متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

المؤتمر العام لحركة فتح: خروج من الأزمة أم شرعنة الخلاف؟

طباعة

تمر حركة فتح الفلسطينية بأزمة شديدة ربما تكون الأخطر في تاريخ الحركة منذ ولادتها السرية في أكتوبر عام 1957 ثم انطلاقتها الرسمية على يد الراحل ياسر عرفات في عام 1965.

ومع أن تلك الأزمة ترجع بداياتها للسنوات الأخيرة في حياة الرئيس ياسر عرفات، إلا أن الشعور بوطأة تلك الأزمة تعاظم لدى أعضاء الحركة منذ رحيله.

إذ كان قادرا بكاريزميته على احتواء المشكلات أو الأزمات التي تمر بها فتح أو على الأقل التعامل معها بما لا يخل بكيانها.

وكان تراجع نصيب حركة فتح في مواجهة الفصائل الأخرى خاصة حماس في الانتخابات التي أجريت قبل أكثر من عقد من الزمن واحدة من أهم تجليات الوضع المأزوم الذي مرت وتمر به الحركة.

ومع تأزم الحركة تأزمت منظمة التحرير الفلسطينية، بل وتأزم الوضع الفلسطيني برمته.

ومع الدعوة التي أطلقها الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر حركة فتح السابع تتجدد الآمال في خروج الحركة من أزمتها، ومع ذلك فإن السؤال الأهم المطروح حاليا، ليس على فتح فقط، ولكن على كل المعنيين بالأوضاع الفلسطينية، هل يساهم المؤتمر السابع في حلحلة أزمة الحركة؟ وهل ما زال لدى الحركة ما يؤهلها للتعامل مع أزمتها ويؤهلها أيضا للقيام بدورها التاريخي في الساحة الداخلية الفلسطينية وفي قيادة الفلسطينيين نحو إقامة الدولة الفلسطينية؟ 


الصراع داخل فتح

مثلت فتح منذ نشأتها جبهة عريضة أو بالأحرى بوتقة انصهرت فيها كل التيارات الفلسطينية بصرف النظر عن انتماءاتها الفكرية والإيديولوجية، وتناقل الفلسطينيون مقولة أن "من لا تنظيم له فإن فتح تنظيمه".

وكان ذلك أحد أهم العوامل التي ساعدت في نجاح وقيادتها للعمل الفلسطيني بمستوييه المسلح والسلمي.

واستطاعت من خلال الحفاظ على منهجها والالتزام به التعامل مع بعض الأزمات التي واجهتها داخليا.

إذ شهدت الحركة ما يمكن توصيفه بست أزمات كانت تعبيرا عن محاولات انشقاق من جانب بعض أعضائها.

وقد بدأت تلك الأزمات بأزمة ما عرف بتنظيم الكويت في عام 1965، ثم تمرد أبو عبيده في عام 1967، ثم أزمة التنظيم في لبنان عام 1972، ثم أزمة الانشقاق فيما عرف بفتح المجلس الثوري في أعقاب حرب 1973، ثم حركة الانشقاق الأكبر في عام 1982 التي حاولت إنشاء ما سمي فتح الانتفاضة.

حتى جاءت أزمة يوليو 2004 بغزة.

حيث تم اختطاف اللواء غازي الجبالي علي يد مجموعات مسلحة قيل أنها محسوبة على حركة فتح وتلتها عمليات أخرى شبيهة وضح معها أن ثمة تيارين يتصارعان في فتح هما تيار الرئيس عرفات ومؤيديه مثل هاني الحسن وجبريل الرجوب، وتيار العقيد محمد دحلان ومعه محمود عباس ونبيل عمرو.

وقد سيطر ذلك الصراع على المشهد الفلسطيني خلال السنتين الأخيرتين للرئيس عرفات، كما عبر عن نفسه في مناسبات عديدة لعل أهمها اضطرار الرئيس عرفات قبول تعيين أبو مازن رئيسا للوزراء وقبول دحلان في منصب وزير دولة لشئون الأمن.

وبينما بقى تيار الرئيس عرفات متماسكا حتى بعد رحيل عرفات، فإن التيار الآخر شهد افتراقا بين أقطابه الثلاثة أبو مازن ودحلان ونبيل عمرو، نتيجة اعتراض الأخيرين على مواقف وسياسات أبو مازن.

