إصدارات المركز - التقرير الاستراتيجى العربي

عالم وإقليم يزدادن تأزمًا

د. عمرو هاشم ربيع 28-12-2016
طباعة

انتهى العام 2015 وبدأ العام الجديد، وعندما انتهى العام 2014 وشرع العام 2015 فى الانسياب رويدًا رويدًا، ظن الكثير من المتفائلين أن هذا العام سيمر بشكل أفضل على العالم والمنطقة ومصر، لكنَّ السنين التى مردت على العبث بالمقدرات وابتلاء النظم والشعوب فى آن واحد أبت أن يمر العام 2015 دون المزيد من النواكب وحيك المكائد التى أضحت تزداد عامًا بعد عام.

ورغم أن الأمل ما زال يحدو بالمرء أن يرى العالم العام 2016 أفضل حالا، إلا أن إرهاصات الأحداث تنبىء بأن الكثير من مناطق العالم ستكون حرضًا وهلاكًا.
الصراع والتنافس على الموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ظل هو الهدف فى الصراع الدولى خلال العام 2015، ومحاولات الفوز بمناطق نفوذ سياسية وتجارية وغيرها أصبح هو المحك الرئيس فى السباق الدولى على كسب المزيد من الأرض.

فالعالم الخارج منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف من قطبية ثنائية مقيتة، انتقل إلى عالم أحادى القطبية، ثم إلى متعدد الأقطاب.

فدخول التنين الصينى والعملاق الألمانى إلى جانب عودة الدب الروسى منذ سنوات قليلة، والاهتمام غير المسبوق لليابان بإعادة تسليح جيشها عام 2015، والذى يخرجها عمليًّا من معاهدة سان فرانسيسكو فى سبتمبر 1951، كل ذلك وربما المزيد فى العام 2016 سيجعل العالم أكثر رعبًا، ونظمه وحكامه يلجأون إلى الشحذ والحشد والتعبئة كل منهم تجاه الآخر.

صحيح أن التنافس الاقتصادى لكسب الأرض أصبح غالبًا على التنافس العسكري، لكن هذا الأمر الأخير ظل لا غنى عنه لدعم الأول بقوة.
فى ظل هذه المخاوف لجأت الدول النامية خلال العام إلى التعاون تحت ثلة من مسميات التنسيق والتنمية المستدامة وغيرها من المسميات، أملُا فى أن تجد لها مكانًا وسط هؤلاء المردة.

هنا جاءت القمة العربية اللاتينية فى نوفمبر كآلية للتعاون فى مجالات الاقتصاد والبيئة والثقافة والتربية والعلوم والتعليم والتكنولوجيا والسياحة وغيرها من المجالات ذات الصلة لتحقيق التنمية فى تلك البلدان والمساهمة فى إرساء السلم والأمن الدوليين، وقمة الاتحاد الأفريقى فى أديس أبابا فى يناير 2015، والقمة الآسيوية الأفريقية فى جاكرتا فى إبريل 2015، وكذا القمة العربية الأفريقية الرابعة المنتظر عقدها فى غينيا الاستوائية عام 2016 بعد القمة الثالثة التى عقدت بالكويت فى عام 2013، وقمة البلدان الإسلامية فى تركيا المزمع عقدها فى إبريل 2016...إلخ.
على أن كل ما سبق ـ وينتظر ـ  من تعاون لا يمكن أن يكون محط حديث عن علاقات وئام وتحالف بين العالم النامى والأقطاب المركزية فى النظام الدولي، إذ استمر العام 2015 –وككل عام- فى التنافس داخل البلدان المنضوية تحت تلك التكتلات وفيما بينها داخل التكتل الواحد، كما استمرت علاقات التنافس والصراع بين بعضها وبين الأقطاب الكبرى من خارجها.

فالصين سعت إلى تحدى القوى الكبرى الأخرى، وبدأت فى مغازلة العديد من البلدان الأقل نموًّا من خلال بنك الاستثمار الآسيوى للبنية التحتية (AIIB) الذى اعتبرته ـ وآخرون ـ  عوضًا عن البنك الدولي، لكنها فى خضم البحث عن أسواق خارجية ما فتئت أن لجأت لاستعراض عسكرى ضخم بمناسبة مرور 70 عامًا على انتصارها فى الحرب العالمية الثانية، لتوجيه أكثر من رسالة للقوى الإقليمية الأخرى بل وللولايات المتحدة التى تدعم تلك القوى.

والبلدان الأفريقية التى راحت تدعم وتعضد من تكتلاتها السابقة خلال العام 2015 كالكوميسا والساداك وغيرهما، وقعت فريسة للعديد من الخلافات البينية وبينها وبين بعض القوى الخارجية.
لكن يبقى النظام العربى والنظام الإقليمى الشرق أوسطى قائمًا خلال العام وسط أمواج متلاطمة ورياح حاصبة وقاصبة على مدار العام 2015، دون أن تعرف المنطقة للهدوء مكانًا للراحة والسكينة.
فالولايات المتحدة الأمريكية راحت تبحث عن مصالحها الاستراتيجية فى المباحثات مع إيران حول برنامجها النووي، وما أن توصلت لاتفاق فيينا مع مجموعة 5+1 وإيران فى 14 يوليو 2015، الذى عززه مجلس الأمن فى قراره رقم 2231 حتى انقلبت كافة الموازين فى المنطقة العربية بل ونظام الشرق الأوسط برمته.

فالمملكة العربية السعودية وبلدان مجلس التعاون الخليجى (باستثناء عُمان) التى سعت للركض خلف اتفاق تعاون عسكرى مع الولايات المتحدة فى قمة كامب ديفيد فى 13مايو 2015 للرد على الاتفاق وعلى طموحات إيران التى خرجت بعده لتؤكد مركزها كقوة عظمى إقليمية، خاب مسعاها.

وبدلا من أن تعوضها الولايات المتحدة كما عوضت إسرائيل التى ملأت الدنيا عويلًا قبل وبعد الاتفاق، برَّأ الرئيس الأمريكى إيران من تهمة تهديد أمن حلفائه فى الخليج، وراح يكيل الاتهامات لها بشكل غير مباشر عندما تحدث عن أن تهديد الأمن الداخلى للبلدان يأتى من قِبَل النظم التسلطية ذاتها.
لذلك راحت المملكة العربية السعودية التى قامت بحرب شنتها على اليمن لمواجهة النفوذ الإيرانى تزيد من إصرارها على إكمال تلك الحرب مع حلفائها فى التحالف العربي، لاسيما بعد تعنت تحالف الحوثي-صالح فى مفاوضات السلام بقيادة المبعوث العربى الأممي ولد الشيخ أحمد.

كما قامت المملكة بردود فعل مرتبكة عديدة.

فإلى جانب الرغبة فى تأسيس جيش عربى موحد تحت راية الجامعة العربية، بدت المفاوضات حول تأسيسه تتعثر لأسباب متصلة بالهدف من التأسيس أو وظائف هذا الجيش وكذا القيادة والتمويل والتنظيم وحجم المساهمات.

ذهبت المملكة لتوقيع اتفاق «مجلس تعاون استراتيجي» مع تركيا، وهو ما سبقتها إليه بعدة أسابيع قطر التى أنشأت لأول مرة قاعدة عسكرية تركية على أراضيها.

واستكمالا لحالة الإرباك أعلنت السعودية عن تأسيس تحالف إسلامى خارج نطاق منظمة البلدان الإسلامية فى 15 ديسمبر 2015 يتألف من 34 دولة لمواجهة إيران وقد سمت التحالف قبل ذلك «التحالف السني».

المهم أن إيران وسط كل هذه الأنواء راحت تتوغل وتسعى لبسط المزيد من السيطرة على بعض البلدان العربية، وهو ما كان لها فى العراق واليمن وسوريا ولبنان.
وعشية اليوم الثانى من العام 2016 حدث ما لم يكن فى الحسبان بإعدام المملكة لمعارضين سعوديين منهم داعية شيعي، فما كان من متطرفين إيرانيين تدعمهم الدولة إلا وقاموا بإحراق السفارة السعودية فى طهران والقنصلية فى مشهد، فقامت المملكة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران وتبعها البحرين والسودان وجيبوتى وخفضت الإمارات من مستوى التمثيل الدبلوماسي, وهكذا افتتح العام 2016 مع استفحال الأزمة بين العرب وإيران بشكل غير مسبوق، وهو ما يجعل دعوة إيران للسلام مع محيطها الذى سمته «القمر الإسلامي» فى مواجهة الانقسام ما بين ما سمى «الهلال الشيعي» و«الهلال السني» سرابًا ونسيًا منسيًّا.
لقد كانت ممارسات إيران الاستفزازية تجاه النظام العربى فى العام 2015 من خلال ممارساتها تجه سوريا والعراق واليمن ولبنان وكذا بعض بلدان الخليج، قد أسفرت عن محاولات هيمنة سياسية مصطبغة بصبغة مذهبية واضحة، ما ساهم فى المزيد من تشظى بلدان المنطقة على تشظيها الذى تركت عليه فى العام 2014.

وقد زاد من زخم ذلك المزيد من عولمة المنطقة بالمعنى السلبى للكلمة، ليس بفعل الاتفاق النووى مع إيران فحسب، بل  بفعل تدخل روسيا فى الأزمة السورية بشكل مكثف وفرنسا بشكل محدود بعد هجمات باريس ليلة 15 نوفمبر 2015.
أما تركيا فلم تكن بعيدة عن المشهد، إذ واصلت دعمها للإخوان، وللمملكة العربية السعودية فى مواجهة إيران، لا سيما بعد أن خفتت مواجهة المملكة للإخوان بعد رحيل الملك عبد الله.

وزاد الطين بلة التدخل الروسى المكثف فى سوريا ما قطع عليها كافة مخططاتها، فمن ناحية أربك التدخل الروسى كافة الحسابات التركية تجاه حزب العمال الكردى التركى الذى زادت من هجماتها عليه خاصة مع وصول الشعوب الديمقراطى الكردى للبرلمان فى انتخابات يونيو 2015.

وجاءت أزمة إسقاط تركيا للسخوى الروسية فى 24 نوفمبر 2015 لتزيد المشهد إرباكًا على إرباكه، حيث فرضت روسيا الكثير من العقوبات على تركيا، ما جعل الأخيرة تتجه لإسرائيل للحصول على الغاز بدلا من الحصول عليه من روسيا، وهو أمر تدرك صعوبته بسبب قلة المعروض الإسرائيلى مقارنة بالروسي.

من ناحية أخرى، أدى التدخل الروسى فى الأزمة السورية لمزيد من اللغط فى السياسة التركية تجاه حليفها الداعشى الذى بات يومًا بعد يوم فى مرمى نيران السخوى الروسية.
فى هذه الأثناء راح الجميع يواجه -فى العام 2015- داعش التى بدت تصول وتجول فى المنطقة وخارجها بدعم من هذا الطرف أو ذاك.

إذ طالما لا توجد نية حقيقية لمواجهة الإرهاب من قبل الأنظمة الدولية، فلا يمكن أن تكون مقاومة الإرهاب مجدية أو تلقى بالا.

هنا لا يمكن الإشارة فقط إلى الاستكانة الأمريكية الواضحة فى الحرب على داعش فى كل من سوريا والعراق، بل وأيضًا للتقاعس الأمريكى فى مد العراق بالسلاح الكافى للمواجهة رغم زيارة العبادى للولايات المتحدة الأمريكية فى 15 إبريل 2015 طلبًا للسلاح، وتأكد استمرار تعاون تركيا مع التنظيم، واستقبال السعودية لأحرار الشام حليف جبهة النصرة فى مؤتمر الرياض فى ديسمبر 2015.
كل هذه الأمور وأمور أخرى أدت إلى استشراء التنظيم خاصة وأعمال العنف والإرهاب المرتبطة بالمنظمات التى ترفع شعارات إسلامية عامة، على النحو الذى جرى فى استهداف المساجد الشيعية فى الكويت العاصمة وفى الدمام والقطيف فى السعودية فى يونيو وأكتوبر، وضرب تونس العاصمة وسوسة فى مارس ويونيو على التوالي، وباريس فى نوفمبر، وبيروت فى نوفمبر ومالى فى مارس، والقاهرة وسيناء عدة مرات خلال العام وفى سروج بتركيا فى يوليو.

وقد بلغت الأمور حد توسع تنظيم داعش (أنصار الشريعة) للسيطرة على مساحات شاسعة من الدولة الليبية، الأمر الذى ينذر بعواقب وخيمة على مصر فى العام 2016....إلخ.
نفس الأمر شهدته سوريا التى أصبحت مرتعًا لكل منظمات التطرف الإسلامي، وزاد الأمر سوءًا محاولات الاختراق التركى لأراضيها كما حدث فى العراق وتم التنديد به من كافة البلدان العربية داخل جامعة الدول العربية.

لقد أدى الوضع المأساوى فى سوريا هذا العام إلى تفاقم الوضع الإنسانى بشكل لا مثيل له، وقد شهد العالم بأثره فى شهر سبتمبر جثة الطفل إيلان الكردى على الشاطئ التركي، ما هز الضمير العالمى وفتح الباب أمام هجرات منظمة للسوريين لأوروبا بعد أن صدت أبوابها لأشهر كثيرة أمامهم، راح خلالها المئات ضحايا طلاطم أمواج وأنواء المتوسط.
أما إسرائيل التى أمعنت فى استغلال الخلافات العربية العربية لبسط سيادتها على الأراضى الفلسطينية المحتلة والإمعان فى المزيد من الاستيطان وفرض سياسة الأمر الواقع، فقد تمسكت خلال العام بسياساتها المرتبطة بالصمت تجاه ما يحدث فى سوريا، ولجأ نتنياهو إلى روسيا فى مارس 2015، لمنع الصدام العسكرى بعد هجمات السخوى على المعارضة السورية، كما سعت إسرائيل للإمساك بالعصى من المنتصف بين الفرقاء السوريين، فانتصار إيران فى سوريا سيجعلها ملاصقة لحدودها الاستعمارية، وانتصار داعش وكل أعداء الأسد سيأتى بما لا يحمد عقباه من قِبِلهم، وهو ما جعلها تميل بعض الشيء إلى التعاون مع النصرة خلال العام كلما وجدت أن الكفة أصبحت تطف تجاه إيران، وتحمد الاتجاه العربى الذى يتحدث عن التحالف السنى فى مواجهة التحالف الشيعي، ما يخدم سياسة نهب وسلب الأرض التى استوحشت يومًا بعد يوم، لا سيما بعد أن ازداد الجهر هذا العام بالحديث عن الدولة اليهودية النقية فى مواجهة الطرح الأمريكى بحل الدولتين.
أما مصر فقد عزفت عن التعاطى مع المشكلات الخارجية السابقة إلا بالقدر الذى يحقق أمنها القومي، فسعت بكل ما تملك من قدرات للوقوف فى وجه المخططات الإقليمية لتفكيك سوريا حتى لو كان أحد أهدافها مواجهة النفوذ الإيراني.

وقام رئيس الدولة بالعديد من الزيارات الخارجية العربية والآسيوية والأوروبية والأفريقية إضافة إلى روسيا، بحثًا عن استثمارات وموارد لدعم الاقتصاد المصري.

وفى الداخل كان استكمال خارطة المستقبل هو الحَكَم فى تقييم الأوضاع بعد 30 يونيو 2013.
فخلال العام 2015 جرت الانتخابات البرلمانية بعد أن تعثر مسارها لعدة أشهر، وانتًخب برلمان جديد عَّبر عن قوى مجتمعية مهمشة وأحزاب سياسية صاعدة، رغم الانتقادات الكثيرة والمنطقية التى لاقاها قانون الانتخابات.

وخلال العام تم افتتاح قناة السويس الجديدة، كما جرى تدشين العمل فى العديد من الأمور المتصلة بالبنية الأساسية كالنقل والصرف والمياه والكهرباء، وذلك دعمًا لمجالات عديدة مرتبطة بالتنمية وعلى رأسها الزراعة.

لكن برزت مشكلات عديدة خلال هذا العام تعلقت بالفساد وحقوق الإنسان وتضخم الجهاز البيروقراطى وتكُّلس حالة الإعلام العام والخاص واستمرار الرغبة فى إصلاح دولاب العدالة والقضاء، لكن رغم كل ماسبق، لازال الأمل خلال عام 2016 قائما نحو الإصلاح الإدارى والخدمى والمزيد من المقرطة.

طباعة