إصدارات المركز - تقرير الإتجاهات الإقتصادية الإستراتيجية

مقدمة تقرير الاتجهات الاقتصادية الاستراتيجية ٢٠١٥

* 1-1-2017
طباعة

يستعرض تقرير هذا العام عددًا من القضايا التي رأينا أنها ذات أهمية محورية في العام موضع التقرير. وقد تعرض القسم المصري لأداء الاقتصاد المصري ومراجعة لبعض السياسات الاقتصادية. ويتضمن القسم العربي دراسة وحيدة تعالج الاقتصاد الليبي باعتباره حالة ممثلة  للاقتصادات التي تمر بلدانها بحروب أهلية، ونأمل في استكمال هذا الجانب في تقرير العام القادم بتقديم دراسات لحالات عربية مماثلة كسوريا واليمن والعراق. أما القسم الدولي فقد تعرض لقضية محورية تتعلق بموازين القوى داخل نظام الاقتصاد الدولي والتساؤل حول ما إذا كنا على أعتاب تغيرات قد يشهدها هذا النظام، أم استمرارًا لهيمنة القوى التي صاغت أسس هذا النظام قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية؟
أولًا: القسم المصري
تستعرض الدراسة الأولى بالقسم المصري وهي بعنوان “الاقتصاد المصري بين الواقع والمأمول” أداء الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2014/2015 وذلك في ضوء اعتماد منهجية تنبني على معرفة ما هو مخطط لهذا الاقتصاد من جانب الحكومة المصرية (المأمول)، ومقابلة هذا المخطط بما تم إنجازه بالفعل على أرض الواقع من إنجازات.
وربما كان أهم ما خلصت إليه هذه الدراسة هو أنه فيما كان معدل النمو المستهدف خلال العام المالي هو 3.2  % فإن معدل النمو المحقق خلال التسعة أشهر الأولى من العام يوليو 2014/مارس 2015 بلغ 4.7 % مقابل نحو 1.6 % خلال الفترة المقابلة من العام المالي 2013/2014. وكانت تطورات النصف الأول من العام المالي 2014/2015 تشير إلى تسارع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ نحو 5.6 % مقابل نحو 1.2  % خلال الفترة المقابلة من العام المالي السابق. وقد جاء هذا التحسن على جانب العرض (على مستوى القطاعات) نتيجة لاستمرار النمو في قطاع الصناعة التحويلية، بالإضافة إلى ارتفاع معدل النمو في قطاع السياحة عقب فترة تراجع امتدت منذ الربع الرابع من العام المالي 2012/2013 حتى الربع الرابع من العام المالي 2013/2014.
وعلى صعيد محفزات النمو الاقتصادي، فقد استمر الاستهلاك النهائي هو المحرك الأساسي للنمو، حيث بلغت مساهمته 4.4 نقطة مئوية، فيما بلغت مساهمة الاستثمار 1.7 نقطة مئوية، كما تحسنت مساهمة صافي الطلب الخارجي، على الرغم من استمرارها سالبة (1.4- نقطة مئوية).
أما بالنسبة لمعدلات النمو القطاعية الفعلية المحققة خلال الفترة يوليو– مارس من العام المالي 2014/2015، فقد تصدر قطاع السياحة كافة القطاعات الأخرى بمعدل نمو بلغ نحو 34.6 % مقابل معدل نمو سلبي خلال الفترة المقابلة من العام المالي السابق بلغ نحو (49.7- %)، تلاه قطاع التشييد والبناء بمعدل نمو بلغ نحو 10.1 %، ثم قطاع الصناعة التحويلية بمعدل نمو بلغ نحو 9.2 %.
وفيما يخص قطاع الموازنة العامة للدولة، تشير البيانات إلى أن إجمالي الإيرادات بقطاع الموازنة العامة للدولة بلغ 282.1 مليار جنيه خلال الفترة يوليو/مارس من العام المالي 2014/2015، كما بلغ إجمالي النفقات 490.6 مليار جنيه، ليبلغ بذلك العجز النقدي 208.5 مليار جنيه. وبإضافة صافي حيازة الأصول المالية الذي بلغ نحو9.8 مليار جنيه ، يبلغ العجز الكلي نحو 218.3 مليار جنيه، بما يمثل 9.4 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وقد تصاعد الدين المحلي ليبلغ 2116.4 مليار جنيه في نهاية يونيو 2015، منه 88.4 % مستحق على الحكومة، و0.5 % على الهيئات العامة الاقتصادية، 11.1 % على بنك الاستثمار القومي.
وفي الفصل الثاني المعنون “السياسة النقدية المصرية في 2015 رهينة لسعر الصرف” تشير الدراسة إلى أن التآكل السريع في احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي خلال عام 2015 أدى إلى تدهور قيمة سعر صرف العملة المصرية. وقد ركزت السياسة النقدية طوال هذا العام على محاولة وقف هذا التآكل وكبح التدهور في  قيمة العملة المصرية مقابل العملات الأخرى، فكان سعر الصرف هو  محور ارتكاز السياسة النقدية.
وقد حاول البنك المركزي المصري وقف تدهور العملة عن طريق ضبط وتنظيم التعامل في سوق النقد الأجنبي، عبر مجموعة كبيرة من القرارات الإدارية. فاشترط البنك أن يقوم المستورد بتوفير ضمان مالي يبلغ 100 % من قيمة ما يزمع استيراده بدلًا من 50 %، ولم يستثن سوى بعض السلع الأساسية. كما أصدر البنك تعليمات تتعلق بقواعد تمويل الواردات حيث حظر تداول مستندات التحصيل الجمركي إلا من خلال بنك المورد في الخارج. وقام البنك أيضًا بوضع سقف للإيداع النقدي بالعملة الأجنبية لإجبار حائزي النقد الأجنبي والمستوردين على التعامل عبر الجهاز المصرفي والقضاء على السوق الموازية. وتدخلت جهات أخرى لتدعيم هذه السياسة النقدية مثل قرار وزارة الصناعة والتجارة بعدم الإفراج عن البضاعة المستوردة إلا إذا كان قد تم استيرادها من مصانع أجنبية مسجلة، ثم القرار الجمهوري القاضي برفع الرسوم الجمركية على فئة تشمل نحو ستمائة سلعة صنفت باعتبارها سلعًا ترفيهية.
ولجأ البنك المركزي قرب نهاية عام 2015 إلى رفع سعر الفائدة، وبينما أشار البعض أن الهدف من وراء هذه السياسة هو لجم الضغوط التضخمية، فإن الواضح أن  الهدف كان محاولة نزع “الدولرة” بحفز المواطنين الذين يحتفظون بالعملات الأجنبية على بيعها من أجل الاستثمار في هذه الشهادات بما يؤدي إلى زيادة الإيرادات من العملات الأجنبية لدى البنوك. ويبقى أن الأثر الجانبي لهذه السياسة هو أثر انكماشي. ففي الوقت الذي يتم الدفع فيه نحو محاولة جذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في البلاد، ومحاولة زيادة الاستثمارات المحلية من أجل حل المشكلات الاقتصادية الرئيسية وعلى رأسها البطالة، يأتي رفع سعر الفائدة ليقلص من فرص ذلك.
ولا تخرج محاولة علاج تآكل احتياطيات النقد الأجنبي وتدهور سعر صرف الجنيه عن سبيلين رئيسيين:
الأول هو المضي في الطريق الذي ينفذ حتى الآن مع تشديد أكثر على الضوابط التي تحكم العمل في سوق النقد الأجنبي وتحقيق درجة أعلى من التنسيق بين البنك المركزي وبقية الهيئات والمؤسسات التي يمكنها التأثير على استخدامات النقد الأجنبي. ويبدو من اتباع البنك المركزي لهذه السياسة منذ ما يزيد على العام الآن أنه لا يرى سواها من سبيل، وبحيث تصبح السياسة النقدية التي يعد محور ارتكازها سعر الصرف هي سياسة الأجل المتوسط أيضًا، وهو ما نرى أنه لن يلقى نجاحًا كبيرًا في ضوء طبيعة الاختلالات في ميزان المدفوعات المصري، وفي ضوء الخبرة التاريخية القريبة والبعيدة.
السبيل الثاني يسعى لتقديم حل جذري للمشكلة عن طريق آخر غير السياسة النقدية، وبحيث تتجه السياسة النقدية لتحقيق هدفها الأهم ألا وهو المساعدة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة غير تضخمية. وهنا فإن استراتيجية التنمية والتصنيع تلعب الدور الأكبر في علاج عجز الميزان التجاري المصري، وهو المصدر الأساسي للخلل في ميزان المدفوعات. وهنا يقترح اللجوء  لاستراتيجية التصنيع بالإحلال محل الواردات التي تم تجربتها ولاقت نجاحًا واضحًا في حالة بلدان أخرى مثل كوريا الجنوبية وتايوان.
أما الدراسة الثالثة في قسم الاقتصاد المصري فتهتم بتناول العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول حوض النيل، كمدخل لدعم العلاقات السياسية، ولتبيان إلى أي مدى ساهمت متانة تلك العلاقات أو ضعفها، وتواجد مصر الدائم في القارة ومساهمتها في دعم دولها المختلفة خاصة دول الحوض، في تجاوز المشاكل التاريخية الخاصة بملف مياه النيل من عدمها.
إذ لا يختلف الوضع في علاقة مصر بدول أفريقيا وخاصة دول حوض النيل عن غيرها من البلدان، حيث تعتبر العلاقات الاقتصادية مدخلًا مهمًا لتجاوز العديد من المشاكل والعقبات في القضايا محل الخلاف، إذ إن قوة ومتانة تلك العلاقات تمثل أساسًا مهمًا يمكن أن يبنى عليه التفاهم ودعم التعاون وحل الخلافات بالطرق الودية، من باب الحرص على استمرار المصالح والمنافع المتبادلة، والتي تولدها العلاقات والمصالح الاقتصادية المشتركة.
فعلى مدى العقود الماضية وتحديدًا منذ خمسينيات القرن العشرين، مرت العلاقات بين مصر والدول الأفريقية خاصة دول حوض النيل بالعديد من المنازعات والمواجهات تحديدًا فيما يتعلق بملف مياه النيل، حيث كانت تلك المواجهات تخفت أو تزداد حدة، تبعًا لمدى الاهتمام الذي تبديه القيادة السياسية لهذا الملف، كما أنها تأثرت أيضًا بوزن مصر ومكانتها الدولية والإقليمية وبدورها داخل قارة أفريقيا.
وبعد أن تعرض الدراسة للمقومات الاقتصادية لدول حوض النيل، تعرض لتطور العلاقات الاقتصادية وخاصة في شقها التجاري بين مصر وهذه البلدان. ويشير هذا العرض إلى أنه في فترة الخمسينيات والستينيات كانت العلاقات السياسية بين مصر والكثير من حركات التحرر الأفريقية قوية نتيجة لسعي مصر لتحرر دول القارة الأفريقية من الاستعمار ومن هنا أمدتها بالدعم السياسي والمالي والعسكري، ورغم ذلك فقد كانت العلاقات الاقتصادية وخاصة التجارية محدودة مع دول حوض النيل حيث لم تتجاوز الصادرات المصرية لدول حوض النيل تجارة مع الدول الأفريقية سوى نحو 5 % من إجمالي الصادرات المصرية، كما أن هذه التجارة كانت تميل للتركز مع دولة أو اثنتين من هذه الدول. وتوضح الدراسة أيضًا أن هذه العلاقات قد مالت في حقيقة الأمر نتيجة لعدد من القيود الموضوعية للتدهور على مدى الزمن بحيث كانت نسبة الصادرات المصرية لدول الحوض في عام 1970 نحو 2.4 % من إجمالي صادراتها. والأمر ذاته ينطبق على الواردات المصرية من هذه الدول، حيث بلغت الواردات المصرية منها في منتصف الخمسينيات نحو 3.1 % من إجمالي الواردات المصرية، لتنخفض هذه النسبة عند عام 1970 إلى نحو 2.6 % فقط.
أما بالنسبة للعلاقات مع دول القارة الأفريقية عمومًا نجد أن الصادرات المصرية للدول الأفريقية في عام 1970 احتلت المركز قبل الأخير في ترتيب أهم المناطق المتلقية للصادرات المصرية، حيث لم تزد نسبة تلك الصادرات عن 5.4 % من الإجمالي، وبالنسبة للواردات احتلت نفس المرتبة قبل الأخيرة، في ترتيب أهم المناطق الموردة للبضائع لمصر، بنسبة بلغت 3.9 % من الإجمالي.
وقد شهد عقد السبعينيات تراجعًا ملحوظًا في العلاقات السياسية مع الدول الأفريقية، حيث اتجهت بوصلة السياسية الخارجية أثناء حكم أنور السادات تجاه الغرب وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من محاولة وزير الدولة للشئون الخارجية وقتها الدكتور بطرس بطرس غالي الحفاظ على متانة العلاقات مع الدول الأفريقية، وتم تأسيس الصندوق الفني للتعاون مع أفريقيا لمد دول القارة بالمعونات والخبرات المصرية، إلا أن العلاقات التجارية مع دول القارة وخاصة دول حوض النيل شهدت تدهورًا حادًا خلال تلك الفترة كما أنها اتسمت أيضًا بالتركز في عدد محدود من هذه البلدان.
وعلى الرغم من استمرار تدهور العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول الأفريقية، إلا أنه بانضمام مصر لاتفاقية الكوميسا (السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا) في عام 1998 حدثت قفزة في العلاقات التجارية مع دول القارة وأضحت مصر تحقق فائضًا تجاريًّا مع هذه الدول بدءًا من عام 2004. لكن ينبغي التنويه بأن جزءًا كبيرًا من التجارة يتم مع بلدان ليست أعضاءً في حوض النيل.
وتوضح الدراسة أنه رغم محاولة مصر دفع العلاقات الاقتصادية عبر الاستثمار في دول حوض النيل إلا أن هذا الاستثمار ظل ضعيفًا نسبيًّا.
ثانيًا: القسم العربي
في القسم الثاني من التقرير الخاص بالاقتصاد العربي قدمت دراسة بعنوان «الاقتصاد الليبي: الانهيار بين الأزمة البنيوية والصراع السياسي». وقبل أن تدلف الدراسة لمعالجة الأوضاع الحالية السياسية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع الليبي تشير إلى الطبيعة البنيوية لهذا الاقتصاد. إذ يُعد الاقتصاد الليبي نموذجًا صارخًا للدولة الريعية «rentier state»، وهي تلك الدولة التي تعتمد على الإيرادات التي تدرها بعض الموارد المملوكة لها، وعادة ما تكون هذه الإيرادات من جهات أجنبية تتقدم لشراء ما تمتلكه الدولة الريعية من موارد، وهو نظام اقتصادي لا يلتفت كثيرًا لفكرة الإنتاج بقدر ما يعتمد على التفاوض حول عائدات موارد الدولة. ومما لا شك فيه، لا يوجد اقتصاد في العالم لا يعتمد على ريع موارد الدولة بشكل أو بآخر، ولكن تظل الدول الريعية هي الدول التي يُسيطر فيها هذا النمط من الاعتمادية على الاقتصاد في ظل تراجع الاهتمام بأية أنشطة اقتصادية إنتاجية. كما أن من الصفات الرئيسية للاقتصاد الريعي هي الاعتماد على مصادر خارجية لهذا الريع، وهى نقطة حاسمة في تحديد ماهية الدول الريعية، فالريع الناتج عن موارد داخلية يعد غير كافيًا لتوصيف الدول بالريعية. كما أن من الصفات الرئيسية للدول الريعية قيام فئة محدودة بتوليد هذا الريع وإدارة الآليات التي يأتي من خلالها، في حين تنخرط الغالبية العظمى من المجتمع في استخدام الثروة التي يتيحها هذا الريع، وهو ما يعتمد بالتالي على سياسات توزيع الدخل والثروة داخل المجتمعات والدول ومدى العدالة الاجتماعية المُتضمنة في هذا التوزيع. ومن ثم، فالدول الريعية هي الدول التي تقوم فيها شريحة محدودة من المجتمع بإنتاج وإدارة الثروة والعائدات، وينخرط سائر المجتمع فقط في استخدام العائدات الموزعة من قبل الدولة دون المشاركة في عملية الإنتاج. ولذا، تُسيطر على الاقتصاد الليبي، والأنظمة الاقتصادية المشابهة، ما يمكننا تسميته بالعقلية الريعية rentier mentality  وهى عقلية لا يرتبط فيها الربح وعائداته بالإنتاج وحجم العمل، ولكنه يرتبط بعدة عوامل غير موضوعية كالصدفة، والقرب من السلطة، والولاء، والسياقات السياسية المختلفة التي قد تدعو الدولة لمراجعة سياستها في توزيع الموارد والثروات، وهو ما يتعارض بشدة مع المفاهيم السائدة عن أخلاقيات الإنتاج production ethics.
أما بشأن الانعكاسات الاجتماعية والسياسية لطبيعة توليد الثروة والدخل في المجتمع الريعي فتشير الدراسة إلى الأنظمة الاقتصادية الريعية لا تؤدي إلى دول قوية أو إلى دور فاعل للمواطنين داخل هيكل الدولة، ولكنها في أغلب الأمر تعتمد على قطاع أمني قوي يتمتع بنوع من الاستقلالية عن هيكل الطبقات الاجتماعية الموجود داخل الدولة، وهو النموذج الذي قام معمر القذافي برعايته والحرص على استمراره خلال فترة حكمة التي امتدت لأكثر من أربعين عامًا. ففي ظل الأنظمة الاقتصادية التي تعتمد على العقلية الريعية، تتحول مفاهيم المواطنة إلى مجموعة من المزايا الاقتصادية التي تؤمنها الدولة للمواطن دون عمل إنتاجي واضح يقوم به، وهو ما يؤدى لتراجع الأداء الاقتصادي ككل وتراجع حجم المهارات العملية والمهنية التي يمتلكها المواطنون. بالإضافة لذلك، لا تمارس الدول الريعية الدور التقليدي للدولة الذي من الممكن تلخيصه في تقديم الخدمات العامة للمواطنين مقابل نسبة من دخل المواطن يقوم بدفعها في صورة ضرائب. فالدول الريعية لا تحتاج لفرض ضرائب، أو لا تحتاج لفرض ضرائب تتساوى أو تقترب قيمتها من حجم الخدمات المُقدمة من قبل الدولة للمواطن، وبالتالي تنتفى العلاقة بين دفع الضرائب وبين حقوق المواطن في الديمقراطية التمثيلية. لذا، فالدول الريعية تقف حائلًا أمام إرساء نُظم سياسية ديمقراطية من خلال انتفاء فكرة المحاسبية في ظل نظام اقتصادي قائم على توزيع الهبات وليس على الإنتاج، وهو ما يترتب عليه اعتماد الدولة على عدد من الآليات القمعية للتعامل مع المعارضة أو مع الاختلاف في الرأي. كما أن نموذج الدولة الريعية عادة ما يؤدى لخلل في هيكل الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع، ويتراجع دور الطبقة الوسطى كنتيجة لهذا الخلل مما يؤثر سلبًا على آفاق وفرص التحول الديمقراطي والمشاركة السياسية بشكل عام.
وتعرض الدراسة لمراحل التطور التي مر بها الاقتصاد الليبي منذ الستينيات وحتى الآن، كما تعرض لمظاهر الانقسام والصراع السياسي العنيف الذي شهدته ليبيا في أعقاب الثورة على نظام معمر القذافي الذي استمر في الحكم ما يقرب من 42 عامًا. وتشير الدراسة إلى أنه يمكن القول بأن الاقتصاد الليبي قد اقترب بالفعل من الانهيار، خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان تراجع معدلات إنتاج النفط في ليبيا وانخفاض أسعاره عالميًّا، والاستنزاف المستمر للاحتياطي النقدي المملوك لليبيا، وتراجع سعر الدينار الليبي أمام الدولار، وعدم وجود قطاعات اقتصادية مُنتجة بخلاف قطاع النفط، وتراجع ترتيب ليبيا التنافسي وعدم وجود بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية بها، وعدم تمكن كلتا الحكومتين من خفض نسب الدعم بسبب التخوف من موجة غضب شعبي لن تحتمل تبعاتها أيٌّ من الحكومتين نظرًا لحالة الانفلات الأمني وانتشار السلاح وضعف الاُسس السياسية التي تقوم عليها الحكومتان. وبالتالي فالمنطق يقول إن استمرار الأوضاع على ما هي عليه سوف يؤدي لانهيار الاقتصاد الليبي في غضون أعوام قليلة. ولكن في نفس الوقت، قراءة الواقع السياسي تقول إن التوصل لإطار توافقي يُنهي حالة الانقسام السياسي بين شرق وغرب ليبيا سوف يفتح مجالات متعددة أمام الاقتصاد الليبي للنهوض والبدء في اتخاذ إجراءات إصلاحية من شأنها إنقاذ ليبيا من خطر الانهيار الاقتصادي.
ثالثًا: القسم الدولي
كانت القضية الرئيسية التي تصدى لها التقرير في قسم الاقتصاد الدولي تنطوي على التساؤل عما إذا كان النظام الاقتصادي الدولي ينحو نحو التعددية أم  ستستمر الهيمنة الغربية على هذا النظام؟ إذ كان صعود بعض القوى الاقتصادية النامية بسرعة خلال العقود الأخيرة قد هيأ المجال للقول بأن موازين القوى الدولية في حلبة الاقتصاد الدولي تتغير وأننا على أعتاب مرحلة ربما تتسم بتعدد القطبية في هذه الحلبة. ولكن ربما جاءت بعض التطورات الأخيرة في الدول الصاعدة وخاصة دول ما يطلق عليها «البريكس» لتهز من هذه القناعة بعض الشيء. من هنا يسعى القسم الدولي في التقرير لمحاولة تقصي هذا الوضع، ومحاولة الكشف ولو الجزئي عن طبيعة ما يحدث في هذه البلدان وفي مجال النظام الاقتصاد الدولي ككل. ولا يغطي تقرير هذا العام كافة الجوانب والتطورات في هذا المجال، وربما نجد فسحة في تقرير العام القادم لمحاولة تغطية بقية الجوانب والتطورات التي تتعلق بهذا الموضوع.
وفي الدراسة الأولى بهذا القسم والمعنونة «الصعود الناجح للصين» تشير الدراسة إلى أنه في غضون عقود قليلة تمكنت الصين من إنجاز عملية توسع حضري منتجة وصناعية، تضم 600 مليون إنسان، جاء ثلثاهم إلى المناطق الحضرية خلال العقدين الماضيين (أي ما يعادل سكان أوروبا تقريبًا!). ويرجع هذا إلى «الخطة» وليس إلى السوق. وتوجد في الصين الآن منظومة إنتاجية مستقلة حقًا. ولم ينجح أي بلد آخر في الجنوب (ما عدا كوريا وتايوان) في بناء مثل هذه القاعدة. فبالنسبة إلى الهند والبرازيل لا يوجد سوى عناصر متناثرة - لا أكثر - لمشروع مستقل من هذا النوع.
دخلت الصين العولمة في التسعينيات عن طريق التنمية المتسارعة لصادرات السلع المصنعة بفضل ما تمتلكه من منظومة إنتاجية، وإعطاء الأولوية للصادرات التي كانت معدلات نموها وقتذاك تتجاوز معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي. وقد ساعد انتصار النيوليبرالية على نجاح هذا الخيار على مدى خمسة عشر عامًا (1990-2005). وهو الخيار الذي كان محل خلاف، ليس فقط بسبب آثاره السياسية والاجتماعية، وإنما أيضًا بسبب الانهيار الداخلي الذي شهدته الرأسمالية المعولمة النيوليبرالية بدءًا من العام 2007. ويلوح أن الحكومة الصينية واعية بذلك، حيث بدأت مساعي التصحيح مبكرًا وأعطت اهتمامًا أكبر للسوق الداخلية، وللتنمية في غرب الصين.
أما القول بأن نجاح الصين يرجع أساسًا (وحتى «بالكامل») إلى مبادرات رأس المال الأجنبي فليس أقل من سفاهة. فلم يكن رأس المال متعدد القوميات هو من بنى المنظومة الصناعية الصينية وأنجز أهداف التوسع الحضري وتشييد البنية التحتية. وقد تُعزى نسبة 90 % من النجاح إلى المشروع الصيني المستقل. ومن المؤكد أن رأس المال الأجنبي قد قام بوظائف مفيدة مثل زيادة استيراد التكنولوجيات الحديثة. غير أن الصين استطاعت من خلال أساليب المشاركة استيعاب هذه التكنولوجيات وأصبحت متمكنة من تطويرها الآن. ولا يوجد شيء مماثل لهذه التجربة في أي بلد آخر، حتى في الهند أو البرازيل، ومن باب أولى: تايلاند وماليزيا وجنوب أفريقيا وغيرها.
يضاف إلى هذا أن اندماج الصين في العولمة ظل على أي حال جزئيًّا ومتحكَّمًا فيه (أو قابل للتحكم على الأقل). كما بقيت الصين خارج العولمة المالية. فنظامها المصرفي وطني بالكامل ويركز على سوق الائتمان الداخلية. ولا يزال اليوان مسألة تخص صناعة القرار الصيني المستقل. وهو ليس خاضعًا للتقلبات الشديدة المرتبطة بالعولمة المالية.
لقد كان صعود الصين الناجح نتيجة لمشروعها المستقل وحده. بهذا المعنى كانت الصين البلد الصاعد الأصيل الوحيد (إلى جانب كوريا وتايوان اللتين سنتحدث عنهما أكثر فيما بعد). وقد منح البنك الدولي الكثير من البلدان الأخرى شهادات بالصعود، رغم أن أيًّا منها لا يمكن اعتباره صاعدًا، لأنها لم تتبع مشروعًا مستقلًا ومتماسكًا. فجميعها يشترك في المبادئ الواضحة للرأسمالية، حتى فيما يتعلق بقطاعات رأسمالية الدولة فيها. كما قبلت جميعًا الخضوع للعولمة المعاصرة بكل أبعادها، بما فيها العولمة المالية. وتُستثنى روسيا والهند جزئيًّا من النقطة الأخيرة، على العكس من البرازيل وجنوب أفريقيا وغيرهما. وقد توجد في بعض الحالات «سياسة صناعية وطنية» ولكنها لا تقارن بالمشروع الصيني المتسق لبناء منظومة صناعية مستقلة، كاملة ومتكاملة (وخاصة في مجال الخبرة التكنولوجية).
لكل هذه الأسباب يكون من قبيل التسرع وصف تلك البلدان الأخرى بالصاعدة، حيث تظل منكشفة دائمًا - بدرجات مختلفة طبعًا - بدرجة أكبر بكثير من الصين. كما ترتبط مظاهر الصعود السطحية (معدلات نمو مرتفعة، قدرة على تصدير المنتجات المصنعة) في تلك البلدان ارتباطًا دائمًا بعمليات الإفقار التي تلحق بغالبية السكان (الفلاحين على وجه الخصوص) على العكس تمامًا من الحال في الصين. ومن المؤكد أن نمو عدم المساواة أمر واضح في جميع البلدان بما فيها الصين، لكن هذه الملاحظة تظل سطحية وخادعة؛ فهناك فرق بين اللا مساواة في توزيع فوائد نموذج للنمو لا يستبعد أحدًا (بل حتى يصاحبه تقلص جيوب الفقر - كما في حالة الصين) واللا مساواة المرتبطة بنمو لا يفيد منه إلا أقلية (من 5 % إلى 30 % من السكان حسب الحالة) بينما يستمر مصير الآخرين بائسًا.
وفي ملحق لهذا الفصل خصص للقضية الجدالية المتجددة دائما حول حرية تحويل العملة الصينية اليوان، خاصة بعد التطورات التي تركت آثارا كبيرة على الاقتصاد الصيني والاقتصاد العالمي حينما اتجهت السلطات الصينية لخفض سعر صرف العملة (اليوان) في شهر أغسطس 2015. وتشير الدراسة إلى أن حرية تحويل العملة المرتبطة بتعويم أسعار الصرف تعد ضارة. إذ ما هي النتائج التي ترتبت على هذا التحول في نظام الصرف الفاعل منذ خمسين عامًا والتخلي عن النظام السابق القائم على أسعار صرف ثابتة.
ولم يترتب على هذا التحول بداية، تثبيت – ولو نسبي - لأسعار صرف العملات العظمى. بل على العكس من ذلك أنتج النظام مزيدًا من التقلبات الطارئة والفجائية في أسعار الصرف. حتى أصبحت أسعار العملات متطايرة لأقصى الحدود. على سبيل المثال: ارتفع سعر الدولار باليورو إلى ضعف ما كان عليه - وذلك في ظرف أسابيع - ثم انخفض مرة ثانية! ولا ترجع هذه التقلبات إلى تطور في درجة التنافسية المقارنة للاقتصادات المعنية، إذ إن هذا التغير بطيء بطبيعته، بل ترجع إلى أن نظام أسعار الصرف المعومة قد فتح باب المضاربة القصيرة الأجل في أسعار العملات. فالسؤال التالي منطقيًّا هو: من استفاد من هذه المضاربة؟ إنهم الذين يدافعون عن هذا النظام طبعًا.
كما أنه بالنسبة إلى أسعار صرف عملات دول الجنوب (أي أسعارها بالدولار أو باليورو أو بالفرنك السويسري أو بالين الياباني)، لم يؤد النظام إلى مزيد من الطابع المتقلب لهذه العملات فقط، بل شجع تخفيضًا متواصلًا لا نهاية له لأسعار العملات المعنية. وقد أتاح هذا التخفيض المتواصل شراء أصول حقيقية تملكها اقتصادات الجنوب (مناجم، مصانع، سلاسل تجارية، أراض) لصالح الاحتكارات الغربية وبأسعار منخفضة لأقصى الحدود. وتسعى الاحتكارات الإمبريالية إلى إنجاز هذا الهدف بالتحديد.
 وتضرب الدراسة مثلًا بالبرازيل، وتتساءل هل شجع تبني نظام أسعار الصرف المعومة على رفع معدل النمو في البرازيل؟ والإجابة هي كلا إذ ظل هذا المعدل متواضعًا (3 % فقط). فهل ترغب الصين تخفيض معدل نموها بهذه الدرجة؟ وتخلص الدراسة إلى أن رفض حرية التحويل الشاملة بالنسبة إلى اليوان الصيني يشكل محورًا لاستمرار مزاولة سيادة الصين على قرارها.
الدراسة الثانية والمعنونة “البرازيل: طفرة النمو ومحدودية النموذج” تشير في بدايتها إلى أن البرازيل قد حققت توازنًا اجتماعيًّا ملموسًا عبر سياسات توزيع عائد النمو الذي حققته خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث شهدت البلاد قفزة كبيرة في عملية إعادة تشكيل تكوينها الاجتماعي، فتضخم حجم الطبقة المتوسطة في البرازيل عبر سياسات إعادة توزيع الدخل ورفع مستوى الأجور، كما تراجع حجم الفقر مقارنة بالسابق. وقد تحقق هذا التطور الاجتماعي في البرازيل نتيجة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكم حزب العمال للبلاد تحت قيادة الرئيس لولا دي سيلفا والتي بدأت ولايته في ظل وضع اقتصادي عالمي ساعد على تحفيز عملية النمو تلك.
والبرازيل هي أكبر سابع اقتصاد عالمي، لكن هذه المكانة تم تحقيقها في جزء كبير منها اعتمادًا على تصدير المواد الأولية، وقد بدأ ظهور بوادر انكماشية في الاقتصاد البرازيلي مع بدايات تراجع أسعار المواد الأولية في السوق العالمي، وذلك مع انخفاض الطلب العالمي على هذه السلع بسبب التباطؤ الذي شهده الاقتصاد العالمي مع تفجر الأزمة. هذا إلى جانب تراجع معدلات الاستهلاك المحلي مع زيادة الديون العائلية وانخفاض معدلات الاستثمار. وتحت تأثير تراجع الطلب في السوق المحلي تباطأ النمو الصناعي ودخلت البرازيل في دائرة تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض معدلات النمو التي توقع لها البنك الدولي أن تتحول لتسجل معدلات سالبة خلال عامي 2015 و2016.
وتواجه البرازيل اليوم العديد من المشاكل الاقتصادية، لعل من أهمها ارتفاع سعر صرف العملة، وتدني مستوى البنية التحتية، وعدم العدالة الاجتماعية والجغرافية بين ولاياتها المختلفة، وكذلك انخفاض مستوى التعليم والتدريب. وتتفاقم المشكلات الاجتماعية في البرازيل، التي ما تزال ورغم كافة ما حققته من نجاحات خلال العقد الأول من الألفية واحدة من أكبر بلدان العالم التي تعاني من خلل اجتماعي وعدم عدالة توزيع الدخل. نقول ذلك بالرغم من أن سياسات لولا دي سيلفيا نجحت في إخراج نحو 22 مليون مواطن من تحت خط الفقر. ويدفعنا كل هذا للتساؤل حول ما إذا كانت البرازيل قد قدمت نموذجًا مستقلًا للتنمية المستدامة؟ وهل كانت مراهنة البعض على أن تقوم مجموعة دول البريكس ومن بينها البرازيل بتعديل التوازنات في النظام الاقتصادي العالمي مراهنة في موضعها، أم كانت طفرتها الاقتصادية هي ذاتها نتاج الاستفادة من شروط اقتصادية دولية مواتية، انتهت مع تلاشي تلك الشروط؟ فقد شهدت البرازيل عبر تاريخها تجارب إنمائية مختلفة حققت فيها تطورات اقتصادية لا بأس بها، ولكن كانت كل تجربة من تلك التجارب تبوء عادة بالفشل، حيث يعقب كل تجربة فترات من التأزم الاقتصادي وانهيارات للمؤشرات الحيوية للاقتصاد البرازيلي. بالتالي، وكما يرى البعض، فقد تكون الطفرة الأخيرة التي تم تحقيقها في عهد الرئيس لولا دي سيلفيا ليست سوى مجرد حلقة من حلقات نهوض الاقتصاد في البرازيل التي يعقبها عادة تراجع طويل.
وتشير الدراسة إلى نمطين يتنازعان الاقتصاد البرازيلي هما من ناحية النمط الكينزي، بينما من ناحية أخرى هناك النمط المتمثل في إملاءات النقوديين المسيطرين على الاقتصاد العالمي وأذرعهم الطويلة المتمثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين. إذ بينما كان الحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة ينال رضا القطاع المصرفي، فإنه يشكل عقبة أمام نمو القطاع الصناعي. وزيادة منح القروض الاستهلاكية يزيد من الواردات الاستهلاكية وهو ما يؤثر على الميزان التجاري. ويساعد سعر العملة المرتفع على زيادة الواردات ويعوق زيادة الصادرات من السلع المصنعة، ولا تكون أي إجراءات حمائية للحد من الواردات فعالة بشكل كبير في إطار محدوديتها نظرًا لطبيعة النظام الاقتصادي القائم على توسيع قاعدة الطبقة المتوسطة وتشجيع ميولها الاستهلاكية. وكان لرفع الحد الأدنى للأجور آثار اجتماعية كبيرة في مواجهة الفقر، وتشجيع الطلب الفعال ومن ثم النمو، ولكنه في نفس الوقت يشكل عاملًا سلبيًّا أمام المستثمرين في ظل المنافسة العالمية مع الدول ذات الأجور المنخفضة، وفي ظل استمرار الأزمة العالمية. دفع كل هذا الحكومة البرازيلية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية تتمثل في رفع بعض الضرائب ورفع أسعار بعض السلع المدعومة (المواصلات) على سبيل المثال، مما دفع الوضع السياسي للتأزم وخروج العديد في المظاهرات والإضرابات العمالية التي تنذر بقلق سياسي لحزب العمال الحاكم في البرازيل. هذا التناقض في المصالح بين سياسات اقتصادية نيوليبرالية تدعم قوانين السوق، وسياسات كينزية لتشجيع الطلب الفعال لدفع النمو هو صراع يحاول كل من أنصار التوجهين حسمه لصالحه، ومن ثم يجب أن يكون هناك منتصر ومهزوم في هذا الصراع.
وتخلص الدراسة إلى أنه بعد أن كانت البرازيل نموذجًا يشار إليه بالبنان كبلد حقق طفرة اقتصادية في زمن لا يتعدى عقد من الزمن، أصبحت صورة الاقتصاد البرازيلي اليوم شديدة القتامة.
الدراسة الثالثة في هذا القسم والمعنونة “الأزمة المالية العالمية، هل خلّفت ضررًا دائمًا على الاقتصاد الأوروبي؟” تحاول تقصي آثار الأزمة المالية العالمية البعيدة الآثر على أوروبا ووزنها وتأثيرها في الاقتصاد العالمي. إذ لا جدال أن أوروبا كانت واحدة من الأقاليم الأكثر تأثرًا بالأزمة والتي ما زالت تتخبط في محاولة الخروج منها، ويكفي أن هذه الأزمة وما خلفته من آثار هددت بتفكيك الاتحاد الأوروبي ذاته أو منطقة اليورو على أقل تقدير، كما كانت لها تأثير سلبي على العملة الأوروبية الموحدة اليورو. فقد كانت السمة الأبرز للأزمة الأوروبية على الأرجح هي في إبراز مدى التصدع في بنية الاتحاد النقدي والتفاوتات الحادة بين هياكل اقتصادات بلدانه، وهي التفاوتات التي دفعت سابقًا إلى التشكيك في الحكمة من تأسيس مثل هذا الاتحاد من الأساس، وقدرته على الصمود في مواجه الصدمات الاقتصادية الخارجية، وهي الشكوك التي لم يعد هناك الآن جدل حولها، لكن فقط حول إلى أي مدى قد تذهب تلك التفاوتات في تدمير مشروع الوحدة الاقتصادية، وما إذا كان إنقاذه عبر إصلاحات مختلفة أمرًا ممكنًا.
وقد ذكر تضارب المصالح واختلاف تأثر بلدان القارة بالأزمة الاقتصادية الجميع في أوروبا مرة أخرى بالحدود السيادية لبلدانهم، وبانفصال مصائرهم عن غيرهم على الرغم مما أنجزه الاتحاد النقدي، ومن قبله الاتحاد الأوروبي من خطوات في طريق العمل على توحيد مستقبل القارة ومصالحها. ويكمن الخطر من الصعود المتجدد للقومية على حساب المشروع الأوروبي الموحد في نتائج ذلك على ما سيتضح قريبًا كونه الحل الأمثل لإنقاذ الاتحاد النقدي، وبالتالي الاتحاد الأوروبي، وهو المضي قدمًا نحو المزيد من الاندماج بعد أن أثبت مفهوم الوحدة النقدية بمفرده فشله في القارة، فالحلول المستدامة في المستقبل ستتضمن بالضرورة وحدة مالية كذلك، بصورة تدريجية على الأرجح، ليتم بذلك تجريد البلدان الأوروبية من سيادتها الاقتصادية تمامًا لصالح الكيان الأوروبي الجامع، كخطوة نحو وحدة سياسية لخلق مشروع فيدرالي أوروبي متكامل، وهو الأمر الذي بات من الصعب الآن توقع موافقة الشعوب الأوروبية عليه في أعقاب التصدع الحاد فيما بينها، والاتهامات المتبادلة والتظاهرات الرافضة لمساعدة مواطني بلد ما، أو المنددة بالسلطة والسياسات التي اختارها مواطنو بلد آخر.
وتشير مراجعة الأداء إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو قد شهد تراجعًا بعد عام 2008، وقد يتراجع في عام 2015 إلى مستويات تقارب تلك المستويات التي تحققت في عام 2006 (11.2 تريليون دولار)، ليكون بذلك هو «عقد النمو المفقود» في منطقة اليورو بامتياز.
وتستخلص الدراسة أن الأزمة التي تحيط بالقارة الأوروبية في أعقاب 2008 وحتى الآن، ولا تبدو بوادر انفراجها قريبة، والتي كلفت القارة أعوامًا ثمينة من النمو الاقتصادي الضائع، قد لا تكون آثارها مؤقتة فيما يتعلق بثقل القارة في الاقتصاد العالمي، والذي من المرجح أن يكون قد تراجع بصورة دائمة يصعب تعويضها في مقابل الأطراف الصاعدة الأخرى، أو القوى التقليدية الأكثر استقرارًا، وذلك بفرض استمرار منطقة اليورو أو الاتحاد الأوروبي مستقبلًا من الأساس. فثقل القارة الأوروبية في الاقتصاد العالمي، والذي أخذ في التراجع قبل الأزمة بسنوات بسبب الصعود المطرد للاقتصادات النامية حول العالم، كالصين، والبرازيل، والهند، قد تدهور بصورة إضافية بعد الأزمة تأثرًا بأزمة الديون السيادية في القارة، بما يهدد بالتآكل التدريجي للنفوذ الاقتصادي الأوروبي مستقبلًا لصالح المراكز الاقتصادية الصاعدة والاقتصاد الأمريكي الأكثر تعافيًّا.
أما الدراسة الأخيرة فى هذا القسم تحت عنوان «الدول الصاعدة والنظام الاقتصادى الدولى» فتشير إلى أنه قد تواكب بالفعل مع التغيرات التي شهدها النظام الاقتصادي الدولي خاصة منذ انتهاء الحرب الباردة جهود متواصلة لتكيف مؤسسات بريتون وودز مع تلك التغيرات تحت مسمى «عملية الإصلاح» في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما يواكب التطور السريع الذي يشهده الاقتصاد العالمي من جهة وضمان استمرار جدوى ومصداقية وفعالية تلك المؤسسات من جهة ثانية، واستجابة لمطالب مباشرة من القوى الصاعدة اقتصاديًّا بتفعيل دورها وتمثيل منصف لها من جهة ثالثة. إلا أنه من الواضح أن العملية تواجه بتلكؤ شديد حتى الآن من القوى المهيمنة داخل هذه المؤسسات.
وقد كان لتعثر أو محدودية الأثر لجهود إصلاح مؤسسات بريتون وودز خاصة من حيث تعزيز تمثيل الدول النامية والصاعدة فيها دور في حفز عدد من الدول الصاعدة على إيجاد صيغ مؤسسية بديلة أو موازية. وقد تلقت هذه الظاهرة زخمًا مؤخرًا حيث أعلن رؤساء البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا في شهر يوليو 2014 عن الاتفاق رسميًّا على إنشاء بنك بريكس للتنمية NDB) BRICS New Development Bank)، بينما أعلنت الصين في شهر أكتوبر من نفس العام عن تأسيس البنك الأسيوي للاستثمار في البنية الأساسية  
( Asian Infrastructure Investment Bank (AIIB   بنهاية عام 2015. ويعد الإعلان عن البنكين تحولًا هامًا في بنية العون الإنمائي وهياكله المؤسسية، بينما يعتبره البعض تحديًّا مباشرًا لنظام بريتون وودز وبنيته القائمة. ويشير هذا التوجه إلى إنشاء بنوك مستقلة للتنمية من قبل الاقتصادات الصاعدة بشكل مبدئي إلى تمتعها بالثقة والإمكانات الكافية التي تؤهلها لإنشاء مؤسسات تنموية متعددة الأطراف خارج إطار بريتون وودز التي هيمنت ماديًّا وفكريًّا منذ نشأتها، وبالتالي تشكل تلك الظاهرة إرهاصات لكسر هذا الاحتكار. كما قد تشير من ناحية ثانية إلى يأس تلك المجموعة من الدول من إصلاح نظام بريتون وودز من داخله بحيث يتكيف مع حقائق صعودها الاقتصادي ويعكس قدراتها المتنامية، واتجاهها من ثم إلى العمل من خارج هذا النظام بل وإمكانية تهميشه وتحديه.

طباعة