أخبار وأنشطة

حلقة نقاشية لكتاب: مصر ودول منابع النيل الحياة والمياه والسدود والصراع

تقرير: سنية الفقى 21-12-2016
طباعة

نظم برنامج الدراسات الأفريقية بالمركز، حلقة نقاشية حول "كتاب مصر ودول منابع النيل الحياة والمياه والسدود والصراع" للدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أدارت النقاش الدكتورة أمانى الطويل مدير البرنامج.

يطرح الدكتور نادر نور مفارقة رئيسية في كتابه، إن نهر النيل رغم أنه الأطول فى العالم إلا أنه الأقل فى المياه، حيث لا يتجاوز تصرفه - كمية مياه النهر التى تصل لدولة المصب- 84 مليار م3 سنويا.

وتطرق المؤلف لبعض المؤشرات عن دول حوض نهر النيل.

فحوض النهر مساحته 3.137 مليون كم2 تمثل 10% من مساحة القارة، ويبلغ عدد سكان دوله طبقا لتعداد 2012، 437 مليون نسمة، يمثلون 41% من إجمالى عدد سكان القارة، تعداد السكان من العوامل المهمة للغاية لأى دولة، لأنه يعكس الموارد البشرية لها، والتى تعتبر العامل الأهم فى التنمية الاقتصادية، بالإضافة لتأثيرها على البيئة، نتيجة الضغط على الموارد الطبيعية .

وعادة ما ترتبط الزيادة السكانية الكبيرة فى دول الحوض بزيادة نسبة الفقر وتدهور البيئة والصحة العامة.

كما يقطن 72% من إجمالى السكان فى الريف، نتيجة لكون الزراعة هى النشاط الأهم لسكان هذه الدول.

وتعكس الحياة فى الريف والعمل فى القطاع الزراعى عادة ارتفاع نسبة الفقر وتراجع التقدم الحضارى والخدامات الأساسية فى دول الحوض.

ورغم أن الزراعة تستحوذ على النسبة الأكبر من العمالة، بمتوسط عام 75%، إلا أن هذه النسبة لا تعكس مساهمة القطاع الزراعى كنسبة من إجمالى الناتج المحلى لدول الحوض، فقطاع الرسوم والخدمات والضرائب هو الأعلى مساهمة فى الناتج المحلى وليس قطاع الزراعة.

كما تسجل نسبة الأمية بين أغلب دول الحوض نسبا عالية، الأمر الذى يشكل عائقا كبيرا أمام التنمية ويعرقل جهود مكافحة الفقر، وتعتبر كينيا الأقل من حيث الأمية بنسبة بلغت 13%.
ومن النقاط الهامة التى تناولها العرض مشكلة "قناة جونجلي"، والتى كانت مشروعا مشتركا بين حكومتى مصر والسودان (قبل انفصال الجنوب)، حيث كان من المفترض أن تشكل القناة حلا للفقد الكبير من المياه، فنحو 50% من مياه النيل الأبيض يتم فقدها فى جنوب السودان بسبب المسطح المائى الكبير.

وقد بدأ العمل فى القناة فعليا عام 1980 ثم توقف عام 1983، بسبب اندلاع الحرب الأهلية وبعد أن تم شق القناة العميقة بطول 260 كم من إجمالى 360 كم، وهو الطول المقدر لهذه القناة، أبدت حكومة جنوب السودان عام 2001 بعد انتهاء الحرب، تحفظاتها على إعادة إحياء المشروع لما تصورت أن له تداعياته السياسية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية السلبية على اقتصادها.

كان الاتفاق السابق ينص على اقتسام موارد المياه بالتساوى، مع تحمل مصر كافة تكاليف شق القناة، كما وعدت مصر بإنشاء عدة مشروعات تنموية، محطات لمياه الشرب، وأخرى للكهرباء ومدارس ومستشفيات وفرع لجامعة قناة السويس بجوبا، إلا أن ذلك لم ينفذ مما زاد من مخاوف الجنوبيين من التضحية بمياه المستنقعات، والتى تعد المصدر الرئيسى لنمو المراعى، رغم وعد مصر بإقامة قنوات مستديمة لرى المراعى.

ثم ناقش العرض أيضا بعض التحفظات التى تطرح على بناء السدود فى أحواض الأنهار المشتركة، والتى ليست بالعملية الهينة، فهى تتطلب العديد من الدراسات بسبب التأثيرات البيئية والسياسية وتكاليف الإنشاء الباهظة، وطول مدة الإنشاء، وتهجير السكان الأصليين، وما يترتب على ذلك من مشاكل داخلية، ومخاطر سياسية قد تصل لدرجة الحروب المسلحة بين دول المنابع ودول المصب.

وتجنا للصراع توصى المنظمات الدولية والجهات المانحة الدول التى ترغب فى إقامة سدود مائية على الأنهار لتوليد الكهرباء بالبحث عن بدائل أخرى صديقة للبيئة، وأقل تكلفة وأقل زمنا فى التنفيذ.

كما أوضح تقرير لمفوضية حوض النيل لعام 2014 عن أحوال دول الحوض، بأنه مهما فعلت دول منابع النيل من إقامة جميع السدود الممكنة، فإنها لن توفى احتياجاتها وحدها من الكهرباء حتى 2030، وأنها لابد من أن تلجأ للمصادر الأخرى كالرياح والشمس وحرارة جوف الأرض وغيرها من المصادر المستدامة والأقل إضرارا بالبيئة والأقل خلقا لصراعات سياسية داخل المنطقة.

ومن أهم النقاط التى تناولها الكتاب وعرضها دكتور نادر، هى موقف دول حوض النيل من اتفاقيات مياه النيل.

فقد أثارت اتفاقية مياه النيل لعام 1929، التى وقعت بين مصر وتحالف انجلترا (بالنيابة عن جميع مستعمراتها فى شرق أفريقيا)، قدرا كبيرا من الخلاف، نتيجة لتفضيلها لمصر على حساب دول المنابع.

فقد بدأت دول المنابع تباعا تتخذ مواقف رافضة لاتفاقية 1929، بمجرد حصولها على الاستقلال.

وقد قادت تنزانيا هذا التحول بدأ من عام 1961 بإعلانها "مبدأ نيريري"Nyerere Doctrine والذى يرفض أي اتفاقيات وقعت سابقا خلال سنوات الاستعمار.

وقد منحت تنزانيا كل الاتفاقات التى وقعت فى عهد الاحتلال - خاصة اتفاقية 1929 - عامين فقط لإعادة التفاوض خلالهما، ونتيجة لعدم وجود صدى من مصر تجاه دعوة تنزانيا، أعلنت من جانبها انتهاء العمل بهذه الاتفاقية، ليصبح هذا هو الموقف الرسمى لتنزانيا منذ ذلك الحين، والذى شاركتها فيه جميع الدول المتشاطئة على النهر ماعدا مصر والسودان.

وقد كان لإثيوبيا منذ عام 2007 نشاطا مكثفا مع دول منابع النيل الأبيض لاستقطابها ضد مصر، وقد نجحت بالفعل فى ذلك.

وبسبب غياب النظرة السياسية المصرية العميقة إلى القارة، وبعد عدة جولات من المفاوضات استمرت لنحو عامين حتى عام 2009 كانت إثيوبيا قد أقنعت جميع دول منابع النيل الأبيض، بإلغاء جميع المعاهدات المياه السابقة بين مصر ودول المنابع، ووضع اتفاقية جديدة تكون فى صالح دول المنابع، وتقر بمبدأ الاستخدام المتساو لمياه النهر، وإلغاء جميع الامتيازات السابقة التى حصلت عليها مصر بصفتها دولة المصب الفقيرة مائيا.

وجاءت اتفاقية عنتيبى التى تم توقيعها عام 2010، تتويجا لتلك الجهود، وقد وقعت معها كل من أوغندا ورواندا وتنزانيا، ثم انضمت كينيا وبوروندى إليها بعدة أسابيع ، بينما تحفظت إريتريا وظلت مراقب فقط، وبالطبع لم توقع كل من مصر والسودان.

ومن الأسباب الهامة التى جعلت إثيوبيا تنشط فى حشد دول المنابع ضد مصر، أنه عام 2009 ألح الرئيس "ميلس زيناوى" على الرئيس السابق مبارك لإنشاء سد على النيل الأزرق، لا تزيد سعة بحيرته على 14 مليار م3، إلا أن مبارك رفض، على الرغم من أن هذا السد لو تم بناؤه كانت أضراره لن تكون جسيمة، وكان يمكن التعامل معها خلال 4 أو 5 سنوات، وقد أثار الرفض المصرى غضب إثيوبيا، وجعلها تمضى قدما باتجاه اتفاقية عنتيبى مع دول النيل الأبيض، للاستقواء بهم ضد مصر.

ويرى الدكتور نادر أنه كان ينبغي لمصر التواصل الفوري مع تنزانيا فور إعلان "مبدأ نيريري" عام 1961 والخاص بعدم الاعتداد باتفاقيات مياه النيل التي أبرمت في عصر الاحتلال، ووأده في المهد وإعلانها عدم ممانعتها في استغلال تنزانيا لكافة أنهارها المنتمية لحوض النيل وإقامة ما تشاء من سدود أو مشروعات زراعية.
كما كان عليها أن تعلن تنازلها عن مبدأ الإخطار المسبق، وقبولها بمبدأ التشاور فقط فيما يخص استغلال المياه في جميع دول منابع البحيرات العظمى الست بسبب حصة المياه القليلة التي تصل إلى مصر منهم، والتى لا تتجاوز 13 مليار مترا مكعبا سنويا لمصر والسودان.

فمبدأ الفيتو الذي أسست له اتفاقية 1929 قد أضر بمصر كثيرا، حيث حولها فى نظر شعوب دول المنابع إلى دولة مستغلة عنصرية ومتحكمة.

كما لم يكن من المناسب أن توافق مصر على تكوين مفوضية حوض النيل، وكان ينبغي أن تكون علاقاتها مع دول منابع النيل علاقات ثنائية فقط خارج إطار أي منظمه توحد وتجمع بينهم في ظل حقيقة وجود أغلبية عدديه لدول المنابع، مقابل مصر والسودان كدولتي مصب، وربما قريبا مقابل مصر فقط، وبالتالي فإن العلاقات الثنائية كانت ستخضع للمنفعة المتبادلة.

إن مصر من أفقر دول منابع النيل مائيا سواء في مستوى ندرة المياه أو نصيب الفرد من المياه أو كميات الأمطار التي تسقط علي أراضيها، كما أنها الدولة الوحيدة التي تعيش على مساحة 5% فقط من إجمال مساحة أراضيها ولا يمكن أن تعيش على مساحة أقل من ذلك، وأن 95% من مساحتها تتعرض للجفاف والقحط الدائمان، عكس دول المنابع التى تعتبر دول مطرية، فمصر تعتمد بنسبة 96.8% من مواردها المائية على نهر النيل، عكس أثيوبيا التى لا تعتمد فى مواردها المائية على مياه النهر.

وأثار الكتاب عددا من الأسئلة الهامة مثل، هل يعد سد النهضة، سد لتخزين المياه أم لتوليد الكهرباء؟ تزعم إثيوبيا أن هذا السد هو سد لتوليد الكهرباء وإنارة القرى والمناطق المزدحمة، ومحاربة الفقر وإنشاء المصانع، فلماذا إذا تبدأ ببناء السد عند آخر نقطة قبل الحدود السودانية، وبعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان بنحو 1200 كم، وهذا يعنى رغبتها فى الاستحواذ على كامل مياه النهر، وبالتالى تخزين أكبر قدر من مياهه، مما يؤكد أن السد هو لتخزين المياه وليس لتوليد الكهرباء.

كما أن التعاقد مع الدول المجاورة على تصدير الكهرباء تم بسعر زهيد، مما يشكك فى الجدوى الاقتصادية للمشروع، وفى مدى قدرته على تغطية تكاليفه من بيع الكهرباء.

وختاما، طالب الدكتور نادر نور الدين بضرورة تدويل قضية السد، واستغلال التجاوزات والأخطاء العديدة التى ارتكبتها إثيوبيا فى حق مصر وشعبها.

حيث أن الأضرار الاقتصادية والتنموية على مصر عديدة وخطيرة وتصل لحد القضاء على الأخضر واليابس ولا يمكن السكوت عليها.

وعقبت الدكتورة أمانى الطويل بمطالبتها بضرورة تبنى مبدأ التعاون بين دول حوض النيل، لأن عدم حدوث ذلك سوف يؤدى إلى خلق صراعات فى المنطقة، فمسألة التعاون حاكمة للعلاقات بين الدول وليست اختيارية.

فالخلاف الحالى مرشح للتطور وقد يصل إلى درجة الصراع المسلح.

كما أن ترسيخ فكرة الصراع وإشعاله ليس مطلبا مصريا، التى تتبنى المنهج التعاونى.

كما يجب رصد تحولات العلاقات الدولية فى حوض النيل، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة والصين وعلاقاتهما بإثيوبيا.

بجانب الاهتمام بالتنمية الاقتصادية لدول الحوض ودور مصر فى ذلك.

بالإضافة إلى فتح باب النقاش حول الأضرار التى لحقت بمصر نتيجة إنشاء مفوضية حوض النيل، من عدمه، ومدى مساهمتها فى تأجيج الصراع وليس حله، حيث ترتبط مصالحها العليا بوجود بيئة مستقرة وخالية من النزاعات فى منطقة حوض النيل.

وتركزت مشاركة الحضور فى التأكيد على أن طبيعة شخصية زيناوى، ساهمت فى خلق صراع مفتعل مع مصر، وأنه حاول استعارة تجربة عبد الناصر والسد العالى فى مشروع سد النهضة.

كما أن اختلال الدولة المصرية بعد 25 يناير وضعفها، جعل إثيوبيا تستغل هذا الظرف التاريخى، لتجعل من مشروع السد واقعا ماديا على الأرض لا يمكن التراجع عنه، ونجحت فى ذلك خاصة مع التعنت المصرى الذى تم تصويره على أنه يقف أمام سبل التنمية والرخاء للشعب الإثيوبى.

وما حدث فى 30 يونيو كان محاولة لتبريد الملف الساخن، ولكن مصر لم تدير ملف مياه النيل بالكفاءة المطلوبة حتى الآن، رغم تحقيق بعض النجاح، كما حدث فى وقف تمويل كل من الإمارات والسعودية والصين لسد النهضة.

بينما اعتمد نجاح إثيوبيا على استغلال دورها الإقليمى فى مكافحة الإرهاب فى المنطقة لصالح الولايات المتحدة.

والمفارقة الأهم هنا هى كيف تزيد مصر حصتها وهى فى حالة وجود صراع على مياه النيل، خاصة أن إثيوبيا تريد تحجيم الدور المصرى.

وأخيرا، طالبت بعض الآراء بعدم قبول مبدأ تدويل أزمة سد النهضة دوليا، لأن ذلك من الممكن أن يضر بالمصالح المصرية، كما أننا غير متأكدين من قدرتنا على اكتساب الرأى العام العالمى لصفنا، وتقديم ملف قوى يعرض المخاطر الاقتصادية والاجتماعية للسد على مناحى الحياة فى مصر.

طباعة