متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

إعلان موسكو الثلاثي: مسار سياسى جديد في سوريا

طباعة

التحول النوعى فى مسار الصراع السورى لصالح النظام منذ بدايات العام الماضى وحتى نجاحه فى السيطرة على مجمل شرق مدينة حلب وإخراج المعارضة المسلحة منها يفرض انعكاسات سياسية غاية فى الأهمية على الترتيبات الدولية والإقليمية المرتبطة بالأزمة السورية؛ ويدفع إلى تدشين مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية مع الأطراف المعنية بالأزمة، والتى من المفترض أن ينطلق الموقف الروسى-السورى المشترك فيها من أرضية هذا التطور الميدانى الجديد. هذه المرحلة بدأت فعليا بهدنة اتفقت عليها ثلاثة قوى هى روسيا وتركيا وإيران فيما عرف بإعلان موسكو الثلاثى فى العشرين من ديسمبر ٢٠١٦، ودخلت حيز التنفيذ منتصف ليلة الثامن والعشرين من الشهر نفسه بعد موافقة أكثر من 12 فصيل من المعارضة المسلحة عليه، ويستثنى هذا الاتفاق كل من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وجبهة فتح الشام "النصرة سابقا" منه. فى هذا السياق يمكن تحليل مدى أهمية هذا الاتفاق وقدرته على فرض الهدنة واستمرارها فى ظل حجم التفاهمات والتباينات فى الرؤى بين القوى المذكورة.

توصلت كل من روسيا وتركيا إلى اتفاق يؤسس لوقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة ويكون انطلاقة نحو مفاوضات سياسية جديدة محتملة، وقد مثل الاتفاق انعكاسا لحالة من "التفاهمات" فى الرؤى بشأن الصراع السورى بين الجانبين، وهى الحالة التى بدأت منذ الانعطافة التركية تجاه روسيا ببدء المصالحة فى أعقاب حادثة إسقاط الطائرة الروسية فى المنطقة الحدودية التركية السورية، وهى خطوة نوعية بددت حالة التعارض التى سادت العلاقة بين الطرفين فيما يتعلق بالملف السورى؛ ودشنت فى الوقت نفسه خريطة تفاهمات ذات أبعاد دولية وإقليمية جديدة تختلف إلى حد كبير عن تلك التى كانت سائدة منذ اندلاع الصراع وحتى الآن، الأمر الذى يدفع إلى التساؤل حول ماهية تلك التفاهمات الجديدة ومدى تأثيرها على مسار الأزمة السورية     

تجدر الإشارة إلى أننا بصدد الحديث عن حالة من التقارب والتفاهم وليست حالة من التطابق أو التحالف فى الرؤى بين أنقرة وموسكو، وهى حالة تركت فيها تركيا موقعها المساند للمعارضة واقتربت من المعسكر المضاد الذى تشكله روسيا وإيران؛ من باب استيعاب تداعيات حالة التبدل الإستراتيجى فى ميزان القوى العسكرى الميدانى لصالح النظام خاصة بعد حسم معركة حلب لصالحه بمعاونة روسيا والميليشيات الإيرانية والشيعية المتحالفة معه، واستثمارا كذلك لدخولها الأراضى السورية لمواجهة كل من تنظيم الدولة الإسلامية " داعش"، وقوات سوريا الديمقراطية الكردية عبر عملية درع الفرات التى تمت بموافقة كل من روسيا والولايات المتحدة، واعتبرتها تركيا معركة مصيرية بالنسبة لأمنها القومى، واستهدفت منها منع التواصل الجغرافى للكيانات الكردية السورية بالقرب من حدودها، ومنعها كذلك من التواصل مع حزب العمال الكردستانى التركى المعارض.

حصول تركيا إذن على موافقة كل من واشنطن وموسكو بالتدخل فى الأراضى السورية عبر درع الفرات كان له مقابل وثمنا وجب عليها دفعه، وتمثل فى تحول موقفها نوعيا من المعارضة، لأنها باتت فى  أمس الحاجة إلى استمرار حالة الموافقة الروسية على بقاء قواتها داخل سوريا حتى تستطيع تحقيق هدفين رئيسيين : الأول، إحكام الطوق على تطلعات الكيانات الكردية فى الانفصال أو فى تدشين نظام فيدرالى كأحد تسويات الصراع السورى المحتملة. والثانى، توسيع مساحة توغلها داخل الآراضى السورية وصولا إلى مدينة الباب بعد سيطرتها على مجمل الشريط الحدودى شمال حلب والممتد من إعزاز وحتى جرابلس؛ أى إجراء عملية تطوير فعلى على عملية درع الفرات من حيث الاستمرارية ومن حيث نطاق الانتشار لقواتها بالداخل السورى، وترجمة نتائج هذا التطوير فى مطلب تركى مهم وهو استبعاد الأكراد السوريين من معادلة الحل السياسى المأمولة، أو على أقل تقدير تبني وجهة النظر التركية عند التفاوض فى هذا الشأن؛ حيث تخشى أنقرة من حليف مهم للأكراد السوريين وهى الولايات المتحدة، التى لن تسمح باستبعاد الأكراد كلية من معادلة الحل.

أما بالنسبة لروسيا فتسعى إلى استثمار حالة الانتصار العسكرى فى حلب عبر ممارسة ضغوط لا على المعارضة باعتبارها الطرف المهزوم والذى من المفترض أن يقدم تنازلات، ولكن أيضا على حليفه نظام الأسد خلال المفاوضات القادمة، فدفع موسكو لنظام الأسد الدخول فى مفاوضات فى ظل متغيرات ميدانية جديدة لصالحه يعنى أن روسيا التى تعلم أن المعارضة لا تزال تسيطر على أجزاء من الأراضى السورية - لاسيما فى إدلب شمالا ودرعا فى الجنوب هذا بخلاف سيطرة الأكراد السوريين على أجزاء مهمة فى الشمال الشرقى- تسعى إلى الخروج من حلبة الصراع السورى تدريجيا واستثمار انتصارات حلب سياسيا، ولخروجها هذا كانت تحتاج أولا لتحقيق انتصار ميدانى كبير ما يدفع كافة أطراف الأزمة إلى مفاوضات جديدة، وتحتاج إلى مساند إقليمى له تأثيراته على المعارضة السورية بما يوازن تأثيراتها (أى روسيا ) على النظام السورى، فى هذا السياق حدث التفاهم الروسى التركى الذى مهد لوقف إطلاق النار بين طرفى الصراع السورى.

بالرغم من الشراكة العسكرية بين روسيا وإيران فيما يتعلق بالصراع السوري، فإن ثمة تمايزا واضحا فى المواقف بين الطرفين؛ وهو تمايز برز إلى سطح الأحداث فعليا منذ معركة حلب وما بعدها، ودفع روسيا إلى إعادة ترتيب أوراقها بالنسبة للملف السورى، فالبعض يرى أن روسيا انتقدت دور الميليشيات الشيعية بشأن معركة حلب وما تلاها، لسعيها إلى مزيد من المواجهات العسكرية على الأرض ما يتعارض مع حالة إعادة التموضع التى تحاول روسيا بدئها فى المرحلة الراهنة، والتى تتلخص فى ترك الخيار العسكرى وإعادة تفعيل الخيارات الدبلوماسية والسياسية، ويعزز من هذا الرأى تصريحات المسئولين العسكريين الإيرانيين والتى تشير إلى عدم رغبتهم فى وقف القتال فى الوقت الحالى، بل وسعيهم لتوسيع نطاق المواجهة مع المعارضة لتشمل محافظة إدلب التى باتت المعقل لمن تبقى من فصائل المعارضة والمفتوحة على خطوط الامداد التركية، وتخضع معظمها للجيش السورى الحر شريك تركيا فى عملية درع الفرات ضد تنظيم الدولة، يضاف إلى ذلك رفض إيران التوصل لاتفاق شامل لوقف القتال فى الوقت الحالى، لرغبتها فى الإجهاز على كافة فصائل المعارضة، لأن وقف القتال يعنى فرض شروط ستطبق على طرفى الصراع بما فيها الميليشيات الإيرانية العاملة على الأرض السورية، وهو ما ترفضه طهران حاليا.     

كما يدلل أنصار الرأى السابق على رفض روسيا لممارسات الميليشيات الشيعية فى حلب بإرسالها قوات برية للحد من تلك الممارسات تجاه السوريين هناك، وهى خطوة تنقل التدخل الروسى من مرحلة تقديم الدعم الجوى إلى مرحلة الانخراط على الأرض، وهو ما لم يجد قبولا إيرانيا لسببين : الأول؛ لأن طهران ترى فى ذلك محاولة لتقاسم النفوذ معها على الأرض وضبط طبيعة تعاطياتها مع تطورات ما بعد حلب. والثانى؛ يشير إلى إدراك طهران أن الانتشار البرى الروسى الجديد يمنح روسيا ورقة ميدانية مهمة تستطيع ترجمتها على طاولة المفاوضات القادمة على صعيد التسويات السياسية.

تتحسب روسيا أيضا لمحاولات طهران استثمار نتائج معركة حلب لصالحها وتحديدا لصالح مشروعها الإقليمى فى المنطقة، وهو مشروع له أبعاده الدينية الطائفية التى لا تتفق روسيا مع استراتيجياته، لاسيما إصرارها على أن يكون الحكم فى سوريا فى مرحلة التسوية السياسية حكما علمانيا تعدديا؛ وهو ما يتعارض مع نظام ولاية الفقيه الذى تعمل طهران على استنساخه فى المنطقة بعد نجاحها فى إدخال العراق ضمن دائرته؛ ما يعنى أن الخلاف بين روسيا وطهران حول مستقبل سوريا أصبح خلافا جوهريا ومرشحا للتزايد كلما اقترب المجتمع الدولى من مسار التسوية السياسية الشاملة للأزمة.     

أما على جانب التباين الروسى التركى؛ فبالرغم من حجم التفاهمات بين موسكو وأنقرة بشأن تسويات هدنة ما بعد سقوط حلب، إلا أن ثمة تباينات لا يمكن تحييدها؛ فالخطوط العريضة للتفاهم الثلاثى دار حول الهدنة وحول محاربة الإرهاب وليس حول إسقاط نظام بشار الأسد، وهو ما يترجم التخلى التركى الواضح عن هذا الشرط الذى على أساسه قبلت طهران أن تكون جزءا من التفاهم مع تركيا، وهو توافق لا ينفى اختلافات حول ماهية محاربة الإرهاب؛ فبالنسبة لتركيا تفاهمت مع روسيا على شمول محاربة الإرهاب فى سوريا للميليشيات الكردية وبالتحديد ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية إلى جانب تنظيم داعش، وتحاول أنقرة فى الوقت نفسه حث روسيا على إدخال الميليشيات الشيعية المساندة لنظام الأسد فى السياق نفسه إلا أن هذه الخطوة لم تلق موافقة روسيا عليها؛ نظرا لحاجتها لدعم إيران لعملية وقف إطلاق النار تمهيدا للمفاوضات القادمة لأن بيدها مفاتيح حركة الميليشيات الشيعية على أرض الصراع الميدانى، والتى بإمكانها إفشال أية هدنة إذا كانت تتجاهل مصالحها على الأرض.

هناك من يطرح فكرة مدى صمود الهدنة الناتجة عن هذا الاتفاق وقدرتها على إنتاج تسوية سياسية؛ وفى هذا السياق يوجد عدة تصورات:

التصور الأول، ويتبناه أنصار النظام السورى ويشير إلى أن الهدنة الثلاثية ليس بإمكانها الإفضاء إلى تسوية ما أو حتى الصمود فى المرحلة القادمة، لأن سياقات الهدن السابقة فشلت جميعها نتيجة لتدخلات القوى الإقليمية المساندة للمعارضة وتحديدا محور تركيا – السعودية، الذى انتهز الهدن السابقة فى إعادة تسليح المعارضة. ومن ثم فإن استجابة هذا المحور نفسه لتدشين هدنة جديدة لا يخرج عن كونه مجرد استثمار سياسى راهن لتأثيرات معركة حلب ولحالة التقارب التركى الروسى الجديدة.

أما التصور الثانى، فيشير إلى أن الهدنة معرضة للفشل على خلفية الخروقات التى تقوم بها قوات النظام مدعومة بالميلشيات الإيرانية من وقت لآخر، ما قد يدفع المعارضة إلى بلورة استراتيجية جديدة للمواجهة العسكرية عبر تفعيل جبهات أخرى كامنة كإدلب فى الشمال ودرعا فى الجنوب، أو حتى داخل حلب عبر حرب الشوارع والاغتيالات والتفجيرات. أنصار هذا التصور يرهنون احتمالية هذه الخطوة بمدى قدرة الشريك التركى على ضبط سلوك المعارضة السورية ودفعها نحو المفاوضات السياسة بدلا من العودة للمواجهة العسكرية مع النظام.

التصور الثالث، يرى أنصاره أن الاتفاق لم يأت بجديد يختلف عن الهدن السابقة، لأن روسيا تصر على صياغة عملية سياسية تنهى الصراع السورى بناءً على نتائج معركة حلب وليس بناءً على المرجعيات الدولية المتعددة فى هذا الشأن. ومن ثم فإن الهدن الناتجة عن تأثيرات معركة حلب ستضمن بالضرورة المصالح الروسية السورية الإيرانية باعتبارها الأطراف المنتصرة وليس مصالح المعارضة السورية من باب كونها الطرف المهزوم وليس من باب كونها معارضة لها أهدافها ومطالبها السياسية فى التغيير، لاسيما بعد التوافقات التى أسفرت عن القبول التركى ببقاء الأسد مقابل منح أنقرة أحقية تقويض التطلعات الكردية السورية بالقرب من حدودها، أما روسيا فستعمل على ضمان عملية انتقال للسلطة تأخذ بعين الاعتبار مصالحها فى سوريا، وهى المصالح التى ستتعارض عند نقطة محددة مع مصالح نظام ولاية الفقيه الذى أعلن رفضه فكرة تقاسم النفوذ داخل سوريا فى المرحلة القادمة.       

مما سبق يمكن القول أن اتفاق الهدنة لايزال غامضا وهشا، لاسيما فى ظل الخروقات التى يقوم بها النظام السورى ضد مناطق شملتها الهدنة بالفعل، لكن فى الوقت نفسه توجد العديد من العوامل الدولية والإقليمية التى "قد" توفر مناخا مناسبا بإمكانه إنجاح الهدنة، خاصة إذا تقاربت المصالح الدولية وبالتحديد المصالح الروسية مع مصالح قوى إقليمية لها وزنها وتأثيراتها على فصائل المعارضة السورية كتركيا، وهو ما يعنى أن عملية التسوية لن تكون سهلة ولكنها قد تكون ممكنة خلال المرحلة القادمة.   

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية