متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

إسرائيل ويهود أمريكا وترامب.. علاقات معقدة

طباعة

فأن الإسرائيليين على موعد مع عودة الدفء الذي افتقدوه في علاقتهم بالولايات المتحدة خلال عهد أوباما خاصة أثناء ولايته الثانية".

والمفارقة الحقيقية أن تلك الفقرة جاءت في مقال كان ينعي بالأساس تسبب ترامب في انقسام الرأي العام اليهودي في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء بسبب الخلاف حول تقييم تأثير فوزه بالبيت الأبيض على العلاقات اليهودية- اليهودية بالدرجة الأولى. 
تاريخيا كانت أغلبية أصوات اليهود الأمريكيين تذهب إلى المرشح الديمقراطي عادة، وتاريخيا لم تتأثر مواقف الولايات المتحدة حيال إسرائيل وحيال الصراع العربي الإسرائيلي بتغير الإدارة الأمريكية من ديمقراطية إلى جمهورية أو العكس. وقد أكد على ذلك جو بايدن نائب الرئيس أوباما في حديث له أمام الكونجرس اليهودي العالمي (تجمع لممثلي الطوائف اليهودية في أكثر من مائة دولة) في 10 نوفمبر الجاري بقوله: تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل ثابت لأنه لا يتوقف على هوية الإدارة الأمريكية.

علاقاتنا مضمونة بتشاركنا نحن والشعب اليهودي في القيم والمصالح أيضا، وهي مضمونة بمواقف الكونجرس على الدوام، والأهم من كل ذلك هو ثبات موقف الجمهور الأمريكي من قضية الالتزام بحماية أمن إسرائيل.

ما قاله بايدن كان واضحا أيضا في نتائج الانتخابات الأخيرة، إذ لم يختلف السلوك التصويتي لليهود الأمريكيين عن نمط تصويتهم التاريخي، فقد صوتوا بكثافة لصالح المرشح الديمقراطي هذه المرة أيضا: حيث حصلت هيلاري كلينتون على 71% من أصواتهم، مقابل 26? فقط لترامب، كما أن أقل من 10% من اليهود قالوا إن القضية الأولى التي استحوذت على اهتمامهم في برنامج المرشحين (ترامب وكلينتون) هي الموقف من إسرائيل.

لم تختلف أيضا تصريحات هيلاري كلينتون ودونالد ترامب فيما يتعلق بالتعهدات التقليدية للحفاظ على أمن إسرائيل، ربما باستثناء دفاع هيلاري كلينتون عن الاتفاق النووي مع إيران، وهجوم ترامب في المقابل عليه ووعده بإلغائه حال فوزه بالرئاسة.

وثمة إدراك لدى اليهود المؤيدين لترامب بأن ما أطلقه من وعود فيما يتعلق بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، أو إلغاء الاتفاق النووي مع إيران لن يتحقق شيئ منه، فكل الرؤساء الأمريكيين تعهدوا بنقل السفارة منذ عام 1995، وجميعهم من بيل كلينتون (الديمقراطي) مرورا بجورج بوش الابن (الجمهوري) وصولا إلى أوباما استخدموا سلطتهم لتأجيل تنفيذ القرار الذي يتم تجديد النقاش حوله كل ستة أشهر. 

ينصب الترقب أكثر على محاولة استشفاف رؤية إدارة ترامب المُحتملة لكيفية تحقيق السلام فيما بين الفلسطينيين والإسرائيليين وخاصة بعد الخطاب الذي أرسله  دونالد ترامب مؤخرا لمؤتمر الكونجرس اليهودي العالمي والذي أعرب فيه عن أمله في إسهام إدارته في وضع حد نهائي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي!!! فهل يمكن لترامب أن ينفذ وعده، وهل بإمكانه تقديم جديد بوسعه إرضاءالفلسطينيين والإسرائيليين وجعلهما قادرين على التوصل إلى اتفاق فشلت كل الإدارات منذ بيل كلينتون وحتي باراك أوباما في تحقيقه؟ 

واقع الأمر أنه لا يمكن أن نستشف من تصريحات ترامب أنه هو أو فريقه قد بلوروا تصورا لتحركاتهم فيما يتعلق بهذا الملف، غير أن تفحص تصوراته العامة للسياسة الأمريكية الخارجية قد تشي ببعض الخطوط التي يمكن البناء عليها. 
يؤمن ترامب -كما أوضحت تصريحاته- بأهمية تخفيض التكلفة التي تتجشمها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها في الخارج، ويريد أن يلقي بالعبء أو جزء منه على حلفائه، وبالتالي فقد يسعى إلى تفعيل دور العديد من الدول التي يعتقد أنها قادرة على أداء هذه المهمة ومنحها حرية أكبر في تنفيذ تصوراتها طالما أنها تتقارب مع المصالح الأمريكية ومع تقديم الدعم السياسي لها.

كما يمكن أيضا تخفيض الانتقادات الأمريكية التقليدية تجاه ما تمارسه أنظمة هذه الدول من ممارسات تتعارض مع مفاهيم حقوق الإنسان داخل بلدانها كمكافأة على تحملها العبء المطلوب، أو بمعنى أكثر وضوحا فأن إسرائيل التي أعرب رئيس حكومتها بنيامين ناتانياهو عن سعادته بفوز ترامب الذي اعتبره الصديق الأكثر قربا له ولإسرائيل، تعتقد أن التحديات الأمنية التي تواجهها العديد من الدول العربية في مواجهة إرهاب تيارات الإسلام السياسي حاليا ستمكن إدارة ترامب من مقايضة دعمها السياسي لهذه الدول في هذه المعركة، مقابل بذل هذه الدول نفسها جهدا كبيرا لاقناع الفلسطينيين بقبول ما تعرضه إسرائيل من تصورات حول الحل النهائي للصراع معهم.

 

وثمة تصور أن دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ستكون حريصة على استخدام نفوذها ودعمها المالي سواء للسلطة الفلسطينية في رام الله أو لحركة حماس في غزة، لكي تجبر الفلسطينيين على تخفيض طلباتهم من إسرائيل لإنهاء الصراع التاريخي بينهما، مقابل دعم ترامب للسعودية في معركتها ضد قانون جاسكا، كما أن دول الخليج التي تخشى من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، يمكن أن ترى في تصريحات ترامب العدائية تجاه إيران ووعده بإلغاء الاتفاقية النووية معها مؤشرا طيبا على ما يمكن أن يحدث من تعاون بين الجانبين مستقبلا.

وترى هذه الدول أنه حتى لو لم ينفذ ترامب وعده بإلغاء الاتفاقية، فأنه على أقل تقدير سيمارس ضغوطا هائلة على إيران لتغيير سياستها في الشرق الأوسط بخفض درجة تدخلها في ملفات عديدة مشتعلة مثل الملف اليمني والسوري وأيضا وهو الأهم في ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. 

الأمر ذاته بالنسبة لمصر التي تزايدت الضغوط الأمريكية والأوروبية عليها في السنوات الأخيرة لإجبارها على إعادة إدراج جماعة الإخوان في المجال السياسي مجددا، بينما على العكس من ذلك فقد وعد ترامب بأن تدعم إدارته مصر في معركتها ضد الاٍرهاب، وحتي لو لم ينفذ ترامب وعوده -أو ما استشفه المراقبون- بإدراج جماعة الإخوان في قائمة الجماعات الإرهابية فأنه سيكون في كل الاحوال أقل تشددا من أوباما  في ربط موقف مصر من الإسلام السياسي بمستوى المعونات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية المقدمة لها مستقبلا.

وبطبيعة الحال فأن مصر التي لا تنظر بارتياح لاستمرار حكم حماس في غزة، والتي تسعى مع دول الخليج لتهيئة البديل المناسب لأبو مازن في السلطة الفلسطينية، يمكن أن تلعب دورا كبيرا في دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين متحملة العبء الأكبر لتحقيق ذلك بدلا من التدخل الأمريكي المباشر في القضية، وهو ما يريده ترامب تماما في المرحلة المقبلة.

  

إسرائيل لا تخشي ترامب ولكنها تخشي انقسام اليهود 

لا تخشي إسرائيل عمليا من السياسة المُحتملة التي قد يتبعها دونالد ترامب في ملف التسوية بينها وبين الفلسطينيين، ولكن الخشية الأكبر من الانقسام الذي يتزايد بشكل كبير سواء في داخل إسرائيل بين من يؤيدون ناتانياهو وبين من يرفضون سياساته، وانتقال هذا الخلاف إلى الطائفة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأت حركة J-street في لعب دور كبير في التظاهرات التي تدين السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

وترفع هذه الحركة التي يقودها الشباب اليهود في الولايات المتحدة شعار مثير للبلبلة: من أجل إسرائيل، ومن أجل السلام والديمقراطية، ولكنها في الغالب لا تظهر أي تعاطف مع إسرائيل التي يقودها ناتانياهو حاليا.

وتعتقد الحركة أن قبول إسرائيل بحل الدولتين والاستعداد للتعايش مع الفلسطينيين هو الحل الحقيقي لمن يحرصون على أمن وبقاء الدولة العبرية كدولة لكل يهود العالم كما أرادت الحركة الصهيونية.

غير أن اليمين الإسرائيلي يتهم الحركة بأنها معادية لإسرائيل وأنها تعمل ضدها وتهدد أيضا تماسك اليهود الأمريكيين حول موقف موحد من الدولة العبرية  وهو الأمر الذي جعل اللوبي اليهودي في أمريكا شديد التأثير في السياسات الأمريكية في الخارج حتي الآن.

ويبدو أن بعض الأكاديميين الأمريكيين المرموقين يؤيدون هذا الطرح وينتقدون سلوك حركة J-street، فعلى سبيل المثال انتقد الاستاذ بجامعة هارفارد   آلان درشفيتس في تصريحات له في أبريل عام 2014 على موقع www.jstreetexposed.com  الحركة قائلا: لقد قرأت كل ما أصدرته  الحركة من بيانات منذ نشأتها ووجدت أنه من الغريب أن تدعي منظمة تأييد إسرائيل بينما لا يوجد في وثائقها ولو إشادة واحدة بأي جانب من جوانب السياسة الإسرائيلية.

بشكل مختصر يمكن القول إن وصول ترامب إلى البيت الأبيض مع استمرار التربص به من جانب الميديا الأمريكية، واحتمالات مواصلة اليسار الأمريكي احتجاجاته ضده، أمر يزعج إسرائيل كثيرا.

فالحد الفاصل بين حركة الشباب اليهود الرافضين للسياسات الإسرائيلية، وبين الحركات الشبابية الاحتجاجية العامة في أمريكا ليس واضحا.

ويرى البعض أن انخراط أعداد أكبر من اليهود الأمريكيين في الاحتجاجات العامة ضد الإدارة الأمريكية الجديدة وضد إسرائيل هو أمر بوسعه أن يؤدي إلى انقسامات كبيرة  يصعب علاجها، كما سيخلق بيئة غير ملائمة لعمل اللوبي اليهودي التقليدي والمتمثل في منظمة إيباك بما يهدد قدرة إسرائيل على حماية مصالحها في أمريكا وربما في العالم كله مستقبلا.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية