دول الجوار وحلحلة الصراع السياسي في ليبيا
16-3-2017

د. زياد عقل
* خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

شهدت الفترة الأخيرة نشاطًا ملحوظًا من جانب دول جوار ليبيا، بهدف الوصول إلى إطار سياسي يوقف حالة الانقسام الممتدة منذ عام ٢٠١٤، ويضع حدًا للتهديدات الأمنية التي بدأ الصراع السياسي في ليبيا يزيد من حدتها في المنطقة. وجاءت المبادرة الرئيسية من جانب مصر، حيث قامت بعقد عدد من اللقاءات والاجتماعات على مستويات مختلفة بين ممثلي التيارات السياسية المختلفة في ليبيا، سواء من الشرق أو الغرب. كما سعت مصر لتنسيق الرؤى بينها وبين دول جوار ليبيا، خاصة الجزائر وتونس، وهي الدول الفاعلة في المشهد الليبي داخليًّا وخارجيًّا. وكان لهذه الجهود السياسية المصرية أثر ضخم في إنهاء حالة الركود السياسي التي تلت توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر ٢٠١٥، وهو الركود الذي تسبب في عدم تفعيل البنود التي جاء بها الاتفاق على أرض الواقع. وقد كان لدول الجوار دور أساسي في إضفاء المزيد من المرونة على مواقف عدد من الفاعلين السياسيين الليبيين.

وفي هذا الإطار، وفي ضوء الدور المتزايد للدبلوماسية المصرية ولدور الجوار الليبي بات من المنطقي طرح عدد من التساؤلات حول مدى فاعلية "دول الجوار" كآلية تهدف للتوصل لحل سياسي بين الفرقاء الليبيين، وما هي الفرص المتاحة أمام هذه الآلية لتحقيق مكاسب سياسية تنعكس إيجابيًّا على مسار الأزمة الليبية، وما هي التحديات التي ستواجه هذا الجهد المبذول من قبل دول الجوار.

النقطة المحورية في قياس مدى فاعلية آلية دول الجوار وفرص نجاحها أو فشلها هي التسليم بضعف هيكل الدولة في ليبيا من ناحية، وافتقار النخب السياسية في ليبيا لما يكفي من موارد سياسية وعسكرية ومادية تجعلها نخب قادرة على صناعة قرار سياسي دون اللجوء لأطراف أخرى، من ناحية ثانية. فمنذ بدء الأزمة الليبية بعد انقسام عام ٢٠١٤ بين الشرق والغرب، كانت دول الجوار، خاصة مصر وتونس والجزائر، نظرًا لما تملكه الدول الثلاث من ثقل سياسي وعسكري وإقليمي، جزء لا يتجزأ من القرار السياسي، فكانت مصر هي مكان صناعة القرار السياسي في شرق ليبيا، ولعبت الجزائر وتونس الدور ذاته فيما يتعلق بصناعة القرار السياسي في غرب ليبيا، وهو نتاج طبيعي لارتباط مصالح كل دولة من الدول الثلاث بعدد من الفاعلين القادرين على حماية هذه المصالح داخل ليبيا، واعتماد الفاعلين في الداخل الليبي على الدعم المقدم من كل دولة في إطار حماية هذه المصالح. وبالتالي، فإن أبسط تعارض في الرؤى بين هذه القوى الإقليمية الثلاث قادر على خلق حالة من الانسداد السياسي والركود، وهي الحالة التي مرت بها ليبيا بعد توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر ٢٠١٥ وحتى الآن، بالرغم من حجم الدعم الذي قدمته الدول الأوروبية والأمم المتحدة لهذا الاتفاق بهدف تفعيله.

وهكذا، يمكن القول إن آلية دول الجوار في الحالة الليبية أثبتت فاعليتها كأداة لتحقيق الاستقرار السياسي في ليبيا، وهو ما عبر عنه تراجع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من المشهد، وتزايد حجم الدعم والترحيب بتلك الآلية والدور الذي تقوم به من قبل بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

وفي هذا السياق، جاء البيان الصادر في ٢٠ فبراير ٢٠١٧ بعنوان "إعلان تونس الوزاري لدعم التسوية السياسية الشاملة في ليبيا" بعدد من النقاط الإيجابية، كان على رأسها التأكيد على وجود موقف موحد بين كل من مصر والجزائر وتونس بخصوص مستقبل التسوية السياسية في ليبيا. كما أعلن البيان عن إقامة قمة رئاسية ثلاثية في الجزائر العاصمة بين رؤساء الدول الثلاث. وباستثناء الإعلان بشكل واضح عن توافق الدول الثلاث حول مستقبل التسوية السياسية في ليبيا، لم يكن هناك كثير من الاختلاف بين نتائج الاجتماع الوزاري وبين البيان الذي أصدرته الخارجية المصرية في ١٤ فبراير ٢٠١٧ بعد اجتماعات مصرية مع كل من خليفة حفتر وفايز السراج وعقيلة صالح. ومن مجمل نتائج اجتماعات القاهرة وتونس، نستطيع أن نرسم نوعًا من خارطة الطريق التي من المتوقع أن تسعى كل الأطراف للمضي قدمًا في تفعيلها خلال الفترة المقبلة.

لقد أكدت البيانات الصادرة من القاهرة ومن تونس أن الإطار السياسي الذي تم التوصل إليه من خلال اتفاق الصخيرات لازال فاعلًا، ويعد هو المرجعية الشرعية للدولة الليبية حتى الآن، وهو في حد ذاته مكسب مهم بالنظر إلى حجم الصعوبات التي ستواجه محاولات البدء في جولات جديدة من الحوار بهدف التوصل لإطار توافقي جديد. كما أكد البيانان على كون الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر هو القوة العسكرية الشرعية للدولة، وهو ما يعد انتصارًا سياسيًّا لخليفة حفتر الذي لم يكن مرحبًا به من جانب الجزائر في الفترة الماضية. ولكن يبدو أن الرؤى توافقت على ضرورة تعديل عدد من بنود الاتفاق. ولذا فإن الخطوة المنطقية خلال المرحلة القادمة هي تشكيل لجنة من مجلس النواب ومجلس الدولة لتعديل عدد من بنود الاتفاق. وفي الأرجح سينال التعديل وضع القوات المسلحة داخل هيكل الدولة من خلال إنشاء مجلس أعلى للقوات المسلحة يتبع مجلس النواب، وتعديل عدد أعضاء المجلس الرئاسي والاكتفاء برئيس ونائبين أو ثلاثة على أقصى تقدير. بعد ذلك تعرض هذه التعديلات على مجلس الدولة، ويرفعها بدوره لمجلس النواب. وإذا ما تم إجازتها من مجلس النواب، ستشكل حكومة توافق تسير أمور الدولة حتى الانتهاء من كتابة الدستور وإقامة انتخابات برلمانية ورئاسية خلال عام ٢٠١٨.

وبالرغم من كون خارطة الطريق التي توصلت إليها دول الجوار، والتي تشبه كثيرًا في طياتها خارطة الطريق التي اتبعتها مصر بعد يوليو ٢٠١٣، تبدو واعدة، إلا أن محاولات تحقيقها لن تخلو من تحديات أساسية، يتعلق أولها بالداخل الليبي. وهنا يمكن القول إنه لن يكون بإمكان ليبيا الوصول لتسوية سياسية كاملة دون التخلص من ظاهرة الميليشيات التي لن تقبل بأي إطار سياسي، ولن تندمج في هيكل القوات المسلحة أو أي كيان مسلح شرعي آخر في الدولة، وبالتالي ستتحول هذه الميليشيات إلى تهديد أمني مستمر في سياق من التصعيد العسكري أشبه بحرب الشوارع. ثاني هذه التحديات هي الخلافات المحتمل حدوثها بعد رفع حظر التسليح عن الجيش الليبي في حال أجاز مجلس النواب حكومة الوفاق، حيث سيخلق هذا البعد تحديات داخلية لها علاقة بتغير موازين القوى العسكرية وكيف سينعكس هذا التغير سياسيًّا، وأخرى خارجية لها علاقة بالدول التي ستلجأ لها الدولة الليبية للتسليح. ثالث هذه التحديات هو موقف الاتحاد الأوروبي الذي لم يعد موحدًا بشأن الأزمة الليبية، وحرص إيطاليا على وجه الخصوص على الحفاظ على حلفائها داخل ليبيا وضمان وجودهم داخل الأطر السياسية الشرعية في مرحلة ما بعد الاتفاق، خاصة أن إيطاليا تعتمد على عدد من الميليشيات في الغرب لتأمين مصالحها، وهي قوى عسكرية قد لا ترضى بالعمل تحت قيادة خليفة حفتر.

وفي النهاية، لا يمكن أن نتوقع وقتًا قريبًا لنهاية حالة الانقسام السياسي والصراع العسكري في ليبيا، ولكن ما أثبتته مصر وتونس والجزائر مؤخرًا أن آلية دول الجوار قادرة على خلق إطار سياسي قادر على التوصل لتسوية، ولكن يظل تفعيل هذا الإطار مرهون بحجم الدعم الذي ستتلقاه الأطراف الليبية المتوقع منها التعاون للتوصل لتسوية سياسية شاملة.


رابط دائم: