متابعات تحليلية - العالم

أنقرة وبغداد: معركة الموصل تشعل الأزمة مجدداً

كرم سعيد * 29-12-2016
طباعة

على خلفية معركة الموصل التي انطلقت في 14 أكتوبر 2016 لتحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

تصاعدت وتيرة التصريحات العنيفة المتبادلة بين تركيا والعراق، بعد الرفض القاطع من حكومة بغداد لأي دور تركي في معركة الموصل، وتصميم أنقرة على المشاركة.

وقد انتقل التوتر بين الطرفين إلى مرحلة الهجوم الشخصي حينما خاطب أردوغان رئيس الوزراء العراقي العبادي بالقول: “اعرف حدودك أولًا، فأنت لست بمستوى أن تكون محاوري، أنت لست بمستواي"، ليتبعه رئيس الوزراء العراقي بتغريدة تنطوي على السخرية من استخدام أردوغان لتطبيق الاتصال عبر جهازه الخلوي لدعوة مؤيديه للتصدي لانقلاب 15 يوليو الماضي.

الوجود التركي في العراق

دخل المناخ مرحلة الشحن بين البلدين بعد دعوة الرئيس التركي إلى قراءة التاريخ القريب والعثماني لتبرير التدخل التركي في الموصل التي تعتبرها تركيا جزء منها وتابعة لها.

وتتواجد تركيا عسكرياً في العراق منذ العام 1994 بموافقة حكومات البعث زمن صدام حسين لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا إرهابيا ناهيك عن المساهمة في فك النزاع الداخلي الكردي-الكردي الذي حصل بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني و" الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال طالباني في الفترة من 1994 وحتى العام 1998.

وحصلت القوات التركية على موافقة برلمان إقليم كردستان بعد إسقاط نظام صدام حسين في العام 2003، بهدف إضفاء شرعية قانونية وسياسية على الوجود التركي في العراق.

كما تتواجد تركيا استخباراتيا منذ الثمانينيات ومطلع التسعينات، عبر بعض التنظيمات التركمانية (الجبهة التركمانية) وإن كانت لا تتبع الاستخبارات التركية في شكل مباشر.

ويقدر حجم القوات التركية في كردستان العراق ومناطق أخرى داخل البلاد بحوالي 3000 جندي تركي، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن البرلمان العراقي عام 2007.

أما قاعدة بعشيقة شمال شرق الموصل، والتي تأسست في مارس 2015، بهدف تدريب مقاتلين عرب وتركمان سنة، تحت مسمى الحشد الوطني بزعامة "اثيل النجيفي" محافظ نينوي السابق، وبحجة التحضير لمحاربة "داعش"، والذي تعتبره حكومة بغداد "قوة احتلال"، فتختلف التقديرات حول حجم القوة العسكرية التركية المرابطة فيه.

فحيث يرى البعض أنها لا تتجاوز 200 جندي تركي، أكد رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي "حاكم الزاملي" أنها تصل إلى نحو 1200 جندي، فيما يقدرها البعض بنحو ألفى جندي مدعومين بمدرعات ودبابات وكاسحات ألغام.

والأرجح أن الوجود العسكري التركي، والإصرار على المشاركة في معركة الموصل" بات يثير غضب بغداد، لذلك جدد رئيس الوزراء العراقي رفضه، واصفًا القوات التركية في العراق بالغازية، ونافيًا أن تكون جزءًا من التحالف الدولي.

دوافع التوتر

لم تكن معركة الموصل وحدها وراء توتر العلاقة بين انقرة وبغداد، فثمة عوامل أخرى: أولها أن العراق إلى جانب سوريا يمثل أحد بوابات الصراع المفتوح بين السنة والشيعة في المنطقة، وما دعوة الرئيس التركي إلى إعادة النظر في معاهدة لوزان 1920 والميثاق الوطني العثماني الذي يشير إلى امتداد حدود الدولة التركية حتى الموصل في العراق وحلب في سوريا إلا تعبيراً عن هذا الصراع.

ويرتبط الدافع الثاني باعتقاد تركيا بأن الحكومة العراقية تآكلت شرعيتها على وقع السياسات المذهبية التي اضطهدت السنة العراقيين والسنة التركمان وأبعدت الأكراد.

وترى تركيا بأن الموقف العراقي من الوجود التركي ومشاركته في معركة الموصل يعكس مصالح إيران.

وتخشى تركيا التي تشترك مع العراق بحدود تقدر بـ 350 كم من تمدد النفوذ الإيراني ليس في الموصل، بل في المناطق الحدودية مع تركيا.

أما الدافع الرابع فيرتكز بالأساس على علاقات تركيا التاريخية والثقافية بالموصل وسكانها الذين يعلي بعضهم شأن الماضي المشترك مع تركيا.

وظهر الاستلهام التركي للتاريخ عشية إحياء الذكرى الـ 78 لوفاة مصطفى كمال أتاتورك في 10 نوفمبر الجاري، حيث قال أردوغان "نتصدى للذين يحاولون تحديد تاريخ دولتنا وأمتنا بـ 90 عاماً" وأضاف "لا يمكننا أن نسجن في 780 ألف كيلو متر مربع.

حدودنا الطبيعية شئ، وحدودنا العاطفية شئ آخر تماما".

أما الدافع الخامس فهو رغبة تركيا في الحيلولة دون توسع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

ويثير انتشار ميلشيات "الكردستاني" في سنجار بعد أن ساهمت في تحرير المنطقة من قبضة "داعش" مخاوف تركيا.

وقف عمليات التظهير العرقي

تشترك في عملية تحرير الموصل جهات كثيرة منها قوات التحالف الدولي ومعه نحو مائة ألف مقاتل من قوات حكومة العراق من جيش وشرطة وقوات مكافحة الإرهاب فضلا عن مقاتلي قوات البشمركة الكردية وميلشيا الحشد الوطني ذات الطابع السني وعناصر من الميلشيات العشائرية السنية الموصلية بقيادة نوفل السلطان والمدعومة من حكومة بغداد.
غير أن وضعية قوات الحشد الشعبي الشيعية تثير جدلا واسعاً، مع تراجع حكومة العبادي عن وعدها بعدم إشراك الميلشيات الشيعية في عملية تحرير الموصل، حيث أصدرت حكومة بغداد تعليمات من وراء ستار إلى ميلشيات الحشد الشعبي بتحرك قواتها للمشاركة في معركة تحرير المدينة من "داعش".

فظائع "الحشد الشعبي" الطائفية التي تمارسها ضد السنة العراقيين دفعت الولايات المتحدة إلى تحذير حكومة بغداد من مشاركتها في مهاجمة الموصل السنية، غير أن المساعي الأمريكية لم تحقق المرجو منها من منع مشاركة "الحشد الشعبي".

وكشفت العمليات العسكرية للحشد الشعبي جنوب غرب الموصل عن استمرارها في سياسة التطهير العرقي ضد المسلمين السنة، وظهر ذلك في نشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع فيديو تابعة للميلشيات الشيعية وهم يعذبون أطفالا في الموصل بشكل وحشي، ومقاطع أخرى تظهرهم يفجرون مساجد سنية فضلا عن هدم المنازل وعمليات إعدام جماعي، وهو ما دفع منظمات حقوقية دولية في 12 نوفمبر الجاري إلى مطالبة حكومة بغداد بالتحقيق في تجاوزات الحشد الشعبي في الموصل، باعتبارها ترقى إلى جرائم حرب.

وتمثل مشاركة قوات الحشد الشعبي خطورة كبيرة على توازنات المشهد العرقي والديموغرافي في منطقة الموصل، وظهر ذلك في تصريحات طائفية من قادة الميلشيات الشيعية تدعو إلى القتل والثأر, وسبق أن مارست في العام 2014، وعشية مشاركتها في معارك تحرير الأنبار والفلوجة والرمادي والمقدادية من "داعش" جرائم طائفية.

وقد تخطت ميليشيا "الحشد الشعبي" حدودَ الدور المقرر لها في المشاركة ضمن عملية تحرير الموصل الذي يقتصر على المهام اللوجستية، حيت سعت للانخراط في عمليات القتال الرئيسية، وفرض خطة عمل في إطار تحرك منفرد تستهدف توسيع نطاق حدود العمليات ذاتها من العراق إلى سوريا، وفي هذا السياق قال نائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، في تصريحات لبعض وسائل الإعلام، إن "دور الحشد هو الأكثر مساحة والأكثر صعوبة والأهم استراتيجيًّا"، وأضاف أن "هذه المعركة لا تستهدف فقط مركز مدينة الموصل، بل مناطق شاسعة محيطة بالمدينة، وهي عبارة عن أوكار ومراكز قيادة لداعش، فضلا عن خطوط إمداد تربط المدينة بمحافظتي صلاح الدين والأنبار، والأهم من ذلك الحدود السورية".

وتتمتع ميلشيا الحشد الشعبي التي تسعى لأن يكون لها دور في رسم مستقبل الموصل، بقدرات عسكرية معتبرة تثير قلق أنقرة، فهي إضافة إلى كونها تحظى بدعم إيران، فأنها تمثل تهديداً للوجود التركماني في منطقة تلعفر التي تعد هدفاً استراتيجياً لإيران، في ضوء سعيها إلى تأمين طريق بري سريع إلى سوريا.

في المقابل فأن عناصر الحشد الشعبي وعدت بالتوجه إلى سوريا للقتال مع قوات الأسد، وهو ما قد يمثل عبئاً إضافيا على الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، والتي تسعى لإسقاط الأسد.

محاولات للتهدئة

مع تصاعد الاشتباك السياسي، والذي وصل الذروة بين تركيا والعراق، سعت إيران إلى الدخول على خط الأزمة كونها تمسك بمفاصل المشهد العراقي، وكان بارزاً، هنا، إعلان مستشار المرشد الأعلى على ولايتي في 24 أكتوبر الماضي عن استعداد طهران للتوسط بين البلدين، لكن تبدو أنقرة قلقة من غموض الدور الإيراني، خاصة أن طهران تدعو لأن يكون العراق وحده المنوط بالتعامل مع التكفيريين الذين استولوا على الموصل.

على الضفة الأخرى تبدو واشنطن عالقة في هذا النزاع المعقد والمركب، فهي وأن انحازت لحكومة بغداد، خاصة أن دور حكومة العراق يبدو أكثر أهمية في مكافحة "داعش" إلا أنها في ذات الوقت ترغب في تخفيف اعتماد رئيس الوزراء العراقي العبادي على إيران، خصوصاً أن واشنطن شأنها شأن أنقرة تقلق من الطموحات الإيرانية وخطر ارتكاب الميلشيات الشيعية فظاعات في الموصل تؤجج المشكلات المذهبية.

في هذا السياق العام حرصت الولايات المتحدة في محاولة لتهدئة المخاوف التركية على مشاركة رئيس الأركان الجنرال خلوصى أكار في منتصف أكتوبر الماضي في اجتماع رؤساء هيئات الأركان في دول التحالف الدولي لضرب "داعش"، والذي عقد في واشنطن ناهيك عن تصريحات لمسئولين في البنتاجون تعترف بأن تركيا لديها مخاوف أمنية مشروعة بشأن نتيجة حملة الموصل.

كما قدم وزير الدفاع الأميركي كارتر أشتون مقترح لحل الخلاف عشية زيارته تركيا وبغداد يومي 21 و22 أكتوبر على التوالي في محاولة لفك الاشتباك السياسي بين العبادي وأردوغان.

وتتضمن خطة كارتر مشاركة تركية مشروطة في معركة تحرير الموصل من قبضة "داعش"، وترتكز بالأساس على تعهد تركيا بسحب قواتها من العراق بضمانة أمريكية في اليوم التالي لإعلان النصر في الموصل مع تقديم ما بحوزتها من أسلحة ثقيلة هدية إلى الجانب العراقي.
ورغم ضغط التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن على بغداد لإسناد مهام نوعية ومحددة للقوات التركية في الموصل ناهيك عن تقليل التحالف الدولي لغاراته الجوية على أهداف ومواقع داعش بنسبة بلغت 68% بعد تصاعد الدور العسكري لقوات الحشد الشعبي، إلا أن المؤشرات على الأرض تلمح إلى فشل ترميم الصدع الحادث بين بغداد وأنقرة أو على الأقل ترحيل الخلاف إلى مرحلة ما بعد الانتهاء من العمليات العسكرية في الموصل.

سيناريوات العلاقة

ثمة سيناريوات ثلاثة متوقعة لمستقبل العلاقة بين أنقرة وبغداد في المستقبل:

أولاً: استمرار حالة القطيعة

فعلى الرغم من جهد أمريكي لتهدئة التوتر بين العراق وتركيا، وإعلان رئيس الوزراء العراقي في 6 نوفمبر الجاري قرارا يقضي بأن يتولى الجيش العراقي وحده فقط مهمة تحرير فضاء تلعفر إلا أن سيناريو القطيعة وتراجع العلاقة هو الأقرب لعدة أسباب من بينها أن التطورات الحادثة في سوريا والعراق تُشعر تركيا بالقلق من احتمالات تحقق مشروع كردستان الكبرى، فضلا عن إعلان "قوات سوريا الديمقراطية"، التحالف العربي- الكردي المدعوم من واشنطن في 6 نوفمبر الجاري، بدء عملية "غضب الفرات" لتحرير مدينة الرقة مدعومة بغطاء جوي من قوات التحالف الدولي، ووسط تحييد ملحوظ لتركيا.

كما أن التحالف مع أثيل النجيفي وأسامة النجيفي قد لا يبدو مؤثراً ولا كافيا في ضمان حضور تركيا في شمال العراق أو حتى شرق سوريا، بالنظر إلى الدور الإيراني الداعم للميلشيات الشيعية في العراق بجوار ممارسة استراتيجية إفراغ شرق حلب من السكان.

وراء ذلك قامت تركيا طوال الأسابيع الماضية بتعزيز وجودها على الحدود مع العراق عشية وصول قطاعات "الحشد الشعبي" نحو فضاء تلعفر.

وبدا المشهد أكثر تعقيداً مع تلميح تركيا باحتمالات تدخل عسكري حال ارتكاب عناصر الحشد الشعبي تجاوزات في حق سكان تلعفر التركمان.

أضف إلى ذلك أن بغداد تعتبر قوات تركيا على أراضيها "عناصر غازية" فضلا عن قلق بغداد من حكومة العدالة والتنمية التي تحتفظ بشراكة قوية مع القوى الإسلامية السنية وعلى رأسها الحزب الإسلامي بقيادة طارق الهاشمي، والذي يتهم التيارات الشيعية في العراق بممارسة سياسات تطهير عرقي ضد العراقيين السنة.

ثانيا: سيناريو استمرار الوضع الراهن

يفترض هذا السيناريو تجميد العلاقة بين البلدين عند وضعها الراهن، و بما يمنع تدهورها أو تفاقمها في المستقبل، غير أن هذا السيناريو يبدو ضعيفاً في ظل تصاعد الأحداث في العراق فضلا عن تجاوزات الحشد الشعبي وانتهاكاتها الطائفية ضد التركمان السنة في تلعفر.

ثالثا: سيناريو التحسن وتطوير العلاقة

على الرغم من أن العلاقات التركية العراقية شهدت تاريخياً موجات من المد والجذر عبر المراحل المختلفة، فثمة احتمال لكسر جبل الجليد في العلاقة، وتطويرها بفعل عوامل عدة من بينها مسألة الأمن القومي بفعل الحدود المشتركة.

كما تبدو ثمة حاجة لتعضيد التعاون الاقتصادي بينهما، ففي الوقت الذي تمثل أنقرة منفذاً مهماً لمرور البترول العراقي، تعد بغداد سوقاً رابحة للصادرات التركية.

العلاقة إذا بين أنقرة وبغداد قد لا تشهد استقرارا في المدى القريب أو المتوسط، وتصاعد انتهاكات عناصر الحشد الشعبي، وهو ما يمثل صداعاً لتركيا.

في المقابل فلا يعني تحرير الموصل استقرارا في طبيعة العلاقة بين العراق وتركيا، فقد تكون عملية التحرير بداية تغيير في معادلة التنافس الإقليمي، مع بروز قوى جديدة منها عناصر "الحشد الشعبي"، وتبدل العلاقات السياسية بين قوى وعناصر إقليمية، من بينها طبيعة العلاقة بين بغداد، وإقليم كردستان بعد أن أظهر الطرفان تنسيقاً مشتركاً في مواجهة "داعش"، وهو ما جعل مسعود البارزاني يتردد في إصدار تفويض لتركيا بدخول معركة الموصل ناهيك عن أن قوات الحشد الوطني واجهة تركيا في العراق باتت محل جدل قانوني بعد قرار قضائي بتوقيف أثيل النجيفي.

طباعة
كرم سعيد

باحث بمجلة الديمقراطية - مؤسسة الأهرام