متابعات تحليلية - العالم

القاهرة وأنقرة: هل تفتح قمة عدم الانحياز آفاق جديدة للعلاقة ؟

طباعة

كانت شهور ماضيه تنذر بتحسن كبير في مسار سياسيه خارجيه تركيه، وبدا ذلك في تاسيس "مجلس تعاون استراتيجي" مع رياض، وقرار انشاء قاعده عسكريه في قطر.

وجاءت خطوه اهم بتوقيع اتفاق مصالحه مع اسرائيل في يونيو ماضي، وانهاء قطيعه مع موسكو عشيه لقاء اردوغان- بوتين في بطراسبورج في 9 اغسطس ماضي.كما كشف سلوك تركي خارجي عن تحولات نوعيه ازاء عدد معتبر من دول اقليم، من بينها عراق ودمشق تي اشار بن علي يلدريم رئيس وزراء تركيا علي اهميه عوده علاقه معها، وكذلك تاكيده علي اهميه دفع علاقات اقتصاديه والتجاريه مع قاهره.ويسعي رئيس تركي ذي ازدادا انغماساً في همه داخلي عشيه انقلاب فاشل في منتصف يوليو ماضي من جهه وتوتر علاقات بلاده مع قوي دوليه والاقليميه من جهه ثانيه الي قفز علي حاله عزله تي باتت عنوان ابرز لحاله تركيا.القاهره وانقره: علاقه شائكه ظل حذر هو عنوان ابرز للعلاقه بين قاهره وانقره منذ وصول حزب عداله والتنميه ذو خلفيه اسلاميه الي صداره مشهد تركي في عام 2002.

ولان مبارك كان يخشي صعود تيار اسلام سياسي في منطقه، ظلت مياه علاقات راكده.

ومع قيام ثوره 25 يناير 2011، كان اردوغان هو صوت اعلي في مطالبه مبارك رحيل ووقف في برلمان تركي يردد هتافات ميدان تحرير ويخاطب حسني مبارك ويقول: "استمع الي صراخ شعبك ومطالبه انسانيه عادله، واستجب لمطلبه حريه دون مواربه".عهد اخوان: خصوصيه علاقهوصل منحني علاقه بين قاهره وانقره الي ذروه بعد وصول محمد مرسي الي سده سلطه في يونيو 2012، وكان دور تركي عاملا مؤثرا في اتجاهات وتوجهات قصر اتحاديه بفضل سياسه معونات والاقراض دون فوائد او بفوائد مخفضه، وقدرت مساعدات تركيه ب 2 مليار دولار، كما استعانت مصر بقطاع معتبر من شركات تركيه في كافه مجالات.

غير ان تطور ذي احدثته موجه 30 يونيو، وسقوط نظام سياسي في مصر، افرز تداعيات سلبيه علي استراتيجيه تركيه في منطقه.

حيث اطاحت 30 يونيو بحلم اردوغان في بناء نموذج "العلمانيه مؤمنه" ذي يعتمد علي تمكين روافد عقائديه وايديولوجيه ممثله في احزاب ذات صبغه اسلاميه.التطورات محليه واعاده صياغه علاقهمع تولي بن علي يلدريم منصب رئيس وزراء في تركيا، وما اعقب ذلك من تغيرات في داخل تركي عشيه انقلاب فاشل في منتصف يوليو ماضي ثارت تكهنات حول امكانيه تحسن علاقات مصريه-التركيه.

وقد انطلقت هذه تكهنات من عده اشارات مهمه كان في مقدمتها تراجع لغه خشنه للمسئولين اتراك تجاه قاهره تي وصلت ذروه عشيه عزل محمد مرسي في 3 يوليو 2013.

وايضا نهج برجماتي لحزب عداله والتنميه، ذي ادرك ان صلاحيه استثمار في بعد ايديولوجي في سياسته خارجيه من خلال دعم جماعات اسلام سياسي، وفي صداره منها ورقه "اخوان قاهره" لم تعد ذات جدوي، اذ ان توجهات انقره حيال قاهره طوال سنوات ثلاث تي خلت الحقت بها خسائر اقتصاديه ودبلوماسيه.علي صعيد ذي شان حركت تصريحات يلدريم في شهر ماضي، وبعد فشل انقلاب في تركيا مياه راكده في بحر علاقه بين بلدين، حيث اكد علي تطبيع علاقات بلاده اقتصاديه مع مصر، وذكر في وقت سابق بشان عزل مرسي "اننا لا يمكن ان نوافق علي تغيير بهذه طريقه..

هذا جانب من مساله، الا ان حياه تستمر علي جانب اخر، ونحتاج لبعضنا بعضا، لذلك لا يمكننا قطع كل شئ فجاه حتي لو اردنا ذلك".اما اهم اسباب تي اثارت هذه تكهنات فهي لقاء وزير خارجيه تركي مولود شاويش اوغلو مع نظيره مصري علي هامش قمه حركه عدم انحياز تي عُقدت في فنزويلا في 17 سبتمبر جاري، وعكس لقاء رغبه مشتركه في تجاوز خلاف بين بلدين.والارجح ان تكهنات بانفراجه قريبه بين قاهره وانقره وترميم علاقه متوتره منذ عزل مرسي، عززتها ايضا انعطافه انقره نحو شرق بعوده علاقه مع موسكو، والاهم تراجع انقره وقبولها بقاء بشار اسد في مشهد سوري انتقالي.سيناريوهات علاقهفي هذا سياق عام، ومن ناحيه نظريه يمكن اشاره الي ثلاثه مستويات قد تتعرض لها علاقات مصريه تركيه في ظل رئاسه بن علي يلدريم للحكومه تركيه، اولها ان يحدث تحسن شامل يتضمن معالجه كل مشكلات قائمه بين بلدين.

لكن هذا سيناريو يظل احتمال ضعيف لاسباب عده من بينها اصرار رئيس تركي علي توصيف حادث 3 يوليو 2013 في مصر ب "الانقلاب"، وبدا ذلك في تصريح له عشيه ظهوره في مطار اتاتورك بعد محاوله انقلاب فاشله في تركيا، وتوكيده ان "تركيا ليست مصر" ثم دعوته علي قناه جزيره بعد هذا انقلاب فاشل الي محاكمه رئيس مصري بتهمه انقلاب علي سلطه شرعيه.في مقابل مثل موقف مصر في امم متحده من احداث تركيا، وعرقلتها لبيان ادانه محاوله انقلاب حجر عثره امام تطبيع علاقه، خاصه ان انقره اعتبرت موقف قاهره نوع من دعم ضمني للانقلابيين ناهيك عن تحفظ مصر علي مشروع قرار في منظمه مؤتمر اسلامي يصنف جماعه "خدمه" كمنظمه ارهابيه.المستوي ثاني هو تجميد وضع علي ما هو عليه، اي دون احراز اي تقدم ملموس في ايه مشكله، واستمرار احتمالات تصعيد علي نحو او اخر في مستقبل، لاسيما بعد مقارنه اردوغان بين قاهره وانقره عشيه انقلاب فاشل في تركيا، وتوبيخه نظام مصري وتوصيفه عسكري والفاشي ناهيك عن الغاء قاهره في وقت سابق اتفاق "الرورو" ذي منح تركيا مزايا تفضيليه في علاقاتها تجاريه مع قاهره، فضلا عن كونه يمنح بضائع تركيه فرصه للالتفاف علي دفع رسوم عبور من قناه سويس في طريقها الي خليج وافريقيا.اما مستوي ثالث، فهو تحسن محدود تسمح به تطورات محليه في بلدين او مجمل ظروف اقليميه خاصه بعد دخول تركيا عسكريا مستنقع سوري اضافه الي توتر علاقه مع اتحاد اوروبي علي خلفيه ازمه لاجئين مقابل فتور علاقه مع واشنطن علي خلفيه مواقف ضعيفه والمخزيه لاداره اوباما تجاه انقلاب.في هذا اطار قد يتم تفاهم علي عدد من مشكلات.

وعدم تصعيد بعض اخر ذي يصعب تسويتها بشكل اني في وقت حاضر.

واخذا في اعتبار مجمل توازنات اقليميه والداخليه لكلا بلدين، يمكن ميل الي ترجيح تحسن محدود، ذي يتضمن تفاهم علي بعض مشكلات وعدم تصعيد في مستقبل.محددات انفراجه ثمه محددات تشير الي امكانيه انفراجه في علاقه بين انقره والقاهره اولها لقاء ودي بين وزيرا خارجيتي بلدين علي هامش اجتماعات قمه حركه عدم انحياز اخيره بجوار تصريحات ايجابيه ومتتابعه لمسئولين اتراك ما يشي بتحول نوعي في علاقه بين بلدين، اذ اضافه الي تصريحات رئيس وزراء تركيا ايجابيه، ثمه تصريحات للرئيس مصري في نهايه اغسطس ماضي قال فيها " ان قاهره تعطي انقره وقت لاعاده نظر في موقفها".وكانت حكومه بن يلدريم قد عمدت فعل الي استكشاف نوايا قاهره تجاه راب صدع بين بلدين، قبل محاوله انقلاب فاشله في يوليو ماضي.

ففي لقاء عقد في بكين بطلب تركي، تقي وزير عمل والضمان اجتماعي تركي سليمان صويلو انذاك وقبل توليه وزاره داخليه وزير قوي عامله مصري محمد سعفان علي هامش اجتماع وزاري للعمل والتوظيف لدول مجموعه عشرين، قبل محاوله انقلاب.

اضافه لما سبق فمن واضح ان معارضه تركيه لا تحمل توجهات معاديه لمصر.

كما تتعالي اصوات غير قليله داخل حزب عداله والتنميه، بشان ضروره تطوير سياسه خارجيه تركيه حيال دول اقليم، وبخاصه قاهره وسوريا وليبيا.ويرتبط محدد ثالث بتاثير رجال اعمال اتراك كجماعه ضغط نافذه في عمليه صنع سياسات داخل تركيا، والظاهر ان هذه اوساط ما كان لها ان تتحمس لتحسين علاقات بين قاهره وانقره اذا كانت تخلو من تحقيق مكاسب اقتصاديه.

كما ان ملامح امتعاض بعض رموز "برجوازيه اناضول" من سياسات اردوغان بدات في ظهور.

فقد اعرب مصطفي بويداك، وهو رجل اعمال تركي بارز، ويعد تجسيدا لنموذج "نمور اناضول"، ويشغل منصب رئيس مجلس اداره غرفه صناعه مدينه قيصري بوسط اناضول، اعرب عن قلق من توجهات اردوغان خارجيه، داعيا حكومه الي "سياسه خارجيه سلميه، بغض نظر عن دين او مذهب او طائفه".جدير ذكر ان ثمه صعود تدريجي للاستثمارات تركيه في مصر، والتي قُدرت حتي ربع اول من عام جاري بنحو 5 مليارات دولار بينما بلغ حجم تبادل تجاري بين بلدين نحو 3 مليارات دولار.اما محدد رابع فيعود الي تعقيد اوضاع داخليه في تركيا ما بعد انقلاب واعاده صياغه تركيبه امنيه والسياسيه للبلاد اضافه الي توتر علاقه تركيا بحلفائها تقليديين، وبخاصه واشنطن والاتحاد اوروبي، اذ جاءت مواقفهما ضعيفه بشان ادانه انقلاب، حتي سفاره اميركيه في انقره اصدرت بياناً رسمياً وصف احداث ب"انتفاضه " يقودها ضباط، وذلك قبل ان يعود بيت ابيض بعد اربع ساعات لمعارضه انقلاب.يضاف الي محددات خاصه توازن داخلي لتركيا وعلاقاتها اقليميه والدوليه، محدد خاص سياسيه مصريه ذاتها، فهي تعاني بدورها فتوراً في علاقاتها اقليميه، ومراوحه مع قوي كبري.

ورغم تطور حادث في علاقاتها مع موسكو الا انها تعرضت لانتكاسه مع اول اختبار لها عقب سقوط طائره ركاب روسيه في شرم شيخ نهايه عام ماضي.

ايضا تعاني مصر من وضع اقتصادي مازوم، اذ وصل معدل بطاله الي نحو 12,7% مقابل ارتفاع تضخم الي 11%، وتراجع استثمار اجنبي، كما تعاني من ازمه شديده في توفر عملات صعبه، وما ترتب علي ذلك من تدهور في سعر صرف جنيه.تاسيساً علي ما سبق، فالسيناريو ارجح هو تحسن محدود في علاقه عبر اتفاق صامت تؤسس له منافع اقتصاديه متبادله، لاسيما وان خسائر تركيا اقتصاديه بفعل انقلاب قاربت نحو 8 مليارات دولار ناهيك عن تراجع قيمه ليره وتراجع اعداد سائحين.خلاصه قول تظل فرصه تطبيع كامل للعلاقات بين مصر وتركيا غير وارده في منظور قريب، خاصه ان انقره ليس في امكانها تخلي عن دعم جماعه اخوان تي تصنفها قاهره ارهابيه، وتري في حمايه تركيه لقياداتها تدخل سافر في شان مصري.

اضف الي هذا انه لا تتوافر بيئه سياسيه اقليميه محفزه للتطبيع.

والقصد انه لا توجد عوامل ضاغطه للتطبيع بين قاهره وانقره، فالاولي امنت قدر معتبر من اعترافات دوليه واقليميه بشرعيه نظامها حاكم، بينما ما زالت انقره رغم تعثرها داخلي لاعب اقليمي مهم.

طباعة
كرم سعيد

باحث بمجلة الديمقراطية - مؤسسة الأهرام