مقالات

مؤتمر باريس لدعم عملية السلام... حدود "الفرصة" المتاحة

طباعة

ينعقد اليوم مؤتمر باريس لدعم عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، حيث يشارك فيه ممثلو نحو 70 دولة ومنظمة دولية. المؤتمر يعد الثانى من نوعه فى سياق ما يُعرف بـ" المبادرة الفرنسية"، حيث عقد المؤتمر الأول فى 3 يونيو2016 بمشاركة 30 دولة، على  مستوى وزراء الخارجية.

وكانت التكهنات والتسريبات حول فحوى ما سيصدر عن مؤتمر اليوم من مواقف وقرارات،قد تزايدت خلال الإسبوعين الماضيين، إلى أن نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، فى عدد 9 يناير الجارى، مسودة البيان الذى من المفترض أن يتوافق المشاركون عليه. ومن خلال مطالعة تلك المسودة، تتبدى أهمية مؤتمر باريس كونه يكرس مرجعيات وخطوط التسوية القادمة بتأكيد حدود العام 1967 وعدم شرعية الاستيطان، والإصرار على حل الدولتين كخيار وحيد قائم ينبغي الإسراع في إنجازه قبل فوات الأوانحيث أشارت " مسودة" البيان، بوضوح، إلى أن " تسوية كافة قضايا الوضع النهائى يجب أن تكون على أساس قرارت مجلس الأمن242، و338  وغيرها من القرارات ذات الصلة..." . وأعادت تأكيد الأطراف المشاركة على أنهم " لن يعترفوا بأية تغييرات على حدود الرابع من يونيو1967 بما فيها القدس، خلافا لتلك المتفق عليها من جانب الأطراف عبر المفاوضات..." . كذلك أعادت التأكيد على أن الأطراف الدولية المشاركة " سيميزون فى تعاملاتهم بين أراضى دولة إسرائيل، والأرض المحتلة منذ عام1967" . وفى السياق ذاته عكست " المسودة" ترحيب الدول المشاركة بتبنى مجلس الأمن للقرار 2334، الصادر فى 23 ديسمبر الماضى، والذى أدان بوضوح النشاط الإستيطانى، واصفا إياه بأنه يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولى" . وفوق ذلك، فقد أشادوا بما تضمنته كلمة وزير الخارجية الأمريكى " جون كيرى" التى ألقاها فى يوم 28 ديسمبر الماضى، والتى شددت على أنه لا يمكن فرض أى حل.

بهذه المعطيات تتأكد أهمية توقيت المؤتمر، والذى جاء قبل خمسة أيام فقط من دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتوليه منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. بمعنى أن الأطراف المشاركة وكأنها أرادت بذلك أن ترسم حدودا مسبقة لما يمكن أن يقوم به الرئيس الجديد، وهو الذي ذهب بعيداً في دعم الاستيطان، والتأكيد على نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب للقدس... وأن تحدد لـــ"ترامب" مواقف دولية واضحة وقاطعة بشأن العملية السياسية، لن يكون سهلا عليه تجاهلها بالرغم من كل تصريحاته ووعوده.

وبهذا المعنى ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن مخرجات المؤتمر يمكن أن تكون بداية لمراجعة دولية بشأن استمرار إسرائيل في البناء الاستيطاني وتغيير الواقع على الأرض لقطع الطريق أمام حل الدولتين. والشاهد على ذلك، أن الفقرة ( د) من البند الثالث فى "المسودة" أشارت إلى " استعداد الأطراف المشاركة ذات الصلة، إلى إرسال ما سيتم التوصل إليه إلى الأمم المتحدة للتوثيق بموجب قرار مجلس الأمن 2334" . والمعنى المقصود هنا هو أن الأطراف المشاركة فى مؤتمر باريس تعلن استعدادها للإلتزام بما تضمنه القرار المذكور( الذى صدر قبل 23 يوم فقط ) من  تقديم تقرير كل ثلاثة أشهر لمجلس الأمن حول مدى تنفيذه، ومدى إلتزام إسرائيل بمقرراته، الأمر الذى يمنح الفلسطينيين فرصة عملية للمتابعة، وإحراج إسرائيل دوليا.

لكن من ناحية أخرى، تجاهلت " المسودة" مسألة الإعتراف بدولة فلسطين فى حال اتخاذ حكومة نتنياهو موقفا سلبيا من جهود التسوية السياسية، ورفضها التعاون مع المجتمع الدولي. ويبدو أن هذا التجاهل كان متعمدا، والأرجح أن هذه المسألة قد تم إرجائها إلى مرحلة لاحقة، خاصة وأن فرنسا – صاحبة المبادرة -  تتهيأ لانتخابات عامة جديدة ... فبين يدى الإستحقاق الإنتخابى تعتمد باريس الحيطة والحذر فى التعامل مع ردود الأفعال الإسرائيلية.

ويبدو واضحا أن المؤتمر سيتمخض عن تشكيل ثلاث مجموعات عمل أوربية للمتابعة:

المجموعة الأولى خاصة بالحوكمة ومتابعة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، وتترأسها ألمانيا، والمجموعة الثانية لتعزيز مشاركة المجتمع المدنى، وتترأسها السويد، والمجموعة الثالثة لمتابعة الحوافز الاقتصادية لعملية السلام، ويشرف عليها الإتحاد الأوربى.

والملاحظ هنا أن مجموعات العمل هذه ( بعض المصادر الدبلوماسية الفلسطينة تذكر أنها تعمل منذ فترة) لا تتضمن أى استجابة للمطالب الفلسطينية، بآلية عمل جديدة على غرار آلية " 5 + 1" التى تعاملت مع إيران ومشروعها النووى، وجمعت الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى، وألمانيا.... فاللجان الثلاث تتعامل مع الفلسطينين، ولا يبدو أنها تحاول طرح أى إطار قانونى دولى لحلحة عملية التسوية. وهذا معناه أن مؤتمر باريس – فى الحاصل الأخير – لن يفضى إلى آلية جديدة للتفاوض، تشكل بديلا عن المفاوضات المباسرة بين الطرفين.

الخلاصة إذن، أن مؤتمر باريس أريد له التأكيد مجددا على مرجعية "حل الدولتين"  و" سحب غطاء الشرعية عن الإستيطان". وربما يعكس إرادة سياسية لأطراف أوربية وإقليمية لوضع قيود وضوابط  تكبل بها إدارة ترامب القادمة. وربما يعكس المؤتمر كذلك محاولة – لم يكتب لها النجاح – لاقتراح آلية دولية لرعاية المفاوضات، بعد أن تآكلت مصداقية المنطق الإسرائيلى القائل بأن السلام يأتى فقط، كنتيجة لمفاوضات مباشرة بين الفلسطينين والإسرائيلين.

وبناء عليه، ليست هناك رهانات كبيرة على مؤتمر باريس، لكن هذا لا ينفى بالمقابل أن نقطة إضافية تم تسجيلها لصالح الفلسطينين، على الأقل على صعيد معركة " العلاقات العامة" ضد الإحتلال والإستيطان. وهذه النقطة يمكن المراكمة عليها إذا نجح الفلسطينيون فى استثمارها .

ولكن آفاق حدوث تقدم فيما يخص التحديات الرئيسية للصراع تبدو محدودة للغاية... فالفجوة العميقة بين جانبى الصراع، والرؤى المختلفة للحل ستقوض الجهود الجديدة لوضع الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى على مائدة التفاوض هذا العام.

وسيدفع المزيد من دعم " ترامب" لإسرائيل، السلطة الفلسطينية إلى طلب الدعم من الدول الكبرى ذات الصلة فى الإقليم. ولكن المصالح الإقتصادية والإقليمية لهذه البلدان، إلى جانب مواقف بعضها من إيران، ستحول دون حدوث تحول كبير فى نمط دعمها للسلطة الفلسطينية. 

طباعة
محمد جمعة

باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية