متابعات تحليلية - العالم

لحظة وجودية للأوبك والدول المصدرة للنفط

طباعة

اتفقت الدول أعضاء منظمة الأوبك في الجزائر يوم 28 سبتمبر الماضي على خفض مستوى إنتاجهم من النفط ليتراوح بين 32.5 و33 مليون برميل يوميا.

ويعد هذا الاتفاق هو الأول من نوعه منذ ثماني سنوات الذي يسعى لخفض الإنتاج بهدف العمل على رفع أسعار برميل النفط.

لكن منذ جرى هذا الاتفاق وما تلاه من محادثات وتفاهمات مع دول أخرى منتجة للنفط خارج المنظمة (ومن أهمهم روسيا) ونحن نشهد حالة من التذبذب الواضح في أسعار النفط.

إذ شهدت الأسعار صعودا وهبوطا بنسبة مرتفعة بلغت نحو 20% وفقا لحالة التشاؤم أو التفاؤل المرتبطة بالأحداث الجارية، وما إذا كانت تشير إلى صعوبة أو إمكانية التوصل إلى اتفاق رسمي واضح أثناء الاجتماع نصف السنوي العادي للأوبك في 30 نوفمبر القادم.

عقبات على طريق الاتفاق

ودون الوصول لهذا الاتفاق العديد من العقبات، سواء كانت بين البلدان أعضاء المنظمة أنفسهم أو المنتجين الخارجيين.

فقد اعترض عدد من أعضاء منظمة الأوبك على الحصص الإنتاجية التي ذكرت سكرتارية المنظمة أنهم أنتجوها خلال شهر سبتمبر الماضي.

فقد ذكرت العراق أن إنتاجها كان أعلى بمقدار 320 ألف برميل يوميا عما ذكرته السكرتارية، بينما ذكرت فنزويلا أن إنتاجها كان أعلى بمقدار 245 ألف برميل يوميا.

ثم أضافت إيران أن إنتاجها هي الأخرى كان أعلى بنحو 300 ألف برميل عما ذكر.

وهناك نقطتان مهمتان تتعلقان بهذه الاعتراضات: أولهما أن الخفض المطلوب في سقف الإنتاج سيكون أعلى بكثير مما هو معلن.

ولتوضيح ذلك علينا أولا تذكر أن التفاهم الأولي بين وزراء نفط الأوبك في الجزائر كان هو الوصول بسقف إنتاج المنظمة إلى ما يتراوح بين 32.5 مليون برميل و33 مليون برميل يوميا، وكان مقدار الخفض الوحيد المعلن هو ما ذكر وزير النفط الإيراني آنذاك هو 700 ألف برميل.

ومع الوضع في الاعتبار أن سقف الإنتاج حسب تقدير سكرتارية المنظمة يبلغ 33.4 مليون برميل، إذا فنحن هنا نتحدث عن سقف جديد في حدود 32.7 مليون برميل أي ضمن المدى المقترح للخفض.

لكن مع اعتراض الدول السالفة، وربما غيرها، فإن سقف الإنتاج يرتفع في سبتمبر إلى 34.265 مليون برميل يوميا (33.4 مليون برميل ذكرتها سكرتارية الأوبك+0.320 مليون برميل تقول العراق أنها انتجتها زيادة عن تقدير الأوبك+0.300 مليون زيادة في التقدير الإيراني+0.245 مليون برميل في التقدير الفنزويلي)، وبالتالي يصبح الخفض المطلوب حتى يمكن الوصول للحد الأعلى ضمن المدى الذي حدده تفاهم الوزراء نحو 1.3 مليون برميل يوميا على أقل تقدير (أي من نحو 34.265 مليون برميل يوميا إلى 33 مليون برميل فقط).

وهنا يكون المطلوب خفضه أعلى بكثير مما تم التفاهم حوله، إذا ما تم احترام رقم 700 ألف برميل، بل وحتى الرقم الذي ذكره البعض أحيانا وهو في حدود مليون برميل.

وفي هذه الحالة فما تردد مؤخرا عن دعوة الجزائر إلى خفض مستوى إنتاج دول المنظمة بنسبة تتراوح بين 4%- 4.5% تعد مناسبة في الوصول إلى الحد الأعلى لسقف الإنتاج المذكور أي 33 مليون برميل.

الأمر الثاني، أنه علينا تذكر أن ما ينتظره الجميع عند اجتماع منظمة الأوبك في فيينا في نهاية نوفمبر ليس فقط تحديد كمية الخفض الإجمالي، بل أيضا كيف سيتم توزيع هذا الخفض على الدول الأعضاء، وأعني بالجميع هنا ليس فقط المستهلكين والشركات النفطية والمتعاملين في الأسواق، بل أيضا المصدرين للنفط خارج الأوبك.

إذ من المعلوم أن التفاوض مع هؤلاء على مقدار مساهمتهم في تحقيق التوازن في السوق سيعتمد أولا على ما تزمع الأوبك خفضه من إنتاجها.

وهنا توجد معضلة كبرى، إذ باستثناء إيران التي سُمح لها ضمنا بزيادة إنتاجها إلى الحدود القصوى التي كانت قائمة قبل فرض العقوبات عليها إلى جانب كل من ليبيا ونيجيريا الذان ينتجان أقل بكثير من حصصهما التاريخية نتيجة للظرف السياسي الذي يمران فيه، فإن وضع بقية المنتجين مقلق.

فالعراق يطالب باعفاءه من خفض إنتاجه لأنه يخوض حربا ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل، وإندونيسيا تتحفظ.

وربما تكون أفضل السبل في توزيع عادل لخفض سقف إنتاج الأوبك هو عبر الخفض النسبي من إنتاج كل دولة عضو.

فإذا تم الاتفاق مثلا على خفض بنسبة 4% من سقف إنتاج المنظمة، يجري خفض حصة إنتاج كل دولة عضو بنفس النسبة، وفي هذه الحالة تنجم معضلة أي مستوى إنتاج للعراق وفنزويلا سيتم التعامل معه، المستوى المنخفض لسكرتارية الأوبك، أم المستوى المرتفع الذي تقول به بعض الدول الأعضاء؟! وربما لهذا السبب تحديدا يؤكد بعض الأعضاء أن مستوى إنتاجهم أعلى مما تذكره المنظمة، أي أن الهدف هو هدف تفاوضي يتمثل في خفض أقل من كمية الإنتاج الفعلية لهذه البلدان.

علاوة بالطبع على أن الاتفاق سيشمل إنتاج 11 دولة عضوا فقط، أي مع حذف إنتاج كل من إيران وليبيا والعراق، وبالتالي قد يكون خفض مستوى الإنتاج بمقدار 4% إلى 4.5% وفقا لاقتراح الجزائر سيترتب عليه خفض إنتاج المنظمة بنحو مليون برميل يوميا.

أما على جانب البلدان المنتجة للنفط خارج المنظمة، فربما يكون المؤشر الكمي الوحيد الذي يشير إلى الخفض المقترح فهو ذلك الذي ذكره وزير طاقة أذربيجان من أن الأوبك تقترح خفض إنتاج هذه الدول بمقدار 880 ألف برميل يوميا، وذلك لمدة ستة أشهر بداية من شهر يناير القادم.

وإذا كان هذا صحيحا فهو سيتطلب قدرة تفاوضية عالية ودرجة مرتفعة من التفاهم بين البلدان داخل وخارج الأوبك.

ومع الشك في إمكانية قبول البلدان المنتجة خارج المنظمة هذا المستوى من الخفض، إلا أن خفضا بهذا المستوى أو مستوى قريب منه يمكن أن يصل بمقدار الخفض الإجمالي في إنتاج الطرفين مجتمعين إلى مستوى يقترب من 2 مليون برميل وهو بالطبع أمر مطلوب لتوصيل رسالة قوية للأسواق، أما مستوى أقل من ذلك بشكل ملموس فلن يكون له انعكاس قوي في الأسواق وربما لن يفيد في شيء سوى في تعميق الخلاف بين الأوبك والمنتجين خارجها.

حتمية الاتفاق على خفض الإنتاج

في ظل الوضع الحالي للسوق إذا ما جاء الخفض من جانب الأوبك والمصدرين خارجها أقل من من حيث القدرة على امتصاص كامل فائض العرض في السوق كما أشرنا فربما يكون غير ذي جدوى، إلى حد الخشية من تدهور شديد في الأسعار إذا ما اقتنع المتعاملين أن الأوبك ليست جادة بما فيه الكفاية في محاولتها موازنة السوق.

لذا بات من المحتم تثبيت هذا الاتفاق في اجتماع الأسبوع القادم.

ورغم وجود ميل لتسجيل ارتفاع في الأسعار في سوق النفط العالمي منذ تم الإعلان عن هذا الاتفاق، إلا أنه جاء متذبذبا بشدة كما أشرنا سابقا لأنه يحدث على أرضية غير مستقرة.

إذ ينبع بالأساس من توقعات المتعاملين في السوق حول إمكانية الوصول لاتفاق فعلي بين أعضاء الأوبك، ثم مشاركة المنتجين الكبار من خارج المنظمة كروسيا وغيرها في هذا الاتفاق.

والأرجح أن تسود حالة الترقب وعدم الاستقرار في السوق العالمي حتى يتم التوصل -أو عدم التوصل- لاتفاق في نهاية الشهر الحالي لعدد من الأسباب:

فهناك إلى جانب غموض الموقف بين البلدان أعضاء الأوبك المشار إليه سابقا تساؤل حول طبيعة التفاهم الممكن بين أعضاء المنظمة والمنتجين الكبار خارجها لا سيما روسيا.

فعلى الرغم من توقيع اتفاق بين المملكة العربية السعودية وروسيا في 5 سبتمبر الماضي بهدف التعاون في سوق النفط، إلا أنه على الأرجح لن يتم أي تخفيض للإنتاج من الدول خارج المنظمة إلا عقب الاستقرار أولا على الكمية التي ستخفضها دول الأوبك ذاتها.

وهنا فالموقف التفاوضي الروسي ما زال غامضا إلى حد بعيد وبشكل مستهدف، إذ رغم إبداء روسيا استعدادها الدائم للتعاون مع الأوبك، إلا أنها كثيرا ما تردد أنها سوف تثبت مستوى إنتاجها فقط ولن تقوم بخفضه.

ومن الضروري في هذا السياق الوضع في الاعتبار أن الإنتاج الروسي هو عند أعلى مستوياته التاريخية، إذ بلغ إنتاج روسيا في سبتمبر 11.11 مليون برميل يوميا وهو ما يعد رقما قياسيا للإنتاج في فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

وإذا ما أضفنا لذلك عودة تزايد منصات حفر النفط الصخري الأمريكي بأكبر وتيرة فصلية في ربع السنة المنتهي في سبتمبر واستمراره في الارتفاع في أكتوبر نتيجة للارتفاعات الحادثة في أسعار برميل النفط، علاوة على إعلان منظمة الأوبك أن مستوى إنتاج دولها قد ارتفع بمقدار 240 ألف برميل يوميا إضافية في شهر أكتوبر ليبلغ نحو 33.64 مليون برميل يوميا فنحن نتحدث عن مستوى إنتاج عالمي قياسي.

ويترتب على ذلك توفر فائض عرض كبير في السوق العالمية يزيد على 2 مليون برميل يوميا.
علاوة على ذلك كله فمستويات المخزونات العالمية تعد عند مستويات قياسية تاريخيا.

فمخزون النفط الخام في الولايات المتحدة (أكبر مستهلك عالمي) سجل يوم 18 نوفمبر الماضي وفقا للأرقام المعلنة من قبل إدارة معلومات الطاقة الأمريكية 1184.1 مليون برميل في نهاية سبتمبر منها 695.1 مليون برميل احتياطي استراتيجي و489 مليون برميل مخزون تجاري، وهو ما يعد أعلى مستوى تاريخي للمخزون عند هذا التاريخ، حيث يزيد بمقدار 33 مليون برميل عن مستواه في نفس الوقت من العام الماضي.

وكل هذه الزيادة هي في المخزون التجاري أي بدون مساهمة الإدارة الأمريكية في أي برميل من هذه الزيادة.

كما تشير بعض الجهات إلى أن الصين (المستورد الأكبر عالميا الآن) قد رفعت مستوى مخزونها من النفط الخام بشكل ملموس خلال الأشهر الأخيرة.

وفي ظل غياب أي مؤشرات اقتصادية تدل على قرب تسجيل تعاف قوي في الطلب على النفط خلال العام القادم، فقد يؤدي الفشل في تثبيت اتفاق لخفض إنتاج النفط في نهاية نوفمبر بين الأوبك والمنتجين خارجها إلى تزايد الضغوط نحو تدهور شديد في الأسعار، بل وربما أيضا المزيد من التفكك والخلاف داخل منظمة الأوبك.

طباعة
مجدى صبحى يوسف رزق

نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية