متابعات تحليلية - العالم

تصاعد ظاهرة "التطرف" في المجتمع التركي

طباعة

تشهد تركيا صعود لظاهرة "التشدد الديني" وتنامي التيارات الراديكالية في أوساط المجتمع، وذلك في ظل تعاظم أثر السياسات التي تبنتها حكومة حزب العدالة والتنمية، وأفضت إلى تحول البلاد خلال السنوات الماضية إلى "ممر آمن" للحركات الجهادية والتيارات العنيفة، بما شكل، من ناحية، بيئات حاضنة لجماعات وتيارات متطرفة، وأفضى، من ناحية أخرى، إلى انتشار التعاطف مع بعض الحركات الجهادية التي تقوم بعمليات إرهابية على الساحتين الإقليمية والدولية، وذلك على النحو الذي ترتب عليه تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية على الأراضي التركية، وبروز ظواهر طارئة من قبيل تزايد أعداد الأتراك المنضوين في التنظيمات الجهادية أو ما يعرف بـ"الدواعش الأتراك".

ارتبط ذلك بطبيعة السياسات التركية التي دعمت تيارات الإسلام السياسي على مسرح عمليات الإقليم، وعملت على الساحة المحلية من أجل إعادة هندسة المجتمع، لتنتج تطرفاً مضاداً للتطرف العلماني، على نحو بات يعبر عن وهن "الدولة المتجذرة" أو "الدول العميقة" واستقواء "المجتمع المتدين".

وقد تعلق ذلك، على جانب آخر، بتوسع الحكومة التركية في استنساخ "النموذج الباكستاني"، الذي غالي في اختراق الجماعات الإسلامية ونسج علاقات معقدة مع تنظيم طالبان، ووظفه للسيطرة على الساحات المنفلتة في الجوار المباشر، وفي إطار خدمة المصالح الاستراتيحية، وفق ما يطلق عليه في الأدبيات "البرجماتية الرخيصة".

ومع أن الدولة التركية ومؤسستها "العميقة" وظفت الدين تاريخيا في إطار الصراعات السياسية مع القوى الحزبية، وفي مواجهة الأيديولوجية الشيوعية والجماعات اليسارية، غير أن انتشار الدروس الدينية في المساجد والتوسع في الزام المدارس بمناهج محددة، وتضاعف أعداد فصول القرآن، لم تكن أبدا على وتيرة ما شهدته البلاد في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، لا سيما أن ذلك ترافق مع تبلور ملامح واضحة لإعادة تديين المجال العام، وتصاعد مظاهر الترحيب التركي بالتحول إلى قبلة الجماعات الإسلامية، بشتى تياراتها، ومن ضمنها السلفية الجهادية.

ترتب على ذلك أن شهدت مدن تركيا المختلفة خلال السنوات الحالية ما يشبه هجرة إسلامية كتلك التي شهدتها باكستان مع بدايات عقد الثمانينيات من القرن الماضي من قِبل أنصار الحركات الإسلامية المتطرفة في العالم العربي، فيما الهجرة إلى تركيا شملت أسرابا من دول عربية وآسيوية وغربية، بما خلق تحديات مركبة بالنسبة للداخل التركي، وكذلك بالنسبة لدول الجوار والإقليم.

وعلى الرغم من إرساء مصطفى كمال أتاتورك حاجزا لمنع الدين من التسلل إلى المؤسسات الرسمية، وإعطاء تركيا طابعا غربيا ميزها في نطاقها المحيط، غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مؤخرا، جعلت من إظهار "الورع الديني" أحد تكتيكات الترقي والتغلغل في مؤسسات الدولة، ليصل الإسلاميون إلى مختلف المناصب، خاصة التعليمية والدبلوماسية والسياسية، كما أصبح استعراض التقوى الدينية ضمانا للحصول على عقود حكومية ووظائف وترقيات مختلفة، بما انتج "جبل عميق" متراص ومتماسك، يتسابق لإظهار التشدد الديني، والدفاع عن السياسات الحكومية في هذا المجال على المستويين المحلي والإقليمي.

لم ينفصل عن ذلك ما أعلن عنه إسماعيل كهرمان، رئيس الجمعية الوطنية التركية، بشأن أهمية إعادة صياغة الدستور التركي على نحو ينسجم مع هوية تركيا الإسلامية، كون العلمانية لم تعد تتناسب مع جوهر الهوية التركية. ذلك رغم أن علمانية الدولة تأتي بمقتضى مادة "محصنة" في الدستور، الذي تشكل محاولات تغييره دافعا إلى تعبير بعض الأدبيات عن ذلك بمقولة "انتحار الجمهورية الكمالية"، التي باتت تشهد بدورها تصاعد أدوار البرجوازية الإسلامية الجديدة أو ما يطلق عليه ظاهرة "الكافيني الإسلامي"، وهى ظاهرة غدت تجسد اتساع حضور رجال الأعمال الإسلاميين، الذين يسيطرون على المشهد الاقتصادي والسياسي، بفعل الولاء المتبادل مع حكومة حزب العدالة والتنمية.

يرتبط ذلك، على جانب آخر، بأثر ما يمكن تسميته "ترييف العلمانية"، جراء التغيرات السكانية الكبيرة، التي ترتبت على عمليات الهجرة التي شهدتها البلاد خلال العقود السابقة من الريف إلى المدينة، بما سمح لأمواج هادرة من "الطيور النازحة" إلى قلب المدن بإظهار عاداتها وتقاليدها السلوكية والدينية بجرأة، بفعل تحولات السياسات الحكومية.

وبينما لم يفض هذا التحول إلى تشكيل أي تهديد حقيقي لأمن الدولة التركية وجوارها سابقا، خاصة أن الأتراك تاريخيا لم يكن لهم ماض مشهود له في جماعات وشبكات الإرهاب الدولي، غير أن السياسات الحكومية ساهمت في تصاعد غير مسبوق لزحف الراديكالية إلى المجتمع التركي، إذ تشير تقديرات إلى وجود أكثر من ثلاثة آلاف تركي في التنظيمات الجهادية الموجودة في سوريا، منهم ما بين 750 إلى 1000 شخص في صفوف تنظيم داعش.

كما شهدت تركيا إقدام بعض المشايخ على إقامة "صلاة الغائب" على أرواح عناصر داعش الذين قتلوا في سوريا والعراق، ولم يكن ذلك مقصورا على بعض المناطق الريفية أو الهوامش الحدودية، وإنما أيضا شمل قلب أحياء بعض المدن الرئيسية، كحى الفاتح في مدينة إسطنبول، حيث قام البعض برفع شعارات وأعلام "داعش" بعد صلاة الجمعة.

وظهرت أيضا، مجموعات موالية للتنظيمات الجهادية في الجامعات التركية، كتلك التي أطلق عليها "الشباب المسلم"، وهم يضعون أقنعة سوداء على وجوههم، ويرتدون قبعات سوداء، ويقومون بالاعتداء على النشطاء والمجموعات الأخرى التي تعارض انتشار مؤيدي داعش في الجامعات التركية المختلفة، وبات هناك محلات تبيع هدايا تذكارية تحمل رموز داعش، مثل الرايات والملصقات والأعلام.

كما برزت خلال السنوات الماضية "شركات مشبوهة" تصدر شهادات عمل تمكن الجهاديين من الحصول على إقامة رسمية في تركيا لمدة عام، وغدت عناوين المقاهي التركية، التي يتم من خلالها التواصل مع عناصر الجماعات الجهادية، وتشهد عمليات تجنيد علني للمواطنين، معروفة ومنتشرة في أكثر من منطقة، سواء في إسطنبول أو في أغلب المدن الحدودية مع الأراضي السورية، والتي شكلت "ممرات آمنة" أو "طرق جهادية سريعة" للعناصر الراغبة في الانضمام للتنظيمات المتطرفة، سواء جاءوا من مدن تركيا المختلفة أو من مناطق قاعدية أخرى.

أفضت المعطيات السابقة إلى تشكيل حواضن شعبية في العديد من المناطق الحدودية، بما جعل الأكراد، الذين يعانون من تهميش وإقصاء سياسي ومجتمعي، يمثلون نحو 65 في المئة من أعداد الأتراك المنضوين في التنظيمات الجهادية. وقد تزايدت ظاهرة الأكراد الدواعش في المجتمع الكردي - يشكل نحو ١٥٪ من المجتمع التركي - في مدن مثل بيتلسي، ودبينغول، وإيلازيغ.

وثمة تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 600 مقاتل في صفوف التنظيمات الجهادية من بلدة بينغول وحدها، والتي تقع شرق الأناضول، ويبلغ عدد سكانها نحو 250 ألف مواطن، معظمهم من أكراد الزازا، وهم أكراد من أصول إيرانية، هذا فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد أكبر من ذلك، وأن أغلب المناطق الكردية لم تعد مفرخة لعناصر حزب العمال الكردستاني، وإنما أيضا لتنظيمات داعش و"جبهة فتح الشام"، لا سيما في مدن مثل ديار بكر، وأدايمان، والذين يأتون من الجيل الثاني لحزب الله الكردي السلفي.

وثمة مخاوف من عودة شبح الاضطرابات وموجات العنف التي شهدتها تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي، ليس فقط بسبب محاكاة التنظيمات الكردية كميليشيا الشباب الكردي الثورى لتكتيكات التنظيمات المتطرفة بفعل المعايشة والجوار والمواجهات العسكرية عبر الحدود، وإنما أيضا لعودة حركة "الذئاب الرمادية" أو ما يسمى حركة الشباب القومي اليميني المتطرف، التي تورطت في أعمال عنف سابقة ضد اليسار التركي، خاصة في ظل تصاعد مؤشرات تشكل جماعات من الذئاب الرمادية من جانب تنظيم داعش.

لذلك، فإن الكلمات التي رددها الضابط في عمليات مكافحة الشغب، مولود الطشطاش، في 10 ديسمبر الماضي بعد اغتياله للسفير الروسي في أنقرة، لم تعبر عن محض تغلل الأفكار المتطرفة إلى داخل الأجهزة الأمنية التركية، التي باتت مخترقة من قبل الجماعات الراديكالية، وإنما تعكس أيضا أفكار حاكمة لدى اتجاهات ومجموعات عريضة في تركيا، باتت تحتفي بالعمليات الإرهابية التي تشهدها بعض العواصم الغربية، وترفض الوقوف دقيقة حداد على أرواح ضحاياها قبيل بدء بعض المباريات الدولية التي يحضرها مسئولون أتراك وغربيون، كما باتت تطلق العنان للاحتفالات، عبر سيارات تجوب بعض الشوارع وترفع أعلام داعش في أعقاب بعض التفجيرات الإرهابية التي شهدتها عواصم أوروبية.

ولعل الصورة التي تظهر مواطناً تركياً يقوم بذبح جندي تركي على جسر البوسفور، أو تلك التي تُظهر مواطنين في شوارع إسطنبول يقتادون جنودا عراة أو يضربون البعض منهم، وهم يغطون رؤوسهم خوفا، تعبر بدقة عن نمط التحولات التي شهدتها الدولة التركية من راديكالية زحفت إلى قطاع عريض في مجتمع اتصف سابقا بالاعتدال والابتعاد عن العنف والتطرف.

طباعة
محمد عبد القادر خليل

مدير برنامج تركيا والمشرق العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية