متابعات تحليلية - العالم

حرب نزع الشرعية عن ترامب

طباعة

تواصل جيل شتاين زعيمة حزب الخضر الأمريكي معركتها للتشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

فبعد أن رفضت محكمة ولاية بنسلفانيا قبول دعوتها لإعادة فرز الأصوات هناك ضمن محاولة مماثلة في ولايتي ميتشغان ووسكينسون، قررت شتاين نقل القضية إلى المحاكم الفيدرالية والمحكمة الدستورية العليا.

وتطرح هذه المحاولات التي يدعمها الحزب الديمقراطي بشكل علني تساؤلات حول الهدف منها على الرغم من إدراك الجميع، ممن يناهضون الرئيس المنتخب دونالد ترامب، أنها محاولات لا طائل من وراءها قياسا على سوابق عديدة في التاريخ الأمريكي الحديث وأقربها واقعة إعادة فرز أصوات ولاية فلوريدا عام 2001 في الانتخابات التي جرت حينها بين جورج بوش الابن وآل جور.

حيث لم تغير حتى حقيقة أن المرشح الديمقراطي آل جور كان الفائز الفعلي بأصوات هذه الولاية الحاسمة وليس خصمه جورج بوش، من واقع الاعتراف الرسمي بفوز هذا الأخير.

تنسب هذه المحاولات التي تقودها جيل شتاين إلى ما يمكن تسميته بمعركة نزع الشرعية عن ترامب من أجل تحويله إلى رئيس ضعيف تشغله الحروب الداخلية حول مدى استحقاقه منصب الرئيس عن اتخاذ قرارات كان قد وعد ناخبيه بها أثناء حملته الانتخابية، فمن شأن إبراز فشل ترامب في ذلك أن يعيد التوازن مجددا لكل أطراف الجبهة التي حاولت منذ البداية منع وصوله للبيت الأبيض:

- الديمقراطيون الذين لم يتوقعوا خسارة الانتخابات في كل مستوياتها يهمهم ألا يخسروا انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بعد عامين، كما يهمهم ألا يكون لدى ترامب أو الجمهوريين الفرصة في العودة للبيت الأبيض مجددا بعد أربع سنوات من الآن.

- الجمهوريون الذين انقسموا حول تأييد ترامب في الانتخابات السابقة مازال بعضهم يحاول إثبات أن وصول ترامب للترشح عن الحزب بداية، ومن بعدها فوزه بالرئاسة، كان خطأ كبير ويمثل مخاطر كبرى على صورة الحزب وعلى مستقبل الديمقراطية.

- الشباب الأمريكي الذي يدخل المعترك السياسي بلا خبرات أو ثقافة سياسة معقولة بشعارات حقوقية وليست سياسية، ويسعى لتحقيق أهداف مثالية مثل الحرية والعدالة المطلقين، لا يتصور إمكانية استمرار ترامب وربما إعادة انتخابه مرة أخرى بعد أربعة أعوام.

- مراكز الأبحاث والتفكير ومعها أغلبية وسائل الإعلام من صحافة ومحطات تلفزيون يهمها محو عار عدم قدرتها على التأثير في الناخبين، رغم كل ما قدموه من صور تفتقر للدقة والمصداقية عما يجري في حملة ترامب الانتخابية وعما يشعر به الشارع الأمريكي حيال المنافسة بين كلينتون وترامب والذي كان انحيازها (أي هذه الجهات) فيه لكلينتون فجًّا.

كل هذه الأطراف تشارك ولو بدون تنسيق بينها من أجل محاصرة ترامب ونزع الشرعية عنه بوسائل متعددة.
بدأ الشباب الأمريكي هذه المعركة مبكرا غداة إعلان فوز ترامب، ففي تقرير كتبه "سكوت مالوني" Scott Malone في موقع وكالة رويترز في 12 نوفمبر الماضي، قال إن المظاهرات الحاشدة التي اندلعت في كبرى المدن الأمريكية غداة إعلان فوز ترامب تم تنظيمها بشكل مرتجل، ونقل عن أحد المنظمين قوله: نحتشد اليوم أمام أحد الفنادق المملوكة لترامب لنقول له لن تنعم بالمنصب الذي حصلت عليه بأصوات أقل من الأصوات التي حصلت عليها مرشحتنا هيلاري كلينتون، وفي كل تصريح وكل قرار ستتخذه من الآن وحتى أربع سنوات قادمة سنقف ضد ما نراه خصما من حقوق الشعب الأمريكي أو أغلبيته التي اختارت كلينتون.

تزداد خطورة هذا التوجه مع ما سبق وأدلى به برني ساندرز (منافس هيلاري كلينتون للترشح عن الحزب الديمقراطي) وأكده في كتابه الذي صدر منذ أسابيع قليلة تحت عنوان "ثورتنا" من أن ترهل المؤسسات السياسية، ووصول ديماجوجي وغوغائي معاد لحقوق الإنسان والديمقراطية مثل ترامب للبيت الأبيض يجب أن ينبه الأمريكيين إلى ضرورة إحداث ثورة في التوجهات المستقبلية بإدماج الشباب داخل الأحزاب بعد عملية إصلاحها، أو تشكيل تيار مستقل يعمل بالشارع ومن خلاله للضغط على جماعات المصالح التي تقف حائلا أمام التغيير.

ويسعي ساندرز ومعه عدد من أعضاء الكونجرس لتشكيل حزب جديد يستقطب الشباب الغاضب ويقوم بمهمة تقويم الحياة السياسية الأمريكية خارج الاستقطاب التاريخي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

ومازالت الأغلبية من الشباب تراهن على ساندرز ورفاقه بما يخلق تحديا صعبا أمام ترامب الذي تتسبب تصريحاته المنفلتة في كثير من الأحيان في إثارة غضب قطاعات عديدة من الشعب الأمريكي، الأمر الذي قد ينذر بتوسيع حركة الاحتجاجات الكبرى ضد قراراته في السنوات الأربع القادمة.

الحزب الديمقراطي المنقسم داخليا بين أنصار توجهات ساندرز (لا يحتل منصبا رسميا قياديا بالحزب) وبين أنصار ما يسمى بتجمع الكلينتونيين (الفريق الذي عمل مع بيل كلينتون ومن بعده مع هيلاري كلينتون ومحسوب على جماعات المصالح الكبرى خاصة في حي المال والأعمال "وول ستريت") يمر بمناقشات عاصفة في هذه اللحظة من أجل حسم توجهات الحزب المستقبلية، ويعتبر إنصياع هيلاري كلينتون وراء جيل شتاين زعيمة حزب الخضر من أجل التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية بمثابة محاولة لإرضاء الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي والميول المماثلة لدي جيل الشباب عامة، دون توفر نية حقيقية في قطع الروابط مع جماعات المصالح الرأسمالية الكبرى.

ومن المتوقع أن يلعب الجناح اليىساري في الحزب الديمقراطي دورا أكبر في توجهات الحزب خلال الفترة القادمة لاستغلاله في المعركة ضد الجمهوريين وترامب مؤقتا على أن تسعى القيادات التقليدية لاحقا لاسترداد قيادة الحزب من الجناح اليساري قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الأمر نفسه ينطبق على الحزب الجمهوري الذي لا يريد لترامب النجاح ليجذر من حقيقة أن الحزب لم يعد قادرًا على خلق كوادر تتحلى بالثقافة المحافظة التقليدية وتكون قادرة على المنافسة في الانتخابات الرئاسية، وأنه بات معتمدا على المرشحين غير الحزبيين والذين يشاركونه جزءً من توجهاته الأيديولوجية دون التزام حزبي بمصالح وروابط الحزب مع جماعة الضغط الكبرى داخل النظام السياسي الأمريكي.

ولكن على الجانب الآخر لا يريد الحزب نجاح خصومه الديمقراطيين والليبراليين في تحويل عجز ترامب وإضعافه إلى إضعاف للحزب الجمهوري نفسه، ولذلك يسعى الحزب لمحاصرة ترامب بشخصيات قيادية تنتمي للجناح الأكثر محافظة فيه ليتم تعيينها في المناصب الكبرى على أمل أن يسمح لها وجودها في هذه المناصب بممارسة عملية ضبط لتوجهات ترامب من جهة، وفرصة لعملية تأهيل من الجهة الأخرى لعدد منهم للمنافسة مستقبلا على مقعد الرئاسة وقطع الطريق على تكرار ظاهرة فوز مغامرين من خارج الحزب مثل ترامب.

ويعتبر ترشيح ميت رومني القيادي المحافظ بالحزب الجمهوري لمنصب وزير الخارجية وهو المعروف بانتقاداته العنيفة لترامب مثالا جيدا على كيفية تفكير الحزب الجمهوري في خوض معركة مزدوجة تستهدف نسب أية نجاحات محتملة لترامب، للفريق الذي يعاونه وينتمي لتيار الحزب الرئيسي، مثل رومني، وتستهدف من الناحية الأخرى منع استغلال الديمقراطيين لنزوات ترامب المُحتملة للتأكيد على عدم جدارة الجمهوريين بالبيت الأبيض في الانتخابات المقبلة.

واخيرا فأن وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي والتي راهنت على كلينتون وثبت فشل توقعاتها وعجز مناهجها عن التأثير في الناخب الأمريكي، تريد أن تثبت أنها لم تخطأ سواء عبر احتفاءها وتركيزها على حملات التشكيك التي يقودها الديمقراطيون والخضر لإثبات وجود تلاعب في نتائج الانتخابات، أو عبر محاولة إقناع الناخب الأمريكي بأنه خٌدع بلهاثه وراء وعود ترامب أثناء حملته الانتخابية، والتي ستثبت الأيام أنها كانت مجرد وسيلة لحصد الأصوات وليس لها علاقة بالقرارات التي ستتخذ في المستقبل.

ويعتبر ما كتبته صحيفة الواشنطن بوست بعد أيام قليلة من فوز ترامب وبالتحديد في 12 نوفمبر الماضي بداية حملة مازالت مستمرة بتنويعات مختلفة لحمل ناخبي ترامب على الشعور بالقلق.

فقد كتبت الصحيفة في حينها بعد نشر تصريحات نارية لترامب أثناء حملته الانتخابية وصف فيها مؤسسات الحكم في واشنطن (البيت الأبيض والكونجرس) بأنها مؤسسات فاسده وأنه سيعمل على تطهيرها إذا ما أصبح رئيسا قائلة: أنظروا إلى الفريق الانتقالي الذي سيعمل مع ترامب خلال الشهرين القادمين حتي يتسلم السلطة رسميا من الرئيس باراك أوباما في العشرين من شهر يناير القادم، منوهة إلى أن معظم هذا الفريق له علاقات قوية بمراكز القوى الاقتصادية الكبرى في الولايات المتحدة والتي اتهمها أوباما بأنها كانت حليفة مع الإعلام ضده ولصالح كلينتون، وذكرت أسماء الشركات والبنوك الكبرى التي تجمعها بفريق ترامب علاقات قوية مثل:

Altria, Visa, Coca-Cola, General Electric, Verizon, HSBC, Pfizer, Dow Chemical, and Duke Energy

وفي نغمة لا تخلوا من الغضب الممزوج بالشماتة قالت الصحيفة: لا تنتظروا من ترامب أن يحسّن أوضاعكم المعيشية فقد وعد بإلغاء مشروع أوباما للتأمين الصحي والذي سيضر بعشرين مليون أمريكي سيجدون أنفسهم بلا غطاء لعلاجهم إذا ما نفذ ترامب وعده.

لا تصدقوا أيضا أن ترامب سيكون ضد فلسفة الجمهوريين الذين يقدسون فكرة خفض الضرائب، فمشروعه في تعديل التشريعات الضرائبية سيستفيد منها 47% وربما 76? من الفئات الأكثر ثراء في المجتمع.

معركة نزع الشرعية وحصار ترامب وإضعافه من المتوقع أن تتزايد وتيرتها في الأيام القادمة وخاصة في الأشهر الثلاثة الأولى لتوليه السلطة رسميا، فهل ينجح أعداء ترامب في تحقيق أهدافهم؟ أم أن الرجل سيثبت في النهاية أنه كما سخر الكثيرون من تفكيره في خوض معركة المنافسة للترشح عن الحزب الجمهوري وراهنوا على أنه لن يصل حتى لمراحلها الأولية وفشلوا سوف يفشلون مرة أخرى في حرب نزع الشرعية عنه.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية