متابعات تحليلية - العالم

بوتين-أردوغان.. قمة الضرورة !

طباعة

حظيت قمه بوتين- اردوغان تي عُقدت بقصر اباطره في مدينه سان بطرسبرج في تاسع من اغسطس جاري باهميه استثنائيه، كونها اولي للرئيس تركي خارج بلاد بعد احباط محاوله انقلاب في 15 يوليو ماضي، والقمه اولي بعد خلاف وصل الي حد قطيعه بين بلدين علي خلفيه اسقاط سلاح جو تركي مقاتله روسيه من طراز "سوخوي 24" في نوفمبر 2015.

هبوط وصعودتشهد علاقه بين موسكو وانقره من حين لاخر تراجعاً بفعل تباين توجهات قياده سياسيه في بلدين، وحجم ارتباطات دوليه والاقليميه لكل طرف، ناهيك عن ميراث تاريخي من خلافات بين بلدين، فعلي مدار 500 عاماً جرت 12 مواجهه عسكريه بينهما كانت اولي في عام 1568 والاخيره في حرب عالميه اولي 1914.في سياق متصل فثمه تنافس جيوسياسي بين بلدين برغم هدوء ذي اسست له منافع اقتصاديه متبادله، لعل ابرزها تنافس علي نقل نفط اسيا وسطي وبحر قزوين، والموقف من نزاع حول اقليم ناجورنوكارباخ بين اذربيجان وارمينيا، والقضيه قبرصيه، ودعم موسكو لليونان ناهيك عن مشكله مسلمي شيشان وموقف تركيا منها.

ودخلت علاقه مناخ شحن عشيه اسقاط مقاتله روسيه، وتصريح بوتين في 15 ديسمبر ماضي ذي قال فيه "تركيا لا يمكنها ان تتفوق علي روسيا فقط عن طريق طماطم" في اشاره الي مقاطعه تي فرضتها موسكو علي استيراد خضروات تركيه.غير ان مشهد تبدل واصبح منحني علاقه اكثر صعوداً مع اعتذار رئيس تركي لموسكو ثم موقف ايجابي لبوتين تجاه انقره عشيه عمليه انقلاب فاشل مقابل خيبه امل تركيه من موقف ولايات متحده والاتحاد اوروبي، حتي ان اردوغان قال عن زياره وزير خارجيه امريكي جون كيري لانقره مقرر لها 24 اغسطس جاري "متاخره جدا، وهذا يحزننا".وفي وقت ذي تستعجل فيه تركيا تعزيز تقارب مع موسكو وتطوير مصالحه الي مرحله شراكه تعوض قلق علاقه بين انقره والعواصم غربيه تي دعت تركيا الي ضروره احترام سياده قانون ووقف سياسه عقاب جماعي، وهدد اتحاد برفع عصا غليظه في وجه تركيا، خاصه بعد دعوه مستشار نمسا مطلع اغسطس جاري الي انهاء مفاوضات انضمام تركيا للعائله اوروبيه فضلا عن منع محاكم محليه والمحكمه دستوريه في المانيا رئيس تركي من مخاطبه الاف من انصاره مباشره عبر دائره تلفزيونيه عشيه تظاهره نظمها اتراك موالين للعداله والتنميه في مدينه كولونيا في 31 يوليو ماضي.

في المقابل تعمل موسكو علي تكريس مسار تطبيع بين بلدين والانتقال الي علاقه وديه وتعاون استراتيجي في ملفات اقليميه والدوليه، خاصه بعد توتر حادث بين انقره وواشنطن علي خلفيه رفض اخيره تسليم "جولن"، وتحذير وزير خارجيه اميركي جون كيري من ان "تركيا قد تفقد عضويتها في ناتو اذا لم تلتزم قانون في رده فعلها علي محاوله انقلاب فاشله".

وفي وقت راهن تلتقي مصالح تركيه-الروسيه، حيث يحاول بلدان قفز علي كابوس تاريخ صراع امتد الي اربعه قرون.

وصعد منحني علاقه مع وصول عداله والتنميه ذي حدد اولويات جديده ومختلفه للسياسه خارجيه تركيه، من اهمها تصفير مشاكل، وكانت روسيا واحده من تجليات ايجابيه ظاهره لهذه سياسه، اذ وصل حجم تبادل تجاري بين بلدين الي نحو 40 مليار دولار، بل وتامل تركيا بحسب وزير خارجيتها مولود جاويش ان يصل حجم هذا تبادل الي 100 مليار دولار في فتره مقبله.

معطيات للتقارب

ثمه معطيات شتلت بذور تقارب بين بلدين منها اعتذار رئيس تركي لموسكو عن اسقاط طائره "سوخوي" 24 في نوفمبر ماضي، بل ان انقره اعلنت مؤخرًاِ اعتقال طيارين تركيين لذين اسقطا طائره حربيه روسيه، واتهمتهما انتماء لجماعه "جولن" مدان بتدبير انقلاب.

في مقابل وسعت انقره انعطافتها سياسيه باتجاه موسكو والتماهي مع توجهاتها ازاء ملفات اقليم، وبرز ذلك في صمت موسكو عن دوافع انتقاميه مغلفه بحسابات سياسيه للرئيس تركي عشيه انقلاب، فقد تجاهل بوتين خطوات تركيا داخليه، وفي صداره منها اعلان حاله طوارئ والتطهير في مؤسسه عسكريه، حيث اكد كرملين في بيان له علي ان "نجاح انقلاب علي سلطه شرعيه كان سيسفر عن ماساه داخليه ومزيد من زعزعه اقليم مضطرب".

في المقابل كان رئيس روسي اول مسئول دولي يهاتف اردوغان ويعرب عن مساندته بشكل كامل لحكومه عداله والتنميه، واكد ان "خط روسيا مبدئي بعدم جواز قبول بتحركات غير دستوريه او استخدام عنف لمحاوله اطاحه قوه سلطه شرعيه في تركيا".تزامن ما سبق مع استعجال انقره تطبيع علاقاتها مع موسكو واستئناف مشاريع اقتصاديه مشتركه قبل لقاء اردوغان مع بوتين ناهيك عن رفع حظر علي استيراد منتجات زراعيه تركيه وعوده نشاط سياحي ووقف حملات اعلاميه ضاريه بين بلدين.من جهه اخري عادت مفاوضات لاستكمال مشروع خط انابيب غاز "السيل تركي"، ومشروع مفاعل "اك كويو" نووي ذي تشيده "اتوم ستروي ايكسبورت" روسيه منذ عام 2012 في مدينه اضنه جنوب تركيا.وكان اردوغان قد استبق لقاء نظيره روسي برفع حظر عن عمل وكاله "سبوتنيك" رسميه روسيه في تركيا ثم دعوته بوتين لزياره مدينه انطاليا نهايه اغسطس جاري لحضور مباراه كره قدم بين منتخبين روسي والتركي.

دوافع للتقارب

ثمه دوافع عده تدفع باتجاه تقارب بين انقره وموسكو اولها متغير غاز، ذي يمثل احد اهم متغيرات معادله علاقه بين بلدين، تقوم روسيا بتلبيه نحو 60% من احتياجات تركيا من غاز.

كما تبدو تركيا في حاجه الي تلطيف علاقه مع موسكو مع اقتراب نهايه اتفاقيات توريد غاز لتركيا، ما يتطلب مفاوضات جديده وعسيره علي مستوي حجم والمده والسعر في حال استمرت علاقات سيئه بين بلدين.

وثانيهما انعطافه انقره في سياستها اقليميه بعيداً عن غرب في ظل تصاعد انتقادات اتحاد اوروبي للاجراءات قمعيه عشيه انقلاب، وانتصار دوافع انتقاميه لاردوغان علي حساب عقل ضد قطاعات واسعه وتقزيم دور جيش ناهيك عن حديث عن دور اميركي مفترض في انقلاب ثم مساله داعيه اسلامي "جولن" متهم بتدبير انقلاب ورفض ولايات متحده تسليمه.وبينما تبدو علاقه مرشحه لمزيد من تطور مع روسيا صامته عن اجراءات اجتثاث معارضي اردوغان، فهي علي محك مع غرب، في ظل رفض ناتو والاتحاد اوروبي فرض حاله طوارئ والتضييق في مجال حريات والتعبير، فقد يدخل طرفان مرحله شحن اذ ما خيُرت تركيا ما بين عضويتها في ناتو واستمرار مفاوضتها مع عائله اوروبيه وبين تبنيها اجراءات قمع والنزوع نحو مزيد من سلطويه.

سوريا..

محور مفصلي

الي جانب ما سبق تبقي موسكو بحاجه الي انقره في ازمه سوريه لتضعف ضغط اوروبي علي موسكو تي تسعي الي حل سياسي في سوريا يضمن بقاء اسد في صداره صوره او علي اقل ضمن مكوناتها.والارجح ان سوريا ومستقبلها كان احد عناوين بارزه في قمه بوتين-اردوغان، خاصه بعد تطورات اخيره في مدينه حلب تي اعطت لتوها دافعاً سياسياً ومعنوياً للرئيس تركي خلال اجتماعه ببوتين.

ولعل ذلك ما دفع طرفان الي تاجيل نقاش حول سوريا بعيداً عن اعلام وبحضور وزراء دفاع والخارجيه في بلدين، وهو مؤشر علي رغبه في وصول الي حل يرضي طرفين.والواقع ان انقره تبدو مستعده للبحث مع موسكو في ازمه سوريه بعد اشارات لقبول تركيا حل سياسي، من دون ان يخل بنفوذها في سوريا.

كما تجد انقره نفسها مدفوعه تقارب مع موسكو حيال ازمه في سوريا، بعد موقف كرملين من حركه "خدمه".

فعلي عكس من موقف واشنطن بشان "جولن" اشارت بعض وسائل اعلام روسيه، الي اهتمام موسكو بتفكيك شبكات فتح له جولن في دول اسيا وسطي لاسيما كازاخستان وقيرغيرستان، وعلي رغم من عدم صدور اي تصريح رسمي بصدد هذا امر، الا ان موسكو تنظر بعين ريبه الي مدارس حركه "خدمه" دينيه في دول سوفياتيه سابقه.

كما ذهبت بعض صحف روسيه الي وصف جولن بانه يدير واحده من اكبر منظمات ماسونيه في عالم.

ولذا فتنسيق موسكو وانقره جهودهما في مكافحه تنظيم خدمه في جمهوريات ناطقه تركيه في فضاء اتحاد سوفيتي سابق، قد ينتج عنه تفاهم ما بشان سوريا.

كما تهدف انقره بتوجهها نحو موسكو والتعاطي ايجابيا مع سياستها في ملفات اقليم الي تقليص دعم روسي لحزب "الاتحاد ديمقراطي كردي سوري" ذي تراه انقره امتداد لحزب عمال كردستاني ذي يخوض حرب انفصاليه جنوب شرق تركيا.

وكانت موسكو قد سمحت لاكراد سوريا باقامه دويله فيدراليه، وبفتح مكتب تمثيلي لهم في روسيا كما شن سلاح جو روسي طلعات ساهمت في تقدم سوريين اكراد في مناطق نفوذ "داعش" وحيازاتهم من جهه ثانيه مزيداً من اراضي علي حدود تركيه " كوباني- عفرين- جزيره وصولاً الي غرب فرات".علي صعيد ذي شان تنطلق موسكو في تقاربها مع انقره من قناعه بان محاوله انقلاب شكلت ضربه لاردوغان سيكون من شانها مزيد من انكفاء تركيا علي داخل لفتره ما وتقليص تدخلها في شئون اقليميه، وخصوصا في سوريا والعراق.

وبالتالي انكفاء اردوغان علي داخل يمثل فرصه لروسيا من اجل دفع انقره الي اجراء مراجعه لتوجهاتها حيال ازمه في سوريا.

وربما تدفع موسكو باتجاه مشاركه اكبر لانقره في حرب علي "داعش" و"فتح شام" -"جبهه نصره" سابقا-والجماعات تي تصنفها ارهابيه.وكمثال يؤشر الي تحول سياسه خارجيه تركيه تجاه موسكو، اكد رئيس وزراء تركي علي بن يلدريم عن اهميه عوده علاقه طبيعيه مع دمشق ناهيك عن تردد حديث حول سماح انقره لطائرات روسيه اقلاع من قاعده "انجرليك جويه" لقصف مواقع جماعات معارضه وابناء عنف في سوريا.ومن جهه اخري يمثل ارتفاع عائد اقتصادي متوقع لانقره من شراكه مع موسكو احد اسباب حرص انقره علي انفتاح علي موسكو.

فاقتصاديا تظل روسيا رقماً صعب في معادله امن طاقه لتركيا بجوار سياحه حيث تمثل تركيا مقصد سياحي اول للسائحين روس في سنوات اخيره.

نتائج معتبره

كشفت قمه ضروره بين بوتين واردوغان عن ان ما يجمعهما اكبر مما يفرقهما رغم من تراث تاريخي والعقائدي عدائي بين دولتين، وتباينهما من ازمه في سوريا، وكان بارزاً، هنا، اتفاق علي رفع حظر نهائيا عن دخول منتجات تركيه الي اسواق روسيه، واقامه قنوات اتصال مباشره بين عسكريين اتراك والروس من اجل منع حوادث مشابهه لاسقاط سوخوي 24 بجوار توقيع بروتوكولات تنظم تصرف مقاتلات حربيه اثناء تحليقها.

كما نجحت قمه في اتفاق علي اعاده تسيير رحلات جويه تي تنقل حوالي 4 ملايين سائح روسي سنويا الي تركيا ناهيك عن اعاده احياء كثير من مشروعات استراتيجيه ومنها مد انبوب غاز "تركستريم" الي اوروبا، وهو ما يضمن تحويل انقره الي مركز توزيع رئيسي للغاز، وذلك بتركيز تدفقات غاز طبيعي الي اراضيها من روسيا واذربيجان واسرائيل وايران، ويمثل هذا عامل ضغط في مفاوضاتها مع بروكسل للالتحاق عائله اوروبيه.

طباعة
كرم سعيد

باحث بمجلة الديمقراطية - مؤسسة الأهرام