متابعات تحليلية - العالم

لماذا يخشي الأمريكيون نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة ؟

طباعة

قبل أقل من أسبوع واحد على عملية التصويت في الانتخابات الرئاسية الآمريكية، يبدو الأمريكيون أكثر قلقا من النتائج المُحتملة والتي لن تخرج عن أربعة احتمالات سيكون لها تبعاتها وتأثيرها على الشارع والحياة السياسية الأمريكية لسنوات مقبلة.الاحتمال الأول: أن تفوز هيلاري كلينتون على دونالد ترامب باكتساح سواء في التصويت العام أو في الحسابات داخل المجمع الانتخابي لكل ولاية على حدة.
الاحتمال الثاني: أن تفوز كلينتون بفارق بسيط في التصويت وحسابات المجمع الانتخابي.
الاحتمال الثالث: أن يتفوق ترامب على كلينتون بفارق بسيط ويحقق المفاجأة بالفوز بالبيت الأبيض.
الاحتمال الرابع: أن يكتسح ترامب كلينتون ويفوز بأغلبية كبيرة.
من بين الاحتمالات الأربعة السالفة الذكر يمكن استبعاد الاحتمال الأخير، اذ يبدو من المستحيل فوز ترامب بأغلبية ساحقة، حيث تظهر الاستطلاعات العامة أن فوز ترامب ولو بفارق أصوات قليلة سيكون في حد ذاته مفاجئة مدوية.
ورغم ذلك يحمل كل احتمال من الاحتمالات الثلاث المتبقية تبعات ومخاطر ربما لم تتعرض لها الولايات المتحدة على مدى تاريخها الحديث، أو على الآقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
أولا: مخاطر الاحتمال الأول
رغم أن فوز كلينتون الساحق على ترامب سيعني أن الشعب الأمريكي قد قرر بأغلبية كبيرة رفض خطاب ترامب الذي يتمركز حول إعادة السياسات القائمة على التمييز العرقي والثقافي، بل وربما الديني إلى الواجهه.

إذ يأتي ذلك بعد أن تمكنت حركة الحقوق المدنية من تحقيق انتصارات متوالية في ملفات عديدة مثل المساواة بين البيض والسود، وتقليل الفجوة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات، وحقوق المثليين (ركز عليها أوباما كواحدة من أهم إنجازات إدارته في خطابه الذي ألقاه في جامعة فلوريدا المركزية يوم 28 أكتوبر الماضي).

ورغم أن ذلك سيعني تجريد ترامب من أية حجة لإثارة العنف في الشارع هو ومؤيديه في حالة خسارته الانتخابات، نقول رغم ذلك فلن يلغي هذا النجاح حقيقة أنه حتى هذه اللحظة مايزال أكثر من 50% ممن يتم سؤالهم عن مدى ثقتهم في هيلاري كلينتون يعربون عن عدم ارتياحهم لترشحها من الأصل، ويعتبرون فوزها باكتساح تصويتا بالرفض لترامب أكثر منه تأييدا لها.

ويعني ذلك أن كلينتون في حالة فوزها بالمقعد باكتساح سيكون عليها كسب ثقة الناخب الأمريكي بها، ولن يكون ذلك أمرا سهلا.

فربما يكون مخرجها الوحيد في هذه الحالة هو اتخاذ قرارات سريعة في ملفات وعدت بحلها مثل رفع الحد الأدني لساعة العمل من 9 دولارات حاليا إلى 15 دولارا (يعتقد بيرني ساندرز الذي نافس كلينتون في الترشح عن الديمقراطيين أنها قد تستطيع رفع هذا الحد إلى 12 دولارا فقط )، وعلاوة على أن حد 12 دولار قد لا يرضي أغلبية العاملين في ظل المستوى الراهن لأسعار السلع والخدمات، فأن اصحاب الأعمال ربما يدخلون في صدام معها حول هذا الملف كون رفع الحد الأدنى لأجر ساعة العمل، سيرفع تكلفة الإنتاج مما يؤثر على عائدات استثماراتهم بشكل كبير.

أضف لذلك أن وعد كلينتون بفرض ضرائب مرتفعة على الشرائح الأكثر ثراءً لتمويل زيادة الأجور وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، يعني دخولها في صدام مع جماعات مصالح كبرى مثل شركات التأمين، والشركات الكبرى العاملة في الصناعة والخدمات المتنوعة، ناهيك عن صدام أكثر عنفا مع الجمهوريين في الكونجرس والذين يروّجون أن تطبيق كلينتون لوعودها، سيقود التضخم وعجز الموازنة الفيدرالية إلى مستويات خطرة تهدد محاولات إنعاش الاقتصاد الأمربكي المتعثر منذ عام 2008.

أما إذا اختارت كلينتون التنازل عن تحقيق وعودها لجمهور الناخبين، فسيؤدى إلى تزايد الفجوة بين الديمقراطيين وجمهورهم الانتخابي وربما يهدد بتدهور تمثيلهم في الكونجرس عندما تحل انتخابات التجديد النصفي بعد عامين من دخولها المحتمل للبيت الأبيض.

والأخطر من ذلك أن الخطاب الذي تبناه بيرني ساندرز والذي يقوم على إحداث ثورة داخل الحزب الديمقراطي وتمكين الشباب الذي يؤمن بالافكار شبه الاشتراكية من لعب دور أكبر في وضع سياسات الحزب وتحديد توجهاته، هذا الخطاب قد يزداد صعودا ويؤدي إلى انقسام الحزب وتشرذمه مستقبلا.
ثانيا: تبعات الاحتمال الثاني
في خطابه الذي ألقاه لتأييد كلينتون بجامعة فلوريدا المركزية FCU يوم 28 أكتوبر الماضي، قال الرئيس أوباما، إنه نافس في انتخابات 2008 جون ماكين، وفي انتخابات 2012 ميت رومني، ولكنه لم يكن يخشى على الديمقراطية الأمريكية في حالة فوز أي منهما، أما مجرد أن يكون هناك احتمال لفوز ترامب فهذا ما يثير خوفي ورعبي على الديمقراطية.
ومن هنا يمكن القول أن فوز كلينتون بفارق ضئيل على ترامب لن يكتب النهاية للمخاوف التي عبر عنها أوباما، فقد أعرب ترامب عن رفضه احترام نتائج الانتخابات، ويروج مؤيدوه أنهم سينزلون للشارع للاحتجاج على النتائج إذا لم تكن في مصلحة مرشحهم، كما أن الفارق الضئيل يعني وجود أقلية كبيرة للغاية تؤيد الخطاب العنصري والتصادمي لترامب في السياستين الداخلية والخارجية مما يدعم من قوة المخاطر التي تحيط بالديمقراطية كفكرة، ويزيد من الانقسام في الشارع ويهدد بقاء المؤسسات الحزبية الكبرى كون ترامب يعلن بوضوح أنه ضد هذه المؤسسات التي لم تعد تعبر عن اختيارات الناخب الامريكي وتوجهاته.
وقد أكد على هذه المخاوف الكاتب الامريكي JEET HEER في مقال له بمجلة the new republic عدد نوفمبر الجاري بقوله: لو خسر ترامب بفارق بسيط فهذه ستكون الكارثة الحقيقية إذ سيعني ذلك أن خطابه كان مقبولا من نسبة معتبرة من الأمريكيين، وسيحفزه ذلك على خوض معركة شرسة عبر برنامجه التلفزيوني ليشكك في نتائج الانتخابات، كما ستؤدي خسارته البسيطة أمام كلينتون إلى زيادة شعور الأمريكيين البيض من ذوي التعليم المتوسط أو الأقل والذين يعتبرون قاعدته الانتخابية الأساسية بأن بلادهم قد أصبحت رهينة الأقليات بعد أن فاز أوباما الأسود بفترتي حكم، وبعد أن تفوز كلينتون بأصوات النساء والملونين.
ثالثا تبعات مفاجأة فوز ترامب
قبل أسبوعين فقط لم يكن احتمال فوز ترامب قائما بقوة إذ كانت كافة الاستطلاعات تظهر تفوق هيلاري كلينتون على دونالد ترامب بفارق وصل إلى 12? في بعضها، كما أشار موقع realpolitices في حينها إلى أن احتمالات فوز ترامب تقترب من الصفر بحساب المجمع الانتخابي لكل ولاية وليس وفقا للتصويت العام.

وأشارت الواشنطن بوست إلى أن نسبة احتمال فوز ترامب لا تزيد عن 8?، ولكن نفس الصحيفة عادت لتنشر استطلاع جديد يوم 30 أكتوبر أظهرت نتائجه أن كلينتون لم تعد تتفوق على ترامب سوى بنقطتين فقط (47% مقابل 45%)، والأمر المثير للقلق لدى الديمقراطيين هو تفوق ترامب على كلينتون بفارق أربعة نقاط في ولاية فلوريدا التي تعتبر من أهم الولايات في حسم السباق الانتخابي.

وبمعني آخر فقد أصبحت احتمالات فوز ترامب ممكنة رغم استمرار تفوق كلينتون في الاستطلاعات.

ويخشى الديمقراطيون من احتمالات ألا يُقبل الكثيرون على الإدلاء بأصواتهم، أو أن ترتفع نسبة من كانوا يعلنون في الاستطلاعات عدم حسم خياراتهم حتى اللحظة الأخيرة، فمن شأن هذين العنصرين أن يحدثا انقلابا في النتائج تبدو غير متوقعة حتى الآن.
فوز ترامب من شأنه أيضا أن يكرس حقيقة هزيمة المؤسسات أمام الحركات الشعبوية الجديدة التي تجتاح العالم في الآونة الأخيرة.

ورغم أن ترامب لو وصل للبيت الأبيض لن يكون بوسعه الانفراد بالقرارات في ظل قوة المؤسسات الأمريكية وعلى رأسها الكونجرس، إلا أن تصريحاته غير المنضبطة، واستعداده لخوض الصراعات قد يهدد التناغم الذي يميز عمل المؤسسات السياسية والحكومية الأمريكية.

أضف لذلك أن وعود ترامب التي أطلقها بإلغاء مشروع التأمين الصحي المعروف باسم أوباما كير، وإلغاء اتفاقات التجارة الحرة التي وقعتها أمريكا مع الصين ودوّل النافتا، سيدخله حتما في صدامات مع جماعات المصالح المؤثرة داخل الكونجرس وخاصة لوبي الاستيراد، ورجال الأعمال المعترضين على وعوده الخاصة بطرد المهاجرين الذين يعدون أيدي عاملة رخيصة مفيدة لمصالحهم المادية.

علاوة أيضا على وعد ترامب بعدم توقيع الولايات المتحدة على اتفاقية الحد من انبعاث الغازات المدمرة للبيئة، وهو ما سيجعله يصطدم باللوبي المدافع عن البيئة، خاصة وأن مرشحة حزب الخضر "ج .

ستاين" في الانتخابات الرئاسية الحالية تحظي بتأييد نسب من المستطلعين وإن كانت صغيرة، وتركز هي وحزبها على هدف منع تلوث البيئة بوضع قيود على الصناعات المتسببة في تهديد السلامة البيئية لأمريكا.
بمعنى أكثر وضوحا من المرجح أن يشعل فوز ترامب معارك متعددة على مستوى الداخل الأمريكي.

وقد تؤدي بعض المعارك والأزمات المنتظرة إلى شُل الأجهزة السياسية والتنفيذية في البلاد مما يعيق أي جهد لمعالجة أزمات اخطر وأكثر إلحاحا، وبشكل خاص محاولة إنقاذ الاقتصاد الامريكي ومنع تعرضه لأزمة ركود مماثلة للتي مر بها عام 2008 ولم يتعافى بعد منها كلية حتي الآن.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية