متابعات تحليلية - مصر

العمليات الإرهابية: المسارات والخصائص منذ يناير ٢٠١١

طباعة

جلبت ثورات الربيع العربي العديد من الانجازات علي المستوي السياسي٬ ولكنها طرحت حزمة من الاشكاليات والتحديات علي المستوي الأمني نتيجة انتشارالجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة بدول المنطقة٬ تلك التحديات كانت ومازالت مطروحة أمام الدولة المصرية، فخلال السنوات الست الماضية شهدت الدولة المصرية تنامي في عدد العملياتالإرهابية والتي أخذت مسارات واشكال مختلفة عما كانت عليه قبل ثورة ٢٥ يناير، خاصة  من حيث المستهدف من قبل التنظيمات الارهابية نتيجة لاختلاف البيئة الحاضنة للتنظيمات الإرهابية عما كانت عليه قبل ثورات الربيع العربي، والتي أفرزت بنية تنظيمية جديدة للتنظيمات الإرهابية٬ وهو ما يدفعنا لتحليل خصائص واسباب ومسارات العمليات الإرهابية في مصر منذ ثورة يناير وحتي الآن ٬ وهي الفترة الزمنية التي يمكن تقسيمها الي أربع مراحل مختلفة علي النحو التالي:

اولا: المرحلة الانتقالية الاولي (حكم المجلس الاعلي للقوات المسلحة) 11 فبراير 2011/ 29 يونيو2012

شهدت المرحلة الانتقالية الأولي التي تلت الإطاحة بالرئيس الأسبق مبارك حالة من السيولة الامنية نتيجة ضعف أداء قوات الأمن الداخلية (الشرطة)٬ وانهيار جهاز المعلومات الداخلي٬ مما فرض علي قوات الجيش القيام بعمل الشرطة المحلية بجانب أداء مهام القوات المسلحة التقليدية٬ تلك الحالة الضاغطة علي القوات المسلحة تزامنت مع حالة عدم الاستقرار السياسي والامني باغلب دول منطقة الشرق الأوسط، ووصلت لذروتها بانهيار كامل للدولة الليبية علي الحدود الغربية لمصر، وتحول الحراك الثوري في سوريا لحالة من الاقتتال المسلح٬ في وقت تتنامي الجماعات والمليشيات الإرهابية في العراق. ساعد هذا الوضع علي احياء بعض العناصر الارهابية في مصر وخصوصا في سيناء بالقيام ببعض العمليات الارهابية٬ حيث شهدت المرحلة الانتقالية الأولي العديد من العمليات الإرهابية والتي وصلت لحوالي (٢٥) عملية ارهابية تمركزت في شمال سيناء٬ ويمكن تحديد مسارات العمليات الإرهابية خلال المرحلة الانتقالية الاولي من ١١ فبراير ٢٠١١ وحتي ٢٩ يونيو ٢٠١٢ الي مستويين:

المستوي الأول: العمليات الإرهابية المنفردة.

مع قيام ثورة يناير ٢٠١١ نشطت بعض العناصر الإرهابية من السلفية الجهادية بسيناء بالقيام ببعض العمليات الارهابية علي نمط ما يسمي (بالذئاب المنفردة)٬ حيث تركزت تلك العمليات الإرهابية علي مستهدف واحد بتفجير خطوط الغاز بسيناء (خط الغاز المصري الاردني)٬ حيث شهدت تلك المرحلة حوالي (١٥)عملية تفجير لخط الغاز من أصل (٢٥) عملية إرهابية شهدتها نفس الفترة وكانت أول عملية إرهابية تشهدها مصر بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ بقيام عناصر بتفجير خط الغاز بمدينة العريش يوم ٥ فبراير ٢٠١١.

المستوي الثاني: توحيد العناصر الإرهابية تنظيم (التوحيد والجهاد).

 مع منتصف عام ٢٠١١ بدا النشاط الإرهابي في سيناء يأخذ منحي جديد بعد محاولات بعض التنظيمات الارهابية بتوحيد عمل العناصر المتطرفة بسيناء تحت راية تنظيمية واحدة، ونجح في ذلك تنظيم (التوحيد والجهاد)، فأخذت العمليات الإرهابية منحي تصاعدي من العنف، فخلال تلك الفترة (فبراير ٢٠١١ ـ يونيو ٢٠١٢)، وقعت (١٩ ) عمليات ارهابية كبري اسفرت عن سقوط ضحايا في صفوف قوات الأمن المصرية ٬ فكانت العملية التي وقعت في ٢٩ يوليو ٢٠١١ واسفرت عن مقتل خمسة من بينهم ضابط بالقوات المسلحة  بمثابة اعلان عن بدء قيام العناصر الارهابية بعمليات ارهابية كبرى. ثم توالت العمليات الإرهابية بقوة بالهجوم علي فندق طابا في ١٠ يناير ٢٠١٢ ٬ والاستيلاء علي سيارة لقوات الأمن المركزي واستشهاد بعض القوات بمنطقة الحسنة بوسط سيناء في ٢٤ مارس ٢٠١٢ ٬ وانتهت فترة حكم المجلس الاعلي للقوات المسلحة بقيام العناصر الارهابية بالهجوم علي نقطة أمنية بمنطقة فيران بجنوب سيناء، واسفرت تلك العملية عن استشهاد مجندين. ومع انتهاء فترة حكم المجلس الاعلي للقوات المسلحة وبدء المرحلة الدستورية الاولي بتولي الرئيس الاسبق محمد مرسي، تم الإعلان عن قيام تنظيم (اكناف بيت المقدس)، والذي يعتبر اللبنه الاولي لتنظيم (انصار بيت المقدس) في سيناء.

ثانيا:  المرحلة الدستورية الاولي (الرئيس الاسبق محمد مرسي)  30يونيو 2012 /  3 يوليو 2013

١١ عملية إرهابية و ٢٢ ضحية من قوات الامن المصرية في سيناء خلال عام هو فترة حكم الرئيس الأسبق. بدأ محمد مرسي فترة حكمة بحدوث أكثر العمليات الإرهابية عنفا باستشهاد ١٦ ضابط وجندي مصري من قوات الشرطة بمنطقة رفح في ٥ اغسطس ٢٠١٢ ٬ تلك العملية التي تعتبر نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني المصري، ففي أعقاب تلك العملية تم الغاء الاعلان الدستوري الصادر في ١٧ يونيو ٢٠١٢ ، والذي يعطي الحق للمجلس الاعلي للقوات المسلحة في مناقشة الموازنة العسكرية وحق الاعتراض علي بعض بنود الدستور المقترحة٬ ثم اعقب هذا الالغاء اجراء تعديلات عسكرية بخروج المشير طنطاوي وزير الدفاع والفريق سامي عنان رئيس اركان حرب القوات المسلحة وبعض القيادات العسكرية والأمنية من الخدمة وتولي المشير عبد الفتاح السيسي منصب وزير الدفاع٬ وتولي اللواء رافت شحاته منصب مدير المخابرات العامة كبديل للواء مراد موافي٬ لذلك تعتبر تلك العملية الإرهابية واحدة من أكثر العمليات الارهابية تاثيرا ليس فقط من حيث عدد ضحايا العملية ولكن لتأثير تلك العملية علي صياغة المشهد السياسي والامني بمصر خلال المرحلة الثانية فيما بعد ثورة ٢٥ يناير.

ثالثا: المرحلة الانتقالية الثانية (الرئيس عدلي منصور) 4 يوليو 2013 / 7 يونيو 2014

شهدت المرحلة الانتقالية الثانية في اعقاب ثورة ٣٠ يونيو  وعزل الرئيس الاسبق محمد مرسي تنامي في معدلات العمليات الإرهابية، والتي أخذت مستويات وانماط مختلفة عما كان يحدث خلال عامي ٢٠١١ ٬ و٢٠١٢ ٬ بجانب اتساع رقعة العمليات الارهابية لتخرج من حيز سيناء لتنتقل للعمق المصري في الوادي والدلتا ٬ مع تزايد في معدلات العنف تجاه الكنائس المصرية. وصلت عدد العمليات الارهابية خلال تلك الفترة من (٤ يوليو ٢٠١٣ ـ ٧ يونيو ٢٠١٤) حوالي (٢٢٢) عملية إرهابية٬ واتسمت تلك العمليات بقوتها واتساعها وتنوع المستهدفات، حيث سعت بعض العناصر الإرهابية لاستهداف اللواء اركان حرب احمد وصفي قائد الجيش الثاني اثناء تفقده القوات بمنطقة الشيخ زويد في ١١ يوليو ٢٠١٣، وهي أول محاولة لاستهداف احد القيادات العسكرية بالجيش المصري٬ ثم جاءت العملية الإرهابية الأكبر من حيث عدد الضحايا باستشهاد ٢٥ ضابط وجندي في ١٩ اغسطس ٢٠١٣ والتي عرفت بمذبحة رفح الثانية٬ وتنوعت العمليات الإرهابية خلال تلك الفترة لتشمل اغلب محافظات الجمهورية.

رابعا: المرحلة الدستورية الثانية ( الرئيس عبد الفتاح السيسي) 8 يونيو 2014 وحتي ٢٥ يناير ٢٠١٧

١٠٠٣ عملية هي مجمل العمليات الإرهابية التي وقت خلال المرحلة الدستورية الثانية في الفترة من (يوليو ٢٠١٤ وحتي ٢٥ يناير ٢٠١٧)٬ وهي فترة خكم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.  وقد اتسمت تلك الفترة بخصائص واشكال مختلفة من العمليات الإرهابية، فعلي الرغم من استمرار تصدر محافظة شمال سيناء كواحدة من اعلي محافظات الجمهورية التي تقع بها عمليات إرهابية، وأيضا من حيث عدد ضحايا قوات الامن المصرية، الا ان تنوع المستهدفات في العمق المصري (الوادي والدلتا) اخذ اشكال جديدة من حيث استهداف شبكات الكهرباء والبنية التحتية ووسائل النقل، بجانب استهداف بعض المؤسسات الاقتصادية الخاصة٬ وخصوصا خلال عام ٢٠١٥. وكان المستهدف الجديد بالنسبة للتنظيمات والعناصر الإرهابية خلال هذه المرحلة الدستورية هو استهداف رجال القضاء، وكان ابرز تلك العمليات هو استهداف موكب النائب العام الراحل (هشام بركات) بجانب قيادات عسكرية كبري وبعض الشخصيات العامة. وعلي الرغم من ارتفاع نسبة العمليات الارهابية خلال تلك المرحلة إلا أن منحي العمليات الإرهابية في العمق المصري (الوادي والدلتا) خلال عام ٢٠١٦ اخذ في الانخفاض، وانحصرت اغلب العمليات الارهابية في محافظة شمال سيناء، وخصوصا في المنطقة الواقعة شرق مدينة العريش وغرب خط الحدود مع قطاع غزة.

خامسا: خصائص العمليات الإرهابية منذ ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١

ثمًّة عدد من الخصائص اتسمت بها العمليات الإرهابية في مصر، والتي من أهمها:

استهداف قوات الأمن من الجيش والشرطة: اعتمدت إستراتيجية الجماعات الإرهابية في مصر على استهداف قوات الجيش والشرطة بشكل أساسي، حيث بلغ إجمالي عدد الضحايا من الجيش والشرطة في الفترة من 30 يونيو 2013 وحتي ٢٥ يناير ٢٠١٧ حوالي (٩٠٠) شهيد من قوات الامن (جيش وشرطة).

- استهداف البنية التحتية للدولة: اعتمدت الجماعات الإرهابية في مصر خلال المرحلة الماضية منذ 30 يونيو 2013 على تنفيذ عدد هائل من الأعمال الإرهابية، من خلال تفجير العبوات الناسفة والهيكلية (ويُطلق على العبوات الناسفة مصطلح "أجهزة التفجير العشوائي" (Improvised Explosive Device- IED، فهي غير مُخصصة لغرض محدد مثل الأسلحة الأخرى الخفيفة والثقيلة) وتدمير البنية التحتية للدولة والتي تتمثل في أعمدة الكهرباء ومواسير المياه ومؤسسات الدولة، فضلاً عن أعمال حرق المنشآت ووسائل المواصلات وتفجير سيارات مفخخة وإطلاق النيران.

- استهداف الشركات الاقتصادية والتجارية الخاصة: بداية من عام 2015، أصبحت هناك أهداف جديدة للإرهاب، فمنذ شهر مارس ٢٠١٥ شنًّ عدد من العناصر الإرهابية هجمات على بنكين، ومول تجاري، وأحد فروع شركات الاتصالات، ومدرسة للتعليم الابتدائي في الإسكندرية، والهجوم على أحد مطاعم فروع كنتاكي في القاهرة، ويشير كون معظم هذه الهجمات لم ينجم عنها أي إصابات، إلى التحول في إستراتيجية الجماعات المسلحة من استهداف قوات الأمن إلى استهداف المؤسسات المدنية.

- استهداف الأماكن السياحية: شنت الجماعات الإرهابية هجوماً في منتصف يونيو ٢٠١٥ على معبد الكرنك بالأقصر، التي يتوافد إليها ملايين السياح الأجانب، إثر تفجير انتحاري أسفر عن مقتل شخصين وإصابة آخر، وقد أعلن أحد عناصر تنظيم "بيت المقدس"، ويُدعى "أبو عبيدة المصري"، عن مسؤولية التنظيم عن التفجيرات في معبد الكرنك، مُهدداً بهدم ما وصفه ب"الحضارة الفرعونية". وجاء مقتل اثنين من ضباط الشرطة في العملية الإرهابية التي وقعت خلال نهاية عام ٢٠١٥ بالقرب من أهرامات الجيزة لتعلن عن مستهدف جديد بالنسبة للتنظيمات الارهابية، وكانت حادثة استهداف الطائرة الروسية هي الأكبر والأكثر تأثيرا علي قطاع السياحة في مصر

- استهداف القضاة والمحاكم: أخذت التنظيمات والجماعات الإرهابية منحي جديد باستهداف رجال القضاء، حيث بدأ التصعيد ضد القضاة مع الانتخابات الرئاسية باستهداف القضاة المشرفين علي العملية الانتخابية في مدينة العريش، حتي وصل الامر لاستهداف موكب النائب العام المصري (هشام بركات) مما اسفر عن استشهاده٬ وكان اخر تلك المحاولات هو استهداف النائب العام المساعد في أواخر عام ٢٠١٦.

سادسا: أسباب تصاعد العمليات الإرهابية

1-   عدم وجود إستراتيجية واضحة لمحاربة الإرهاب: فبالرغم من بعض النجاحات التي حققتها الأجهزة الأمنية في مواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية، إلا أنها لا تزال محدودة. وبالنظر في منحي العملياتالإرهابية نجد أن الأعمال الإرهابية المنفذة مرتفعة مقارنة بتلك العمليات التي يتم إبطالها قبل وقوعها من قبل قوات الأمن.

2-   توفر بيئة إقليمية حاضنة للإرهاب: حيث تتواجد الجماعات الإرهابية في المحيط الإقليمي للبلاد بشكل كبير، ويسيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية، فضلاً عن وجوده في ليبيا المتاخمة للحدود المصرية، مما يعني بكل تأكيد دخول بعض العناصر الإرهابية إلى البلاد وقيامها بتنفيذ عمليات إرهابية وتجنيد شباب مصريين للانضمام إلى صفوفها.

3-   أزمة مزدوجة: هناك أزمة متعددة الابعاد في منطقة شمال سيناء تتداخل فيها عناصر مختلفة من فقر الي بطالة بين أبناء سيناء، بجانب توتر في العلاقة بين بعض الافراد والدولة، وهو ما يحتاج لإستراتيجية وتكتيك يساعد علي حل تلك الازمات وغيرها.

وفي النهاية، يمكن القول أن انتشار الإرهاب في مصر ليس أمراً غريباً في ظل البيئة الإقليمية الحاضنة للإرهاب وانتشار التنظيمات الإرهابية والمسلحة بدول المنطقة٬ خاصة تلك التي شهدت توترات سياسية في سياق ثورات الربيع العربي. هذا الوضع الاقليمي ساعد علي انتشار العمليات الإرهابية بمصر وتنوع اهداف وتكتيكات التنظيمات الارهابية، وهو ما يحتاج الي تكتيكات غير تقليدية من قبل الدولة المصرية لمواجهة تنظيمات ارهابية غير تقليدية تعتمد علي حرب العصابات بفكر قتالي عالي مع امتلاك تلك التنظيمات والجماعات ادوات اتصال حديثة وشبكات اتصال مع تنظيمات إرهابية إقليمية.

 وأخيرا؛ يمكنا القول أن هناك نجاحات تتحقق في مواجهة التنظيمات الإرهابية بمصر خلال الفترة السابقة ولكن اعتمادا علي عنصر واحد وهو العنصر الامني (وهو مهم وأساسي)٬ ولكن إستراتيجية مواجهة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة تحتاج حزمة من العناصر بجانب العنصر الأمني حتي تتمكن الدولة المصرية من الحد من العمليات الإرهابية.

طباعة
أحمد كامل البحيري

باحث متخصص في شئون الإرهاب