وبدأ أن أبو مازن يقترب من أقطاب تيار الرئيس عرفات، ومن ثم زاد الشقاق بينه وبين دحلان وصولا إلى فصل دحلان من اللجنة المركزية لفتح في عام 2011، والتراشق الإعلامي الحاد بينه وبين أبو مازن بشكل علني عبر الصحف وشاشات التليفزيون.

حيث شن الرئيس أبو مازن خلال خطاب ألقاه في مارس 2014 هجوما شديدا على دحلان اتهمه فيه بالفساد وبالضلوع في الاغتيالات والعمالة لإسرائيل كما ألمح لدور ما لدحلان في وفاة الرئيس عرفات.

وهو ما دفع دحلان للرد ومهاجمة أبو مازن وأسرته، واتهمه بالتواطؤ والفساد، كما شكك في قدرته على قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية.


أهمية المؤتمر العام للحركة 

وفي الواقع فإن المؤتمر العام لحركة فتح يعد أحد أهم الأسس في بناء الحركة، وهو أهم فعاليات الحركة، كونه يعني بمناقشة الوضع الداخلي، كما أنه هو المنوط به اختيار قائدها العام، وأعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

وطبقا للمادة 43 من النظام الأساسيّ للحركة فإن المؤتمر العام يعقد مرة كل خمس سنوات بدعوة من اللجنة المركزية، ويجوز تأجيل انعقاده لظروف قاهرة بقرار من المجلس الثوري.

ولم تتمكن الحركة من الالتزام الحرفي بنص تلك المادة بسبب الظروف التي مرت بها بل والتي مرت بها المنطقة برمتها، فعقد المؤتمر أحيانا قبل مرور الخمس سنوات وأحيانا تجاوز تلك الفترة بكثير.

فبينما يعتبر المؤتمر الذي عقد في عام 1964 هو المؤتمر الأول، فإن المؤتمر الثاني عقد في عام 1967، والثالث في عام 1971، والرابع في عام 1980، والخامس في عام 1988، والسادس في عام 2009.

وكان من المفترض أن يعقد المؤتمر السابع في عام 2014، إلا أن ظروف الحرب الإسرائيلية على غزة وعدم انجاز الاستحقاقات التي يجب أن تسبق عقد المؤتمر مثل انتخابات الأقاليم ناهيك عن غياب الإرادة السياسية لعقد المؤتمر، كل ذلك حال دون عقده في موعده.

ثم جاء قرار اللجنة المركزية بعد أشهر قليلة من توقيع 47 عضواً (من أصل 81 هم إجمالي أعضاء المجلس) من أعضاء المجلس الثوري على وثيقة تطالب بعقد اجتماع طارئ للمجلس وتحديد موعد لعقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح، من أجل حل مشاكلها الداخلية، مهددين باتخاذ خطوات لاحقة في حال لم تتم الاستجابة إلى طلبهم.


تدهور شعبية فتح

وفيما يتصل بانعكاس أزمة فتح الداخلية على تواجدها في الشارع الفلسطيني، فإنه على الرغم من خسارتها الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006 في مواجهة حركة حماس، فإن الحركة استفادت من الانقلاب الذي قامت به حماس، حيث بدا أن الرأي العام بدأ في الانحياز للحركة وأصبح يفضلها في أعقاب ذلك الانقلاب في مواجهة حماس، بيد أن شعبية الحركة بدأت في التراجع بشكل واضح خلال السنوات التالية وحتى الأن.

إذا تشير الاستطلاعات الدورية التي يجريها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، إلى أن شعبية فتح وصلت في سبتمبر 2007 إلى 48% مقابل 31% لحماس، ثم بدأت تلك الشعبية في التراجع لتصل في ديسمبر 2010 إلى 44% ثم إلى 43% في ديسمبر 2011 ثم إلى 36% في ديسمبر 2012 ثم إلى 34% في ديسمبر 2014 وهي النسبة ذاتها التي تم تسجيلها في استطلاع المركز في أبريل 2016.

خلال العشرة سنوات الأخيرة إذا فقدت حركة فتح حوالي 30% من شعبيتها لدى الرأي العام الفلسطيني، وهو الأمر الذي يؤكد عمق الأزمة التي تواجهها فتح على المستويين التنظيمي والشعبي، ويضع في الوقت نفسه علامات استفهام كثيرة وكبيرة حول قدرة المؤتمر العام السابع للحركة على التعامل بفعالية مع أزمة الحركة بمستوييها.


مؤتمر لشرعنة الخلاف

على الرغم من أن المؤتمر العام السابع للحركة مطلوب منه أو متوقع منه أن يناقش أزمة فتح ويضع الرؤى الكفيلة بالتعامل معها وانتخاب هياكلها المؤسسية مثل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، فإن التخوف الأكبر والاحتمال الأرجح هو أن يركز المؤتمر فقط على استكمال هياكل الحركة بعيدا عن دحلان وأنصاره.

إذ يرى كثير من المهتمين بالقضية الفلسطينية وما يدور في الساحة الداخلية وخاصة داخل فتح أن الدعوة للمؤتمر لم تأت إلا لتنفيذ مهمة واحدة وهي تثبيت الخلاف بين أبو مازن ودحلان وشرعنة استبعاد الأخير وأنصاره من خلال المؤتمر العام الذي سيعقد للمرة الأولى داخل المقاطعة في رام الله، بما يزيد شكوك دحلان وأنصاره نظرا لطبيعة الحاضرين في المؤتمر والذي من المتوقع أن يكونوا من أنصار الرئيس أبو مازن باعتباره المتحكم في الدعوة للمؤتمر، ناهيك عن الصعوبات التي تحول دون حضور فتحاويو الخارج، وفتحاويو غزة الذين خرجوا في تظاهرات في أكتوبر 2016 منددين باستمرار الخلاف بين دحلان وأبو مازن، ومحذرين من عقد المؤتمر العام باعتباره مؤتمر “انشقاقي” يهدف لإقصاء “المناضلين” والاستفراد بالمشهد الفتحاوي والفلسطيني، كما قام عدد منهم بحرق صور أبو مازن.

وفي هذا السياق يرى الكاتب الفلسطيني طلال عوكل أن المؤتمر لن يكون قادرا على حل مشكلات فتح الحقيقية تماما كما فشل المؤتمر السادس في تلك المهمة وأنه سيكرس للصراع مع تيار محمد دحلان بما من شأنه تعميق أزمة فتح.

كما أن هناك من المحللين الفلسطينيين من يضيف ويؤكد أن المشكلة تظل في أن أبو مازن لا يريد المصالحة مع محمد دحلان بدليل أن الحركة دعت للمؤتمر قبل تحقيق المصالحة مع دحلان التي بوسعها توفير بيئة أفضل تساعد في إنجاح المؤتمر. 


خلاصة القول أن محمد دحلان بات الرقم الصعب في معادلة إصلاح فتح، فبدون حل الأزمة بينه وبين أبو مازن فسيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل التعامل مع المشكلات الحقيقية للحركة.

ويظل بقاء الأزمة بين دحلان وأبو مازن التعبير الأكبر والأكثر وضوحا عن الأزمة الداخلية الحقيقية داخل فتح.

فالأزمة أبعد من أن تكون مرتبطة بالرجلين ولكنها في الحقيقة تعبير عن أزمة حقيقة عنوانها صراع الأجيال داخل الحركة وعدم استعداد قادة الحركة الأكبر سنا لإتاحة الفرصة لأجيال أخرى والأهم عدم استعدادهم للتفاعل الإيجابي مع أفكار ورؤى أخرى داخل الحركة، ناهيك عن مشكلة تغليب المصالح الشخصية وإعلائها على المصلحة العليا للحركة، فيما ينظر إليه أجيال كثيرة في الحركة باعتباره تخليا عن تاريخ الحركة التي استوعبت الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم واحتوائهم حتى في حال ارتكبوا أخطاء، حيث كان الهدف الأول والأخير لقادتها في ظل الرئيس ياسر عرفات هو الحفاظ على تماسكها ووحدتها، ولعل ذلك ما يدفع دولا عربية في مقدمتها مصر للضغط في اتجاه ضرورة التوصل إلى المصالحة بين أبو مازن ودحلان للحفاظ على حركة فتح وتهيئتها للانتخابات المقبلة في مواجهة حماس، خدمة للهدف الأساسي المتمثل في تدعيم الجبهة الفلسطينية للتعامل مع استحقاقات وتحديات إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

فالساحة الفلسطينية لم تعد تحتمل انقسامات وصراعات داخلية أكثر مما هي عليه الآن.

وفي كل الأحوال فإن المؤتمر السابع سيظل نقطة فارقة في تاريخ الحركة سيكون لها ما قبلها وما بعدها، فإما ينهي معاناة فتح، وإما يكرسها (وهذا هو الاحتمال المرجح) ويكون أحد أسباب اشتعالها وانفتاحها على سيناريوهات أكثر مأساوية للحركة ومن ثم للقضية الفلسطينية.

طباعة
د. صبحي عسيلة

رئيس برنامج الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية