عروض

نحو مقاربة مصرية جديدة للعلاقات مع إيران: عرض العدد 18 من دورية بدائل (سبتمبر 2016)

طباعة

تتزايد أهمية الحديث عن العلاقات المصرية الإيرانية وآليات التعامل معها خلال المرحلة الحالية لعدة اعتبارات، يتمثل الاعتبار الأول في أن إيران تعد قوة إقليمية رئيسية في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن تجالها، وينصرف الاعتبار الثاني بأن إيران بدت حريصة بعد اندلاع الثورات والاحتجاجات العربية في 2011، على الكشف عن نفوذها ودورها داخل العديد من دول المنطقة من خلال طرح تصورات أو مشروعات إقليمية تعكس المجال الحيوي لإيران في المنطقة، أما الاعتبار الثالث فيتعلق بالجهود التي تبذلها مصر لاستعادة دورها كقوة إقليمية رئيسية في المنطقة، والذى تراجع خلال العقود الماضية لاعتبارات داخلية وخارجية.
في هذا السياق، تم تخصيص العدد الجديد من دورية "بدائل "لتقديم معالجة مختلفة لعلاقات مصر مع إيران وذلك في محاولة لتحديد قضايا الخلاف والتوافق بين القاهرة وطهران خلال المرحلة الحالية، وكيفية تأثير نمط العلاقات الحالي على المصالح الاستراتيجية للدولة، والمسارات المتاحة لتنشيط هذه العلاقات بما يخدم المصالح المصرية.
ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات وفق ما تشير إليه الدكتورة إيمان رجب الخبير في مركز الأهرام، ورئيس تحرير دورية "بدائل" في مقدمة العدد التي تحمل عنوان: " القضية "المؤجلة"؟ تزايد أهمية إعادة التفكير في "المسألة" الإيرانية"، في الحاجة الملحة للتعامل مع "المسألة" الإيرانية بدلا من كونها قضية مؤجلة إلى قضية وتسمح لها باستئناف مسار ما مع إيران يحقق المصالح المصرية.
كما تثير الدكتورة إيمان الدوافع وراء أهمية إعادة التفكير في المسالة الإيرانية، حيث يرتبط أحد هذه الدوافع بحصول إيران على الشرعية الدولية كقوة إقليمية بعد التوصل للاتفاق الخاص ببرنامجها النووي مع الدول الغربية، حيث لم تعد من دول محور «الشر»، أو دولة «معزولة» أو «محاصرة»، بل غدت دولة تمثل «حليف» أو «صديق» محتمل لكثيرين، بما في ذلك الدول التي تحتفظ مصر بعلاقات استراتيجية معهم مثل الولايات المتحدة وبعض الدول العربية.
وينصرف الدافع الثاني إلى أن عدم اتخاذ مصر قرار التعامل مع إيران لن يسهم في تفعيل الدور المصري، سواء بصورة فردية أو جماعية، في أي من القضايا التي تهدد المصالح المصرية، أو التي قد تفتح مجال ما لنفوذ مصري محتمل كما هو الوضع بالنسبة للصراع في سوريا.
وينصرف الدافع الثالث إلى أهمية تحديد تأثير العلاقات مع إيران أيا كان نمطها على المصالح الاستراتيجية للدولة المصرية، كما تثير المقدمة عدة تساؤلات حول هل تعد إيران مصدر لتهديد تلك المصالح؟ وما هو نطاق ومستوى ذلك التهديد؟ وهل هو تهديد فعلي أم متصور؟ وماهي مساحات التقاطع والخلاف بين مصر وإيران فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية الرئيسية؟ وكيف يؤثر ذلك على المصالح المصرية؟
وقد أعد الدراسة الرئيسية في هذا العدد الأستاذ محمد عباس ناجي، رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية، وتحمل عنوان " The Iranian Issue: نحو مقاربة مصرية جديدة للعلاقات مع إيران" ويقدم فيها قضايا الخلاف والتوافق بين مصر وإيران، بالإضافة إلى استعراض المواقف المصرية تجاه إيران على المستويين الرسمي وغير الرسمي، وكذلك تقديم مداخل جديدة لتنشيط العلاقات المصرية مع إيران.
أولًا: قضايا الخلاف الرئيسية بين مصر وإيران:

توضح الدراسة بداية قضايا الخلاف الذى اتسمت به تفاعلات العلاقة التنافسية بين مصر وإيران ، وذلك لعدة أسباب: السبب الأول القدرات التي تمتلكها كلتا الدولتين والتي جعلت منهما قوتين إقليميتين رئيسيتين في منطقة الشرق الأوسط، السبب الثاني اختلاف اتجاهات السياسة الخارجية وتباين أنماط التحالفات الإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل التنافس على الدور الإقليمي هو المحور الأساسي الذي حكم مسار العلاقات بين مصر وإيران خلال الفترة الماضية، وينصرف السبب الثالث لقضايا الخلاف إلى الاتهامات المصرية لإيران بالتدخل في الشئون المصرية، إذا ركزت مصر في بعض الفترات على قضية شارع خالد الإسلامبولى، بالإضافة إلى العناصر المصرية المطلوبة من قبل أجهزة الأمن المصرية والتي انتقلت إلى إيران عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وسعى إيران إلى التدخل في أحداث 25 يناير2011، واعتبار الثورة المصرية استلهاماً لنموذج الثورة الإسلامية الإيرانية، بالإضافة إلى التدخلات الإيرانية مرة أخرى مع اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، من خلال الإنذار الذى وجهته القوات المسلحة، ومختلف الأطراف السياسية بضرورة التوصل إلى حلول للازمة السياسية في غضون 48 ساعة، كما أن إيران نفسها بدأت في مطالبة مصر بعدم التدخل في شئونها الداخلية على خلفية مشاركة برلمانيين مصريين في المؤتمر الذى عقدته المعارضة الإيرانية في باريس، حيث اعتبرت ذلك تدخلاً في شئونها الداخلية.
فيما يشار إلى السبب الرابع في قضايا الخلاف في رفض مصر إضفاء الطابع الطائفي على الصراعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تحرص على ضرورة حصر هذه الصراعات في إطار سياسي وتفريغها من مضمونها الأيديولوجي، وهو ما يتباين مع توجهات السياسة الخارجية الإيرانية تجاه القضايا الإقليمية المختلفة، حيث اعتمدت تلك السياسة على دعم الأنظمة والتنظيمات الشيعية في المنطقة على غرار نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وحزب الله اللبناني، والمليشيات الشيعية الموجودة في العراق، وتنظيم أنصار الله الحوثي في اليمن.
ثانيًا: قضايا التوافق في ظل التنافس الإقليمي:

تبين الدراسة في الجزء الثاني قضايا التوافق حيث توضح رغم شدة التنافس الإقليمي الذي اتسمت بيه العلاقات بين مصر وإيران، ألا انه في الوقت ذاته ثمة ملفات إقليمية تحظى بنوع من التوافق النسبي في الأهداف العامة كما هو الحال بالنسبة للحل السياسي للازمة السورية، حيث تتبنى مصر وإيران تسوية الأزمة السورية سياسيا حتى وان كان ذلك لا يعكس توافق في أهداف ومصالح الدولتين، اذا أن مصر تبدو حريصة على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومؤسسات الدولة السورية وهو ما لم يتحقق ألا من خلال الوصول إلى تسوية سياسية للازمة السورية، أما ايران تتبنى تسوية الأزمة السورية سياسياً في ضوء حماية مصالحها ونفوذها داخل سوريا وهو احتمال لا يبدو مضمونا في حال تسوية الأزمة من خلال الخيار العسكري.
وتنصرف القضية الثانية من قضايا التوافق إلى الدعوة المصرية الإيرانية بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، حيث تقدمت الدوليتين في أغسطس 1974، بمبادرة إلى منظمة الأمم المتحدة بشأن إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وان توجه ضد مخاطر امتلاك الأسلحة النووية دون أن تعرقل استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية وفى هذا الاطار، فان مصر كانت دائما تحاول استثمار التطورات التي تشهدها الساحة الإقليمية خصوصا في مرحلة ما بعد الوصول للاتفاق النووي بين ايران ومجموعة 5+1، حيث سارعت مصر إلى التأكيد على أن تقييمها للاتفاق سوف يرتبط بمتغيرين أولهما مدى قدرت الاتفاق على جعل الشرق الأوسط خالي من أسلحة الدمار الشامل، والثاني مدى تأثيره في تغير السياسة الإيرانية إزاء قضايا المنطقة.
ثالثًا: المواقف المصرية تجاه إيران:

يمكن تقسيم المواقف المصرية تجاه إيران إلى مواقف رسيمة تصدر عن بعض مؤسسات الدولة مثل مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية والأزهر الشريف، ومواقف غير رسيمة تصدر عن وسائل الأعلام والقوى المجتمعية المختلفة، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:
على المستوى الرسمي:

يمكن القول إن محاور الخلاف بين مصر وإيران انعكست في المواقف الرسمية المصرية تجاه إيران والتي ركزت على وضع أمن الخليج ضمن أولويات السياسة الخارجية المصرية وتأكيد وقوف مصر إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي ضد أية تهديدات خارجية.
على المستوى غير الرسمي:

يمكن على هذا المستوى التركيز على تناول وسائل الإعلام وبعض القوى السياسية للعلاقات مع إيران، حيث يمكن القول في البداية إن تلك الجهات لا تتبنى رؤية مستقرة وواضحة المعالم تجاه إيران، أو إزاء قضايا السياسة الخارجية بصفة عامة، بما يعني أن تناولها لقضية العلاقات بين مصر وإيران، أو للسياسة الخارجية الإيرانية تحكمها اعتبارات أخرى.
رابعًا: مداخل "تنشيط" العلاقات مع إيران:

تقدم الدراسة خمس مداخل لتنشيط العلاقات مع إيران خلال الفترة المقبلة على نحو قد يعزز الدور المصري في المنطقة، وتشمل فتح قنوات تواصل مع إيران وتفعيل آلية المسار الثاني Track Two، ورفع مستوى التعاون الاقتصادي معها، والسعي إلى ممارسة دور الوسيط في الخلافات الخليجية-الإيرانية، ورفع مستوى العمل العربي المشترك لموازنة تزايد النشاط الإيراني في المنطقة.

تعد دورية "بدائل" سلسلة "دراسات سياسات" محكمة، تصدر كل شهرين عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وتهتم بالقضايا التي تشغل دوائر صنع القرار في مصر.

طباعة
مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية