن "إمارة الإخوان"[3]، وعن "إسرائيل الصغرى"[4] وعن "تنظيم الحمدين"[5]. وفي تشبيه لوضع قطر بإيران، شبه البعض علاقة حمد بن خليفة وابنه تميم بعلاقة الرئيس الإيراني حسن روحاني بالمرشد علي خامنئي الذي يدير السياسات من وراء ستار. وشبه البعض الآخر قطر بإيران في دعمها للتنظيمات المسلحة الخارجة على الدول. وعن علاقة قطر بتركيا ذهب الحديث مذاهب عديدة.

هذه الأوصاف الحائرة في تعريف قطر أكدت الأوجه المختلفة للمشروع القطري الذي أرساه الشيخ حمد بن خليفة منذ انقلابه على والده عام 1995، والذي أسس لدولة تجمع كل التناقضات، حتى أطلق عليها البعض بأنها "أم التناقضات". وفيما يبدو أن الأزمة الراهنة لن تنتهي بأي تغيير في هذه الحالة القطرية المربكة على الأقل في المدى القريب؛ حيث يُتوقع أن تتمسك الدوحة بحالتها الراهنة لفترة مقبلة، تأكيدًا لانتصارها على الدول الأربع. ولا يستبعد أن تعتبر قطر يومًا من أيام هذه الأزمة عيدًا وطنيًّا تحتفل به كل عام.

ويعني ذلك ضرورة أن تكيف الدول العربية الأربع نفسها مع واقع استمرار ظاهرة "قطر المزعجة" لفترة مقبلة، لأن نتائج الأزمة تعزز السلوك المعاند لدى قطر، بل تدعو للمزيد منه، ليس فقط لمكاسبه ومردوداته على مكانة قطر التي كانت قد تراجعت منذ الثورات العربية، وإعلائه للمضمون الوطني في الداخل، وإنما أيضًا لمعرفة قطر باستحالة عودة الأمور إلى طبيعتها مع المملكة والإمارات والبحرين، بعد أن كشف الكل عن أوراقه، وأصبحت المواجهة شبه صفرية. 

لذلك سوف تزداد تناقضات الحالة القطرية، وسوف تصبح قطر لفترة مقبلة تجسيدًا لـ"مركب وائتلاف عالمي" بين قوى دولية وإقليمية ذات مصالح، "مركب وائتلاف" يجمع بين إيران والولايات المتحدة، وحماس وإسرائيل، وعلى علاقة بحزب الله وداعش والإخوان وتركيا.. وغير ذلك من التناقضات. وسوف تصبح قطر إمارة "متروبوليتان" شبكية عائمة في الخليج، تحرض على الأفكار الراديكالية وتأتلف مجموعات المصالح المتباينة شكلًا ولكن المتشابكة والمتوافقة مصلحيًا.

وإلى حد كبير، أخرجت الأزمة قطر من عباءة الدائرة الخليجية، وجعلتها أسيرة أكثر لمجموعات المصالح الشبكية المتنفذة في الداخل والمخدمة على المشروع في الخارج. وتعتبر قطر الآن هذا المركب الخاص بالمصالح هو الضامن الأكبر لأمنها القومي. هذا الحديث يدور الآن علانية في قطر، وبرز جليًا في حديث صحفي قطري على قناة تلفزيونية قطرية قدم الشكر للمقيمين العرب داخل قطر، وللعرب في الخارج ولكل من وقف مع قطر في الأزمة من القوى الدولية، وعزا إليهم الفضل في صمود قطر. ومن الآن سوف تزيد قطر من انخراطها السياسي والاقتصادي في الشبكات والدوائر الغربية.

2- إعادة اكتشاف الحاضنة الغربية للإرهاب ولمشروع قطر

أكدت الأزمة أن سياسات قطر ومشروعها الإقليمي يجري تحت سمع وبصر القوى الكبرى وبرضاها، ليس لأسباب تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان، وإنما لأهداف مصلحية واستخباراتية، حيث تحركت آلة الإنقاذ الغربية السريعة لأجل احتضان قطر ووضع سقف لمسارات الأزمة ولسلوك الرباعي العربي.

وصحيح أن مشروع قطر كان محل احتضان غربي منذ بداياته مع قدوم الأمير حمد عام 1995، لكن المشروع القطري يتجه لأن تصبح جزءًا من الدائرة الغربية. وتتجه علاقات قطر بالولايات المتحدة والغرب لأن تمتزج بمكون عاطفي رعائي خاص، على غرار العلاقة الغربية الخاصة بإسرائيل.

وإذا كان واضحًا توزيع الأدوار بين المؤسسات الأمريكية (الرئيس ووزارة الخارجية والدفاع والكونجرس والإعلام) كحقيقة واقعة كشفتها الأزمة، فإن ما كشفت عنه أيضًا ما بدا من توزيع الأدوار بين القوى الغربية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة). ومن الآن سوف تعزز قطر أمنها، وحمايتها مما تعتقد بأنه "غزو صدّامي" عربي من خلال الحماية الأمريكية والأوروبية، ما يعني مزيدًا من التماهي مع الدوائر الغربية.

ولا يمكن القول بأن الموقف الغربي مع قطر نابع من ضغوط أو مصالح قطرية ودور الاقتصاد والمال والرشاوى..، لأن حجم الأموال والمصالح الغربية مع السعودية والإمارات ومصر والبحرين يفوق ما يمكن أن تجنيه من قطر، ومع ذلك مالت أغلب القوى الأوروبية والولايات المتحدة إلى قطر. كما لا يمكن القول بأن هذا الموقف انطلق من خوف على الحريات وحقوق الإنسان التي تمثلها قطر والجزيرة، لأن قطر لا تمثل الديمقراطية، والجزيرة تحولت إلى صوت تحريضي يدفع على الكراهية ويناصر عدم الاستقرار، وهو أمر ليس بعيدًا عن المتابعة من قبل الأجهزة الغربية، ولا يمكن تصور أنها لا ترصده.      

وهكذا، وضعت الأزمة قطر تحت سقف الرعاية الدولية، من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، وهذه مكاسب لم تكن تحلم بها الدوحة. وهو ما يعزز وجهة النظر القطرية التي انطلقت في سياق الأزمة، والتي تؤكد أن أمن قطر مرتبط بتخديمها على مصالح العالم الغربي وتقترب من أن تدخل إلى وجدانه، بعد أن دخلت ضمن حساباته السياسية للمنطقة. وهنا يمكن الحديث عن دور شبكات الإخوان في أوروبا والولايات المتحدة، وشبكات المتأخونين من غير المسلمين في الغرب، وعن شبكات "تنظيم الحمدين"،.. ودوائر أخرى لا تنتهي.

3- الكراهية والتحريض ... رأس الحربة في المشروع القطري

على الرغم من أن المطالب الثلاثة عشر التي أُعلن عنها في بداية الأزمة، والمبادئ الستة التي أُعلن عنها في اجتماع القاهرة، عكست المطالب والمبادئ المثلى المطلوبة من قطر، واتجهت لتصفية المشروع القطري الراعي للإرهاب، إلا أن نشر خطاب الكراهية والتحريض وماكينة قناة الجزيرة هو أخطر ما في يد قطر من أسلحة توظفها ضد الواقع العربي، وهو ما ينبغي أن يشكل رأس الحربة في المطالب والمبادئ، وهو أمر مهم الاستعداد للتعامل معه فنيًا ومهنيًا، ورصد أداء الجزيرة والشبكات القطرية التابعة في تركيا، كوسائل إعلامية وقياس مدى خروجها عن حدود المهنية.

فكل المطالب والشروط تستطيع قطر أن تلبيها أو تنكرها دون أن يؤثر في مشروعها، لكنها لا يمكن أن تنكر دور الأيديولوجيا التحريضية للقناة المستمرة في غسل العقول والأدمغة منذ 20 عامًا، والمتجهة بعقل الناشئة في الأوطان العربية نحو الإرهاب واللاوطنية والسلوك العدائي والتدميري للذات وللآخر، ومع ذلك فإن حجة الدول الأربع بخصوص إغلاق القناة لا تزال ضعيفة، ويبدو أنها لم تستطع أن تقف أمام العنوان الكبير الخاص بـ"حرية التعبير"، التي تنتهك الجزيرة باسمها كل الحريات.

من هنا يمكن القول بأن المبادرة الأمريكية بإعلان الاتفاق مع قطر ضد الإرهاب مثلت التفافًا على جوهر الخطر الذي تطرحه قطر؛ فمراقبة تحويلات البنوك ودور الجمعيات الخيرية وملايين الدولارات التي تقدمها قطر لجماعات النصرة وداعش في ليبيا والعراق وسوريا ومصر.. وغيرها، لن ينهي المشروع القطري القائم بالأساس على ماكينة الجزيرة ودعايتها التحريضية.

إن استمرار مشروع قطر/ الجزيرة في المنطقة العربية يعني أن تظل الدول والمجتمعات العربية بعيدة عن معاركها الأساسية في التنمية والبناء، وأن تظل الأجيال العربية الجديدة تشعر بعقدة نقص تجاه فهم العالم، والتعامل بمنظور "استلابي" مسكون بحقد دفين وشعور بالهزيمة، ومعارك وهمية في كل اتجاه، تقضي على ما تبقى من ملامح للتسامح والسعادة في الشخصية العربية. ولذلك، لم يكن حديث وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان عاطفيًا -وإنما سياسيًا واستراتيجيًا بامتياز- حين قال في اجتماع القاهرة إن "قطر هوايتها رسم الحزن في وجوه الناس". 

وليس مصادفة أن تتجه دعاية قطر منذ بداية الأزمة إلى الدفاع عن الجزيرة باعتبارها أداة حرية التعبير، كما كان غريبًا أن يدافع المسئولون والمؤسسات الغربية عن الجزيرة للسبب ذاته، وقد يكون جانب من ذلك عائدًا إلى عدم استيعاب الغرب للتوظيف الخاطئ للجزيرة للغة والأيديولوجيا والدين البادي في خطاب التحريض. مع ذلك لا يمكن الاقتناع بأن خطاب الجزيرة في السنوات الأخيرة ليس بعيدًا عن متابعة الأجهزة الاستخباراتية والدوائر الغربية، ولا يمكن الاقتناع بأنهم غير مدركين أو مستوعبين لما يتضمنه هذا الخطاب من مخاطر على استقرار الدول العربية.

لذلك إذا لم يكن الاتفاق الأمريكي الخاص بمكافحة الإرهاب مع قطر قد شمل بنودًا حول خطاب الكراهية والتحريض، ومعايير للسلوك تضبط الأداء الإعلامي للقناة، فإن مشروع قطر سيظل بنفس ملامحه لعقود مقبلة؛ فكافة البنود التي تتعلق بالتوقف عن دعم الإرهاب ومراقبة البنوك والتحويلات، كلها إجراءات مادية، يمكن الاحتيال عليها، وكان أغلبها مطبقًا منذ أحداث 11 سبتمبر 2001. وتبقى المشكلة الأكبر في الأخطار والشرور التي لا يمكن قياسها ماديًا، وهي الخطاب الأيديولوجي المحرض وسلوكيات شبكات المصالح التي تخلق مكونًا شيطانيًا يجمع مختلف مظاهر الرداءة في الفكر والسلوك.

وهنا تبدو الحاجة ملحة لتخصيص لجان فنية ومهنية من أساتذة وخبراء سياسة وإعلام واجتماع وعلم نفس ودين، تابعة للجامعة العربية والأمم المتحدة، لإعداد تقرير عن أداء قناة الجزيرة والشبكات التابعة لقطر منذ ظهورها، وإبراز الجوانب السلبية والسقطات المهنية في أدائها، وإرسال هذا التقرير إلى كل مؤسسات ومنابر الإعلام الدولية المسئولة.

ثانيًا: الصبر الاستراتيجي .. الخيار الأمثل للتعامل مع قطر

على الرغم من أن هناك مخاوف عربية وخليجية من خيار عزل قطر عن دائرة الخليج، وتكريس علاقة قطر بإيران وتركيا وإسرائيل، إلا أن تقليب السيناريوهات، يرجح أن يكون "الصبر الاستراتيجي" هذا هو السيناريو الأوحد للحماية من أخطار قطر والمشروع القطري، ونسخه وطبعاته المقبلة التي ستكون أشد خطرًا وشراسة.

لقد سعت قطر في سياق الأزمة إلى جر دول الخليج الثلاثة ومصر إلى حروب ومعارك كلامية، تعود بالمزيد من المكانة السياسية عليها. وفي هذه المعركة الكلامية لا يمكن كسب قطر أو ماكينة الجزيرة التي تمتهن هذه النوعية من المعارك والحروب، يساعدها على ذلك مجتمعات عربية لديها ظروفها ومشكلاتها الخاصة في فهم الدين والسياسة والعالم، ومستعدة للتعاطي مع خطاب المظلومية والتحريض، الذي تمزج فيه تقارير الجزيرة وشبكاتها التابعة سحر الخطاب وبيانه بصور وأحداث توليفية مستقاة من آيات قرآنية لتضعها في مواضع خادعة ومغلوطة، على نحو ينتهي برسم المختلف معها في صورة الشيطان والفرعون.       

إزاء هذه الحالة التي تشكل مرضًا مزمنًا في الحال العربي، فإن كل الخيارات التصعيدية سوف تلقى مواجهة قطرية شديدة في الأجل القصير، في ظل نشوة الدور، ونظرة استعلائية كرستها الأزمة عن دور قطري تحريري وتنويري، في وسط بيئة من الحاقدين والأعداء.

وهنا ينبغي أن تؤكد رسالة الرباعي العربي لقطر على أن ما حصدته من مكاسب خلال الأزمة لا يعني شيئا على صعيد عودتها إلى موقعها العربي الخليجي، وأنه لا يمكن اللعب على التناقضات وسياسة "فرق.. تكسر العزلة"، باستباحة الهجوم على دولة عربية واستهجان وجودها في الرباعي لمجرد أنها غير خليجية، لأن بهذا انتقاصًا ليس فقط من قدر الدولة العربية الأكبر، وإنما انتقاص من قدر العروبة، وهي صفة قومية في مقابل الشخصية الخليجية، وهو ما يلمح وكأن مصر أصبحت مباحة للإفساد والدعاية القطرية لمجرد أنها غير خليجية، وأن كونها كذلك لا يجعل لدول مجلس التعاون الثلاث الحق في الاصطفاف معها ضد الآلة الإعلامية والتحريضية لقطر!!

ولعل أهم دروس الأزمة القطرية أنه من الآن ينبغي أن يتكرس الطابع العربي في الخليج، وأن صفة "الخليجية" كشخصية لا ينبغي أن تعني العداء للعروبة أو الاستعلاء عليها، وأن التجربة الخليجية كتجربة في التنمية الاقتصادية والبشرية ينبغي أن تكون محط فخر وإضافة لكل العالم العربي، لا أن تنسلخ عن محيطها الأكبر.

وإذا لم تكن لدول الخليج الثلاث ومصر قدرة على الاستمرار في مواجهة ماكينة الدعاية القطرية، وإذا لم يكن بإمكانها التمادي أكثر في الإجراءات العقابية ضد قطر -لاعتبارات التوازنات الدولية أو المسئولية القومية- فإن الخيار الأمثل في التعامل مع قطر في ظل هذه الحالة هو خيار "الصبر الاستراتيجي" و"العزلة الطويلة"، وذلك للأسباب التالية:

1- تجفيف الينابيع أمام آلة الدعاية القطرية وتأكيد الفروقات بين تعاملات الدول وتعاملات شبكات اللادولة. وفي ظل هذه الحالة سوف تسقط ماكينة الدعاية القطرية في بحر جاف ناضب، حيث إن صمت وتجاهل الأداة الإعلامية في الدول الأربع لن يتيح لماكينة الجزيرة وقودًا تتغذى عليه، وسوف تتأكد مع الزمن أنها أغلقت أمام نفسها باب العودة، وأن دعايتها بلا قيمة ولن تقلب الأنظمة.

2- أن فترة "الصبر الاستراتيجي" و"العزلة" سوف تترك فرصة من الوقت لقيادات قطر وشعب قطر للتأمل بكامل المشروع، وربما تلوح لهم مع الزمن فرصة للتراجع بهدوء، وسوف تكون أمام المجتمع في قطر فرصة لتأمل ارتباطات الحكم في الداخل والخارج.

3- من المؤكد أنه على المدى الطويل سوف تلحق بقطر خسائر فادحة في المشروعات الاقتصادية، وخصوصًا تلك الخاصة بالاستعداد لكأس العالم 2022، وهي ما يحتاج إلى رؤوس أموال على الأرجح أن تتعثر قطر في توفيرها لو احتجبت عنها الدائرة الخليجية لفترة.

4- إذا كانت العزلة تدفع قطر أكثر نحو تركيا وإيران، وتربطها بمحاور ودوائر دولية أخرى، وإذا كان للعزلة خسائر بالنسبة للنظامين الخليجي والعربي.. فإن الضرر القادم من قطر (الكراهية والتحريض) هو أفدح من أي أضرار يمكن أن تلحق بالنظام العربي والخليجي نتيجة ارتباط قطر بكلتا الدولتين.

باختصار، فإن الأزمة في حاجة لأن تدخل في مرحلة تبريد طويلة من جانب الدول الأربع.


[1] حمد بن جاسم: على الدول الأشقاء النظر إلينا كشقيق أصغر، العربية، 18  يونيو 2017.  

[2] شاهد على سبيل المثال، التحولات التي شهدتها مواقف الصحفي عبد الله العذبة، رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية على قنوات الجزيرة وتليفزيون قطر منذ بداية الأزمة وحتى الآن.

[3] د. مأمون فندي، إمارة الإخوان، صحيفة الشرق الأوسط، 19 يونيو 2017.

[4] د. نصر عارف، إسرائيل الصغرى، الأهرام، 10 يوليو 2017.

[5] انظر على سبيل المثال: قينان الغامدي، تنظيم الحمدين والهدف الأعظم: إسقاط النظام السعودي، الوطن السعودية، 2017-06-26.


رابط دائم: