متابعات تحليلية - مصر

تيران وصنافير: الحراك الاجتماعي والمسارات القانونية

طباعة

فوجئ الرأي العام المصري خلال زيارة ملك المملكة العربية السعودية بتوقيع اتفاقية سميت باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة ،وهو ما يترتب عليه نقل تبعية ملكية جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلي المملكة. وجاء رد الفعل الشعبي علي توقيع هذه الاتفاقية بغضب عبرت عنه موجة من الاحتجاجات اعتراضاً علي تلك الاتفاقية التي تُعطي حقوق السيادة علي جزيرتي تيران وصنافيرللمملكة العربية السعودية. وشهد الحراك السياسي الرافض للتخلي عن الجزيرتين عودة للعمل الجمعي في المجال العام، فبالرغم من حجم القيود الموضوعة علي العمل السياسي المعارض أو غير المؤسسي من قبل الدولة، وبالرغم من تنوع آليات الحد من الحراك الاجتماعي، كالتشريعات والحبس الاحتياطي، إلا ان القوى الاجتماعية الرافضة للاتفاقية تمكنت من التعبئة ضد التوقيع، ومثلما استطاعت هذه القوى ان تحشد لاحتجاجات شعبية شارك فيها الآلاف والقي القبض خلالها علي مئات المحتجين، وهم من اُفرج عنهم في وقت لاحق، كما تمكنت أيضاً هذه القوى من التحرك في مسار مؤسسي من خلال القضاء، وبالرغم من أن اللجوء للقضاء جاء من خلال مبادرات فردية في البداية، إلا ان حجم التنسيق والعمل المشترك بين عناصر مختلفة خلق تحالفا يعمل علي اسقاط الاتفاقية من خلال القضاء.

ولعل نموذج الحركة الرافضة لاتفاقية ترسيم الحدود يحمل في طياته عدد من التطورات المتعلقة بمشهد الحراك السياسي في مصر، والذي عانى من الركود كنتيجة للبيئة السياسية الرافضة للتحرك الجمعي غير المؤسسي، فالتحالف الرافض للتنازل عن تيران وصنافير لم يعمل فقط من خلال الحشد الجماهيري، سواء تمثل هذا الحشد في احتجاجات او تظاهرات، ولكنه عمل أيضاً من خلال الهيكل المؤسسي للدولة ممثلا في القضاء، وهو ما يعد تطور هام في آليات الاحتجاج لدى التيار المعارض في مصر. وفي ذات الوقت، يوضح هذا النموذج أن التيار المعارض في مصر، بالرغم من التهميش الذي يتعرض له، لازال قادراً علي تحقيق بعض المكاسب من خلال التأقلم مع تغيرات البيئة السياسية والتنوع في آليات الاحتجاج، وهو ما يمكن أن يكون نواه لحركة اجتماعية جديدة تعمل وفقا لطبيعة البيئة السياسية في المرحلة الحالية.

وبالتوازي مع الحراك الشعبي الرافض للاتفاقية،  دعا عدد من المحامين المهتمين بالشأن العام المواطنين لتحرير توكيلات لإقامة دعوي قضائية طعنا علي الاتفاقية، بل سبق بعضهم في غضون يومين من الإعلان عن الاتفاقية إلي إقامة دعاوى بصفاتهم الشخصية، وعلي رأسهم المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي، وبعد جلسات مطولة للتنسيق بين فريق من المحامين المستقلين والمنتمين إلي تيارات سياسية عدة تم نشر دعوة للخبراء والباحثين والمختصين لإمداد فريق الدفاع بمزيد من الوثائق والمستندات والخرائط والمعلومات التاريخية والجغرافية التي تعزز موقف فريق الدفاع في القضية، وقد لاقت هذه الدعوة استجابة كبيرة، حيث انهالت علي فريق الدفاع مئات الوثائق والخرائط والمراجع العلمية التي تدحض كافة الحجج والمعلومات المغلوطة التي أثيرت من قبل أطراف حكومية ومن قبل بعض الإعلاميين. وبدأ نظر أولي تلك الدعوات القضائية في 17مايو 2016، وعقب عدة جلسات تباري فيها فريق الدفاع في إثبات حقوق السيادة التاريخية لمصر علي الجزيرتين والتي ترجع إلي ما قبل تأسيس المملكة العربية السعودية، تم حجز الدعوي للحكم. وبتاريخ 21 يونيو 2016 أصدرت الدائرة الأولي بمحكمة القضاء الإداري حكمها في الدعوتين اللتين حملتا رقمي 43709 و 43866 لسنة 70 قضائية ،والمقامة من المحاميين خالد علي وعلي أيوب وما يزيد علي المائة وثمانين متداخلا انضماميا لهما، وهو الحكم الذي قضي ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية علي اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية وما يترتب علي ذلك من آثار أصها استمرار تبعية جزيرتي تيران وصنافير لمصر.

وصدر هذا الحكم التاريخي معددا 28 سببا قانونيا وتاريخيا وجغرافيا داحضا كافة الحجج التي سيقت من قبل محامي الحكومة، وإلي جانب أهمية الموضوع الصادر بشأنه الحكم إلا أن ما زاده أهمية هو ذلك الجزء الخاص بدحض ما ساقته الحكومة بخصوص عدم تبعية تيران وصنافير من الأساس للدولة المصرية وتصدي المحكمة لوصف تلك الاتفاقية (التي امتنعت الحكومة طوال جلسات نظر الدعوي عن تقديمها إلي المحكمة) بأنها عمل من أعمال السيادة لا يجوز الطعن عليه أمام المحاكم بتكرارها لما سبق وقررته المحكمة الإدارية العليا حديثا من أن "أعمال السيادة ليست نظرية جامدة وإنما تتسم بالمرونة وتتناسب عكسيا مع الحرية والديمقراطية فيتسع نطاقها في النظم الديكتاتورية ويضيق كلما ارتقت الدولة في مدارج الديمقراطية" ،وما قررته المحكمة من أن  "الواقع الدستوري في مصر قد تغير وَجَدَّ واقع دستوري جديد ،فقد تضمن الدستور الحالي النص في المادة 151 علي أن (وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدات تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة) ،وتابعت المحكمة حيثياتها لتقرر أن الدستور قد أرسي فكرة الاختصاص الممنوع أو المحظور علي السلطة التنفيذية في مجال إبرام المعاهدات الدولية ، وتابعت المحكمة قائلة : " وحتي يمكن لجهة الإدارة التمسك بنظرية أعمال السيادة لمنع القضاء من نظر عمل من أعمالها فإن أول شروط إعمال تلك النظرية هو أن يكون العمل القانوني داخلا في اختصاصها وأن يكون مستوفيا للاشتراطات التي يقررها الدستور ،ومتجنبا المحظورات التي يفرضها، فإذا ثبت أنها غير مختصة به أو أن جهة الإدارة أهدرت الشروط التي يقررها الدستور أو قعت في الحظر الذي يفرضه فلا يجوز لها أن تتستر خلف ستر أعمال السيادة لمنع القضاء من بسط رقابة المشروعية علي عملها " .

وكما كان متوقعاً ،لم يلق الحكم قبولاً لدي الحكومة ،فقام ممثلها بالطعن عليه أمام المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 23 يونيو 2016 ، وكان ذلك بالتزامن مع قيام الحكومة بإقامة إشكال في التنفيذ تطالب فيه المحكمة بوقف تنفيذ الحكم مؤقتا برقم 68737 لسنة 70 قضائية ، وهو ما حدا بالمحامي خالد علي لإقامة إشكالا عكسيا يطلب فيه الحكم بالاستمرار في تنفيذ الحكم وعدم اتخاذ أية إجراءات من شأنها نقل تبعية الجزيرتين وحمل رقم 66959 لسنة 70 ق ، وقضي في هذه الإشكالات بالترتيب برفض إشكال الحكومة وقبول إشكال الأستاذ خالد علي وإلزام الحكومة بالاستمرار في التنفيذ ، وبالرغم من عدم اختصاصها طبقا لنص المادة 190 من الدستور التي تقصر نظر منازعات التنفيذ في أحكام مجلس الدولة علي محاكم مجلس الدولة وفقط ،فقد أصدرت محكمة الأمور المستعجلة حكما يقضي بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري القاضي بتبعية جزيرتي تيران وصنافير لمصر، وفي رأيي، يشكل هذا الحكم  اعتداء علي نص دستوري واضح وقاطع الدلالة وكونه انتهاكا لقواعد الاختصاص الولائي، وهو الحكم الذي قام فريق من المحامون بالطعن عليه بالاستئناف الذي حمل رقم 373 لسنة 2016 وتم حجز الاستئناف للنطق بالحكم لجلسة 31 ديسمبر 2016 ، وأيضا قام ممثل الحكومة بإقامة منازعتي تنفيذ علي حكم محكمة القضاء الإداري أمام المحكمة الدستورية العليا انتهاكا لنص المادة 190 من الدستور أيضا وبناء علي أسباب يراها فريق المحامون الطاعنون علي تلك الاتفاقية بأنها محض أسباب واهية لا يمكن أن تشكل عائقا في سبيل استمرار تنفيذ ذلك الحكم حملتا رقم 37 لسنة 38 منازعات تنفيذ بتاريخ 14 أغسطس 2016 وتحدد لنظرها جلسة 8 يناير 2017 .

وفيما يتعلق بالطعن أمام المحكمة الإدارية العليا من قبل الحكومة علي حكم تبعية الجزيرتين لمصر وبطلان توقيع ممثلها علي اتفاقية التنازل عنهما ،فقد كانت جولة أخري من جولات الصراع القانوني بدأت بقيام أحد أعضاء فريق المحامين الطاعنين برد الدائرة الأولي (فحص طعون)بتشكيلها القائم آنذاك برئاسة المستشار الدكتور عبدالفتاح صبري أبو الليل وذلك لكون أحد أعضائها يعمل مستشارا لوزارة الخارجية المصرية ،وهي أحد الطاعنين، فأصدرت الدائرة السابعة (فحص طعون) حكما هو الأول من نوعه في تاريخ مجلس الدولة المصري بقبول طلب رد تلك الدائرة بكامل أعضائها عدا المستشار الدكتور عبدالفتاح صبري أبو الليل (نظرا لبلوغه سن المعاش)  في الطلب رقم 75215 لسنة 62 قضائية عليا ،ليتم بعدها تغيير تشكيل تلك الدائرة رئيسا وأعضاءً لتتشكل برئاسة المستشار أحمد الشاذلي، وأمام تلك الدائرة حاول ممثل الحكومة تقديم عددا من الوثائق والمستندات التي كان يري أنها تؤيد عدم تبعية الجزيرتين لمصر من الأساس ، تلك المستندات التي اكتشف فريق الدفاع أن بعضها يثبت "نصا" تبعية الجزيرتين للدولة المصرية ،وهو ما تم إثباته بمحاضر الجلسات وتحت سمع وبصر المحكمة. وأيضا تقدم فريق الدفاع بعشرات من الوثائق الجديدة التي تؤيد صحة موقفه وتثبت حقوق مصر التاريخية وسيادتها علي الجزيرتين ،وقد نجح فريق الدفاع في الحصول علي تلك الوثائق من الخبراء والمختصين وعدد من الأرشيفات الوطنية لدول أجنبية ،وهذا في ظل امتناع دار الكتب والوثائق القومية ووزارة الخارجية عن تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية العليا بتمكين فريق الدفاع من الحصول علي بعض الوثائق التي تؤيد وتثبت صحة موقفه. وحاول ممثل الحكومة أمام المحكمة إثبات عكس ما أتت به تلك الوثائق أو التشكيك فيها، وهو ما لم يلق صدي لدي هيئة مفوضي المحكمة الإدارية العليا، التي أصدرت مؤخرا تقريرا مكونا من ثلاثة وثمانين صفحة يعيد الرد علي كل حجج ومزاعم ممثل الحكومة وما جد منها، ويوصي في ختامه بعدم قبول طعن الحكومة علي حكم محكمة القضاء الإداري وتأييد ذلك الحكم.

 وانتهي فريق المحامين الطاعنين علي تلك الاتفاقية من مرافعاتهم بجلسة 19 ديسمبر 2016 لتقرر دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا حجز الطعن للحكم لجلسة 16 يناير 2017، وهذا الحكم الذي إذا صدر برفض طعن الحكومة سيضع قولا فصلا في هذه القضية ليغلق معه ملفها إلي الأبد وتستمر تبعية الجزيرتين للدولة المصرية، أما في حالة ما إذا قررت دائرة فحص الطعون جدية هذا الطعن فإنها سوف تحيله إلي دائرة الموضوع، وهي نفس دائرة فحص الطعون ولكن برئاسة السيد المستشار رئيس مجلس الدولة المصري، وسنكون في هذه الحالة أمام جولة جديدة من المرافعات يتم حجز الدعوي بعدها للحكم مرة أخري. وفي سابقة هي الأولي من نوعها، وبالرغم من الحكم واجب النفاذ ببطلان توقيع ممثل الحكومة علي الاتفاقية، فقد قام مجلس الوزراء بتاريخ 29 ديسمبر بإحالة الاتفاقية للبرلمان، وهو ما يمكن أن ينتج عنه وضعا شاذا يضع البرلمان في مواجهة السلطة القضائية، بل ويضع دولة القانون والمؤسسات علي حافة الهاوية من خلال تصارع مؤسساتها مع بعضها البعض، وهو ما قد يسبب خللاً بنيوياً في النظام السياسي المصري مستقبلاً.

وفي النهاية، من غير الممكن إغفال دور التحالف الرافض لاتفاقية ترسيم الحدود في إعادة إحياء مشهد الحراك السياسي في مصر والتطوير من آلياته، فبالرغم من كون النزاع بين الحكومة وفريق الدفاع نزاعاً قضائياً داخل المحاكم، إلا أنه في النهاية يظل مرتبطاً بإطار سياسي أوسع له علاقة بالمشهد الكلي للحراك السياسي والاجتماعي في مصر في المرحلة الحالية.

طباعة
مالك عدلي

محامى وباحث قانوني