مقالات

التحرك المصري في الأزمة الليبية

طباعة

بدأت في الظهور منذ فترة قصيرة بوادر لتحولات في مجمل التحركات المصرية في ليبيا، فالموقف المصري من الأزمة الليبية لازال ثابتاً كما هو منذ بداية الانقسام السياسي بين الشرق والغرب، فمصر لازالت تدعم الحفاظ علي وحدة ليبيا وترغب في الخروج من الأزمة الحالية من خلال إطار للتسوية السياسية، وهو ما عبرت عنه مصر بوضوح من خلال دعمها للحوار السياسي الذي عُقد بين الأطراف الليبية المختلفة تحت رعاية الأمم المتحدة، وتظل مصر أيضاً رافضة لفكرة الميليشيات أو التشكيلات العسكرية غير النظامية وغير الخاضعة لسلطة الدولة، وبالتالي فمصر تدعم الأطراف السياسية والعسكرية الشرعية، سواء كانت مجلس النواب في طبرق أو الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر. كل هذه الثوابت التي شكلت الموقف المصري من الأزمة الليبية لم تتغير، ولكن ما تغير هو الأسلوب الذي بدأت مصر تستخدمه لتحقيق أهدافها في ليبيا، وهو ما يضيف الكثير من المرونة للسياسة الخارجية المصرية تجاه ليبيا.

ظل هناك تناقض واضح في الدور المصري في ليبيا، فمن ناحية، مصر كانت تعلن عن دعمها للحوار السياسي واتفاق الصخيرات الذي نتج عن جلسات الحوار، ولكن من ناحية أخرى، استمرت مصر في تقديم الدعم لطرف علي حساب الآخر، وهو ما يتعارض مع فكرة الاتفاق السياسي من الأساس. ولكن بالرغم من تناقض الموقف المصري وتعارضه مع الاتفاق السياسي، إلا أن هذا التناقض كان بمثابة الإطار الذي تسعى من خلاله مصر للحفاظ علي مصالحها في ليبيا. فاتخاذ أي موقف معادي للاتفاق السياسي كان سيضع مصر في مواجهة مع مجموعة من الفاعلين الداعمين للاتفاق، وعلي رأسهم الاتحاد الأوروبي، وفي نفس الوقت، التخلي عن دعم الجيش الوطني الليبي وخليفة حفتر يُعرض المصالح المصرية، وخاصة تلك التي تتعلق بالأمن القومي وأمن الحدود، للخطر، حيث أن خليفة حفتر، وبالرغم من كونه شخصية جدلية لا يتفق عليها عدد كبير من الشعب الليبي، إلا أنه استطاع من خلال قيادته للجيش الوطني الليبي أن يوفر الحد الأدنى من أمن الحدود لمصر، ولعل خير دليل علي ذلك هو عدم تمكن تنظيم داعش في ليبيا من السيطرة علي أية مدن من تلك المتاخمة للحدود المصرية. ونظراً لأهمية الدور المصري في ليبيا، واشتراك مصر في عملية صناعة القرار السياسي داخل ليبيا من خلال نفوذها الإقليمي واعتماد النخب السياسية في الشرق الليبي علي مصر كأحد أهم الحلفاء، أحدث هذا التناقض في الموقف المصري حالة من الركود داخل المشهد السياسي الليبي.

بدأت مصر مؤخراً في استخدام أدوات مختلفة علي الساحة الليبية، وباتت مسألة تعديل بعض مواد اتفاق الصخيرات ودعوة خليفة حفتر ليكون طرف من أطراف الحوار فكرة مقبولة لدى الكثير من القوى السياسية والعسكرية داخل ليبيا، والقوى الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الليبي، وهو ما يُعد نجاح لمساعي الديبلوماسية المصرية في الملف الليبي. فمصر كانت معترضة علي عدد من بنود الاتفاقية الخاصة بوضع القوات المسلحة داخل هيكل الدولة، وفي نفس الوقت كانت مصر حريصة علي وجود حليفها خليفة حفتر علي مائدة الحوار السياسي، بعد رفض الأطراف الليبية والأمم المتحدة مشاركته في الجولة الأولي. وقد بدأت بالفعل المشاورات حول التعديلات المطلوبة في الاتفاقية سواء داخل مجلس النواب بطبرق أو من خلال بعثة الأمم المتحدة التي تسعى للتقريب في وجهات النظر بين الأطراف الليبية المختلفة.

وفي النهاية نحن امام مشهد قد يكون بمثابة أولى ارهاصات حلحلة الوضع في ليبيا، وهو ما جاء كنتيجة لتحركات مصرية داخل ليبيا وخارجها، وهو ما يقودنا لنقطتان في غاية الأهمية، الأولى هي حاجة مصر لتطوير رؤية شاملة للمصالح المصرية في ليبيا وكيفية وضع إطار يسمح بتحقيق هذه المصالح علي ارض الواقع، والثانية هي محورية الدور المصري في ليبيا وضرورة استمرار مصر في لعب هذا الدور لتفادي أي تصعيد سياسي أو عسكري من قبل أطراف النزاع في ليبيا.

طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية