أخبار وأنشطة

خطاب "داعش" في تجنيد الشباب

عرض: أحمد عسكر 21-12-2016
طباعة

يسعى تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً بـ "داعش" الذي يسيطر على مناطق واسعة في العراق وسوريا منذ ظهوره إلى توسيع رقعة انتشاره وامتداده إلى مناطق أخرى سواء داخل الإقليم أو خارجه، واستقطاب المزيد من المقاتلين، معتمداً في ذلك على خطاب متطور ورسائل جاذبة يوجهها إلى فئات عديدة لا سيما الشباب حول العالم، وذلك من خلال عدد من الوسائل والآليات المتطورة بغية اجتذاب عناصر جديدة إلى صفوفه، الأمر الذي يطرح ضرورة دراسة مضمون الخطاب وعناصره من حيث المكون والأهداف لتجنيد الشباب والنساء، وما تستخدمه داعش من آليات حديثة متقدمة لترويجه، ومن ثم، البحث في سبل مواجهة مخاطره.
وفي هذا السياق، عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حلقة نقاشية تحت عنوان "الخطاب الداعشي في تجنيد الشباب: المضمون والآليات وسبل المواجهة"، أدارها كل من الأستاذ ضياء رشوان، مدير المركز، والدكتورة أماني الطويل، مديرة وحدة العلاقات الدولية بالمركز، وبحضور عدد من الخبراء الأمنيين والباحثين المهتمين، حيث ناقشت الجلسة ثلاث ورقات بحثية، تناولت عدداً من المحاور الأساسية لهذا الموضوع.
مضمون خطاب التجنيد لتنظيم داعش
وقد تناولت الورقة البحثية التي قدمتها الأستاذة/ أمل مختار، الباحثة بالمركز، مضمون الخطاب الداعشي لتجنيد الشباب العربي والأوروبي، حيث أوضحت أن تنظيم داعش يتبنى خطاباً تكفيرياً بامتياز يقوم أساساً على عنصر المظلومية سواء سياسية أو دينية، معتمداً على آلية النص الديني المقدس ولكن مع نزعه من سياقه لتأويله وفقا لما يخدم أهدافه وتبرير ما يمارسونه من عنف، فضلا عن استخدام تفسيرات واجتهادات بعض أئمة التفسير كابن تيمية فيما يتعلق بالجهاد والحرب، علاوة على استدعاء قصص جهاد المسلمين في صدر الإسلام، وملحمة الهجرة وما أبرزته من إخاء بين المسلمين وإمكانية وجود مجتمعات اليوتوبيا الأرضية، كما يتبنى داعش في خطابه أمرين؛ الأول: رسالة عالمية للمسلمين وغير المسلمين في أنحاء العالم كله، ويحاول الظهور بموقف المدافع عن نصرة المستضعفين من المسلمين سواء في سوريا ضد بطش النظام السوري، والاضطهاد الشيعي لأهل السنة في بلاد المشرق العربي، محاولاً اجتذاب المزيد من الشباب في سبيل نصرة الدين والمستضعفين.

أما المضمون الثاني للخطاب الداعشي فهو تثبيت المقاتلين في أرض المعركة.
وتتعدد أدوات الخطاب الداعشي، التي تخدم الهدف الأساسي للتنظيم، وهو انضواء أكبر عدد من المناصرين والمتعاطفين من شتى أنحاء العالم تحت لوائه، بدءاً من اعتلاء المنابر الدينية والمساجد التي لعبت دوراً في انتشار الأفكار الداعشية، وفي ظل صعوبة التواصل والاحتكاك المباشر، تحول التنظيم إلى أدوات أخرى كالإعلام، مثل الصحف والمقالات، والفيديوهات التي يبثها التنظيم على شبكة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي الأكثر تفاعلية كـ "فيس بوك وتويتر" فضلاً عن نشر عدد من التجارب التي مر بها مقاتليه فيما يعرف بقصص النفير.
وفي سبيل ترسيخ فكرة الدولة الإسلامية، واجتذاب مناصرين جدد، يستغل داعش الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها الشباب في معظم دول المنطقة، حيث يتم تلبية المطالب الدنيوية والأخروية، التي تأتي من خلال توفير فرص العمل والزواج، وكذلك نيل الشهادة إذا ما قتلوا في أرض المعركة، وطبقا للمعلومات يتراوح ما يتقاضاه المقاتل من 400-1000 دولار حسب عدد من التقارير.كما يرجع استقطاب تنظيم داعش العديد من الشباب العربي والغربي إلى الترويج لفكرة عودة الخلافة التي يروجها التنظيم في خطاباته، وغير ذلك من عوامل الفقر والعوز الذي يعاني منه جُلّ الشباب، تحديداً في المنطقة العربية، فضلاً عن صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا حول العالم ضد المسلمين، وهي الظاهرة التي أسفرت نسبياً عن التضييق عليهم في حياتهم الاجتماعية، وأحياناً في إقامة شعائرهم الدينية في أوروبا، وذلك للوصول إلى إيجاد مبرر أخلاقي لعمليات القتل الوحشي والتفجيرات ضد المدنيين.
وقد تنامت ظاهرة تجنيد النساء وانضمامهن لتنظيم داعش، فضلاً عن مشاركتهن في عمليات القتال إلى جانب العمل الدعوي والإعلامي، وقد ركز التنظيم في هذا الإطار على الترويج لدور المرأة الفاعل والأساسي في دولة الخلافة.
آليات تنظيم داعش لتجنيد الشباب
وفي ورقتها البحثية المعنونة بـ " وسائل الإعلام الحديثة وتجنيد الشباب"، أشارت الأستاذة/ رانيا مكرم، الباحثة بالمركز، إلى أن الإعلام يمثل أداة أساسية لدى تنظيم داعش ضمن البنية الاتصالية التي شكلها التنظيم بشكل مركزي، ومن ثم لا خلاف حول النجاحات التي حققها التنظيم على صعيد استخدام وسائل الإعلام التقليدية والحديثة في تحقيق أهدافه من نشر للخوف لدى قطاع عريض من المواطنين، وحشد للمؤيدين والمريدين، فضلاً عن تثبيت عناصره المقاتلة.
وعليه، فقد كان ظهور تنظيم داعش بداية لمرحلة جديدة في توظيف التنظيمات الجهادية لوسائل الإعلام.

فقد حرصت تلك التنظيمات على امتلاك آليات تتواصل من خلالها مع مناصريها ومريديها، فضلاً عن حشد المتعاطفين والمترددين، ومع تعدد مراحل تطور الإعلام الجهادي بدءاً من فنون الخطابة فوق المنابر الدينية والمساجد، والعمل السري خارجها، فضلاً عن بناء استراتيجيات متعددة،التي ظهرت لأول مرة في عام 1988 على يد القاعدة، وصولاً إلى توظيف شبكة الإنترنت، والنفاذ إلى شاشات التلفزيون، إضافة إلى أسلوب الجهاد بلا قيادة الذي أسهم في انتشاره أبو مصعب السوري، القيادي في تنظيم القاعدة، نهاية بالطفرة التي حققها داعش في توظيفه لآلياته ووسائله الإعلامية، وذلك لما أبداه من حرفية عالية في هذا التوظيف، حيث يبرز رصده لمبالغ طائلة لتمويل بعض القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والإلكترونية، والمجلات للترويج لفكره حول العالم.

وقد كانت البداية مع الإعلان عن إصدار صحيفة "دابق" كأول صحيفة رسمية للخلافة الإسلامية، والتي صدرت باللغتين العربية والإنجليزية، توزع مجاناً في المناطق التي تقع تحت سيطرة التنظيم في كل من سوريا والعراق، بالإضافة الى نسختها الموجودة على الانترنت بـ 12 لغة مختلفة.

وسعى القائمون عليها على التركيز على أهداف التنظيم والتعريف به، والتمهيد لفكرة الخلافة، وتجميل صورته.

كما لم يكتف التنظيم بالإصدارات المطبوعة، بل وظف الإعلام المرئي والمسموع لخدمة وترويج أهدافه، فعمل على إنشاء أذرع إعلامية، منها استديو "أجناد" الذي يتم فيه تسجيل الأناشيد الجهادية والدينية، وقناة "الفرقان" التي تم تأسيسها بدعم من تنظيم القاعدة، وقناة "الاعتصام" التي تبث المعارك في أرض سوريا والعراق، فضلاً عن قناة "الحياة" التي تجري الحوارات التليفزيونية مع قيادات التنظيم، إلى جانب إذاعة "البيان" التي يتم بثها في العراق، إضافة إلى قنوات موجهة للولايات المتحدة الأمريكية والغرب.
سبل المواجهة
أوضح الأستاذ/ هاني الأعصر، الباحث المساعد في الشئون الأمنية بالمركز، في ورقته البحثية "خطاب التجنيد الداعشي..

سبل المواجهة"، أن مواجهة خطاب داعش التجنيدي تستمد أهميتها من كونها إحدى آليات إجهاض هذه التنظيمات التي تعتمد على التجنيد والاستقطاب الفكري لتعبئة المقاتلين في صفوفها، وأشار إلى أنه لمواجهة الخطاب التجنيدي لداعش، ينبغي اللجوء إلى نمطين، أحدهما، على أساس نوعي والذي يشمل الجانب الأمني، السياسي، الاقتصادي، الإعلامي، الديني، والاجتماعي.والآخرعلى أساس زمني، ويتضمن استراتيجية للمواجهة على المدى القصير، التي تشمل حجب وسائل الاتصال لدى التنظيمات، والرد على خطاباتهم عبر ذات وسائل الاتصال التي تستخدمها، وإيجاد استراتيجية إعلامية واعية.

واتخاذ خطوات متقدمة نحو تجديد الخطاب الديني، ورفع روح الانتماء لدى الشباب، من خلال إطلاق المشروعات القومية ودمجهم في العملية السياسية، والسعي لإنهاء حالة الاستقطاب المذهبي "السني /الشيعي".
أما على المدى الطويل فيشمل إعادة النظر في نظام التعليم ومناهجه، والعمل على تحسين الظروف الاقتصادية والأحوال المعيشية التي تستغلها التنظيمات في استقطاب الفئات الفقيرة، فضلاً عن العمل على رفع الوعي الفكري والثقافي للجماهير.
وقد تبلورت إتجاهات النقاش في هذه الورشة في عدد من النقاط منها، أن سبل مواجهة مثل هذه التنظيمات لا يجب أن تعتمد على فكرتي التأويل المنحرف للتراث الإسلامي أو تجديد الفكر الإسلامي، ذلك أن هذا الماعون فيه الكثير من السلبيات الحقيقية التي لم تعد مناسبة لعصرنا الحالي ولا هي مضمون حقيقي لجوهر الدين.
وختاماً، أشار الأستاذ ضياء رشوان، مدير المركز، أننا لسنا إزاء تنظيم ذو طابع إسلامي، بل هو تنظيم ذو طابع اجتماعي وسياسي وأبعاد إقليمية ودولية، وينبغي في سبيل مواجهته حتمية تجفيف منابع التنظيم، وكذلك الحيلولة دون تجنيد المزيد من الشباب والنساء لصفوف التنظيم.

طباعة