متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

دلالات فك الارتباط بين جبهة النصرة وتنظيم القاعدة

طباعة

اعلنت جبهه نصره –جبهه فتح شام حاليا– في ثامن والعشرين من يوليو ماضي فك ارتباط بينها وبين تنظيم قاعده في تطور يحمل عديد من دلالات والتساؤلات حول دوافع واسباب تلك خطوه من ناحيه، وانعكاساتها علي علاقه مستقبليه بينها وبين غيرها من فصائل معارضه مسلحه عامله علي ارض صراع سوري من ناحيه ثانيه، ثم موقف قوي دوليه تي تصنف جبهه ضمن تنظيمات ارهابيه من ناحيه ثالثه.

دلالات توقيت:

التوقيت الذي اعلن فيه جولاني عن فك ارتباط جبهه نصره بتنظيم قاعده وتغيير اسمها الي جبهه فتح شام ارتبط الي حد كبير ببعض تطورات تي شهدها صراع ميداني سوري داخليا بين معارضه مسلحه وبين قوات نظام.

وتتلخص هذه تطورات في تقدم قوات نظام عبر مسانده روسيه والايرانيه عسكريه ميدانيا داخل اراضي تي تخضع لسيطره معارضه وتحاصر عديد منها لاسيما مدينه حلب تي تشهد مواجهات داميه بين طرفين حاليا -وان كانت معارضه قد نجحت منذ مطلع شهر اغسطس جاري في فك حصار مناطق شرقيه من مدينه- ومن ثم تصبح جبهه نصره تي تتداخل مناطق تي تسيطر عليها مع غيرها من قوي معارضه في مدينه محاصره ومع داعش ايضا هدفا لقصف تحالف دولي ولحصار نظام سوري، وبالتالي يصبح قصف مواقعها هدفا في حد ذاته الي جانب استهداف تنظيم دوله اسلاميه "داعش"، وهو ما تحاول جبهه تفاديه عبر فك ارتباطها قاعده ذي جعلها في مصاف فصائل ارهابيه.

ايضا ارتبط توقيت نفسه بتطورات داخليه شهدتها تركيا وهي احدي اهم دول اقليميه داعمه للمعارضه سوريه تسليحا وتدريبا بصفه عامه ولجبهه فتح شام – نصره سابقا – بصفه خاصه، تي انكفات علي نفسها خلال شهرين ماضيين علي وقع تلك تطورات والتي بدات باتساع نطاق ضربات ارهابيه تي تعرض لها داخل تركي من قبل داعش تاره ومن قبل حزب عمال كردستاني معارض تاره اخري، مرورا باعاده مراجعه سياستها خارجيه تجاه روسيا واسرائيل، ووصولا الي محاوله انقلاب عسكري فاشل علي حكومه حزب عداله والتنميه منتخبه، ونهايه بمعالجه تداعيات ذلك انقلاب علي داخل تركي، وكلها عوامل ستؤدي علي مدي منظور الي انشغال انقره بنفسها.

وقد تساهم عوامل سابقه ايضا في مراجعه انقره لدورها نسبه للازمه سوريه عامه ولدعم معارضه خاصه، لاسيما وان تقارب مع روسيا سيفرض قيودا علي دعمها للمعارضه عبر تسليح وتوريد مقاتلين، ولكن هذه قيود ستظل مرهونه بمدي استجابه قوي دوليه لمطالب انقره في توصل لصيغه يتم عبرها معالجه وجود كردي ساعي لاقامه حكم ذاتي في مناطق ممتده من حسكه شرقا وحتي عفرين علي حدود سوريه تركيه غربا، وهو ما تداركته جبهه فتح شام- نصره سابقا – لاسيما بعد تراجع نسبي في دور تركي داعم للمعارضه، خاصه بعد احكام نظام بمسانده روسيا محاصرته لحلب قريبه من حدود تركيه ومعقل معارضه في شمال.

فك ارتباط..

اسباب والدوافع:

في اطار ما فرضته تغيرات سابق ذكرها من تطورات علي توجهات جبهه فتح شام -النصره سابقا- وشكلت مدخلاتها لاتخاذ خطوه فك ارتباطها مع تنظيم قاعده، يمكننا رصد اسباب والدوافع تي وقفت وراء ذلك تطور علي نحو تالي:

اولا، فك ارتباط جاء استباقا لاعلان خطه تنسيق امني جديده بين روسيا والولايات متحده في سوريا، لمحاربه تنظيمات تي تصنفها امم متحده والتي تعتبرها كل من موسكو وواشنطن تنظيمات ارهابيه وتحديدا "داعش" و"النصره".

وقد انطلقت تلك مشاورات في ثلاثين من يوليو ماضي بعد يومين فقط من اعلان نصره عن نقلتها نوعيه تلك، اي ان جبهه ارادت تجنب استهدافها من جانب تحالف دولي، ومن خطه تنسيق امني روسي امريكي مشترك، بل واعاده تسويق نفسها مره اخري باعتبارها مقاومه شعبيه وليست تابعه لتنظيم خارجي.

ثانيا، محاولات دول اقليميه داعمه للمعارضه مسلحه اعاده توظيف دور جبهه بما يبعدها عن موقعها ضمن قوائم تنظيمات ارهابيه.

حيث ترغب سعوديه وقطر –اللتان رفضتا تصنيف نصره علي انها تنظيم ارهابي- في اعاده انتاج وتوظيف دور جبهه نصره في سياق صراع سوري داخلي لتكون مقبوله دوليا باعتبارها اقوي تنظيمات معارضه مسلحه علي ارض، وكانت في مرحله من مراحل ضمن لواء جيش اسلام مدعوم سعوديا.

ويعني ذلك سماح فك ارتباط بين نصره والقاعده لدول خليج داعمه للمعارضه باعاده تاهيل جبهه وتسويقها لدي ولايات متحده باعتبارها قوه عسكريه يمكن اعتماد عليها علي غرار قوات سوريا ديمقراطيه مدعومه روسيا وامريكيا وتحرز انتصارات في مواجهه داعش في مناطق شماليه من سوريا.

ثالثا، سعي جبهه لفرض هيمنتها علي فصائل مقاومه مسلحه في منطقه شمال سوري تي تعاني فيها معارضه بصفه عامه من تفكك وعدم وجود مظله موحده للعمل تحتها، امر ذي انعكس في تراجعها واضح وازدياد خسائرها بشريه والميدانيه مؤخرا؛ حيث يتيح فك ارتباط لباقي فصائل مسلحه تحالف مع جبهه فتح شام- رغم من رفض عديد منها لمنهجيه جبهه تي اتسمت تطرف الي حد كبير- وهو تحالف " يفرضه" حال وواقع فصائل معارضه حاليا، والتي باتت امام خيارات محدوده بعد نزيف خسائر تي تعرضت لها؛ فاما اعاده تنسيق وتوحيد جبهات قتال، وما يعنيه ذلك من اعتبار فتح شام –النصره سابقا– جزءا اصيلا من تلك حركات، واما امتثال لسياسات قوي كبري تي تسعي لانهاء قتال عبر تنسيق مشترك لاستهداف داعش وفتح شام معا.

هذا هدف يمكن تفسيره في ضوء ترحيب فصائل معارضه سوريه بفك ارتباط فتح شام -النصره سابقا- قاعده، حيث رحبت حركه احرار شام وقوامها عشرين الف مقاتل خطوه، بل واقترحت توحيد صفوف مجموعتين، كما اثنت هيئه عليا للمفاوضات معارضه علي خطوه واعتبرتها بدايه لتشكيل كيان عسكري جديد علي ارض صراع ليس له ارتباطات خارجيه، ولكنها في وقت نفسه دعت جبهه فتح شام الي اتخاذ اجراءات واقعيه "لتصحيح اخطاء ماضي" علي حد تعبيرها، كما اعتبر جيش اسلام ان هذا تطور يصب في نهايه في مصلحه سوريين لكنه اعتبرها خطوه غير كافيه، وفي سياق نفسه رحبت جماعه اخوان مسلمين بفك ارتباط واعتبرته "نقله نوعيه نحو محليه ثوره".

رابعا، فك ارتباط جبهه قاعده ينفي نظره سوريين سواء من مدنيين او حركات مقاومه مسلحه لها باعتبارها فرع لتنظيم ارهابي عالمي، وهو تصور له وجاهته اذا ما نظرنا الي حواضن شعبيه للجبهه، والتي كانت ترغب في انفصالها عن قاعده؛ اي كان انفصال مطلب سوري للحفاظ علي كونها فصيل من ابناء شعب، حيث يشغل سوريون معظم مواقع قياديه والقتاليه فيها؛ هذه حواضن شعبيه وتحت استمرار قصف روسي سوري مشترك ضد مقاتلي جبهه بدات تشعر كلفه بشريه تي تدفعها نتيجه تواجد عناصر جبهه بها، ما يعني ان جبهه في طريقها لفقدان حواضنها شعبيه علي مدي قريب، وهو ما تحاول تلافيه عبر فك ارتباط مع قاعده بما يمكنها من استعاده قاعدتها شعبيه ويجعل لها دور في مستقبل سوريا.

مواقف قوي كبري:

القوي كبري تنظر لخطوه فك ارتباط بين نصره سابقا وبين قاعده باعتبارها خطوه "تكتيكيه"؛ هدفها اول هو استثنائها من خطه تنسيق روسي امريكي جديده في سوريا.

فقد اعتبرت روسيا علي سبيل مثال ان اعلان نصره فك ارتباطها قاعده لن يدفعها لتغيير استراتيجيتها عسكريه في سوريا، والتي تقوم علي محاربه داعش والنصره تحديدا، ما يعني انه علي صعيد عمليات عسكريه روسيه تجاه فتح شام فلن تشهد تغييرا نوعيا في هذا صدد.وتشترك ولايات متحده في رؤيه نفسها تي تتبناها روسيا تجاه جبهه فتح شام، حيث تري واشنطن ان انفصال بين نصره والقاعده ما هو الا خطوه تكتيكيه، وان تغيير اسم لا ينفي عنها صفه ارهاب، موقف امريكي اكده متحدث باسم بيت ابيض قائلا " ليس ثمه تغيير في نظره ولايات متحده تجاه جبهه نصره في سوريا، بل ان مخاوف واشنطن من قيام جبهه بشن هجمات ارهابيه خارج علي غرار ما يقوم به تنظيم دوله اسلاميه اخذه في تزايد"، ما يعني واقعيا ان جبهه ستظل في مرمي استهداف ضربات تنسيق امني روسي امريكي، الا اذا نجحت دول حليفه للمعارضه في اقناع ولايات متحده باعاده توظيف فتح شام -النصره سابقا- ميدانيا باعتبارها فصيل معارض وليس فصيل ارهابي في مواجهه نظام سوري، وان صح هذا تصور فقد تعيد واشنطن توظيف جبهه فتح شام فعليا، ولكن ليس في مواجهه نظام بشار اسد وانما في محاربه داعش اولا، علي غرار دعمها لقوات سوريا ديمقراطيه تي تواجه داعش ويمثل اكراد عمودها فقري.

نتائج وانعكاسات لفك ارتباط:

علي مستوي تماسك جبهه فتح شام واستمراريتها؛ هناك رايان متناقضان اول ، يشير الي ان جبهه ستتعرض للانهيار وحدوث انشقاقات كبيره بين صفوفها لاسيما من قبل عناصر اكثر تطرفا والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بفكر تنظيم قاعده في نظرتها للغرب بصفه عامه والذين يعتبرون خطوه ارضاءً لدوله.

اما راي ثاني فيري علي عكس ان جبهه ستظل متماسكه علي اعتبار ان فك ارتباط جاء "بالاتفاق" بينها وبين تنظيم ام –القاعده– ولم يكن خطوه من جانب واحد، بل ان تنظيم اصدر بيانا -قبيل بيان جولاني ذي اعلن فيه انفصال– دعا فيه جبهه الي تحديد موقفها من استمرار ارتباط من عدمه، وان تنظيم سيحترم اي قرار ستتخذه جبهه، ما اعتبره بعض خطوه تمهيديه متفق عليها مسبقا.

اما علي مستوي علاقه بين جبهه فتح شام وباقي عناصر معارضه فوفقا لما سبق ذكره من ترحيب بعض فصائل معارضه سوريه تي يعتد بها، لما لها من تواجد قوي علي ارض صراع ميداني كاحرار شام وجيش اسلام بخطوه فك ارتباط تلك، فانه من متوقع ان يتم تشكيل كيان عسكري جديد للمعارضه يضم معظم معارضه شمال، وهو ما سيصعب ضربات جويه امريكيه روسيه قادمه في حال اندماج جبهه فتح شام مع غيرها من فصائل مقاومه تي لم يتم تصنيفها علي انها تنظيمات ارهابيه؛ لان اندماج سيعني اعاده رسم خريطه اداره مناطق والتنسيق مع قوي ثوره علي مستوي محلي ما يفرض بدوره تداخل مناطق سيطره محليه بين فصائل معارضه، امر ذي سيضع قيودا علي ضربات جويه روسيه امريكيه تي سيصعب عليها تمييز بين مناطق سيطره جبهه فتح شام وبين غيرها من مناطق باقي عناصر معارضه معتدله؛ اي ان جبهه ستقوم "بغسل" نفسها من وصمه ارهاب عبر تلك خطوه.يمكن قول اذا ان خطوه فك ارتباط بين جبهه فتح شام –النصره سابقا– وبين تنظيم قاعده استهدفت تفادي ضربات تنسيق امني روسي امريكي محتمل في سوريا، واستقطاب كافه ان لم يكن كل فصائل معارضه مسلحه عامله في شمال من اجل توحيدها في فصيل عسكري كبير، وهي خطوه لم يتم دفع نحوها نتيجه لتطورات داخل جبهه فقط، ولكن بضغوط وحسابات اقليميه من قبل دول داعمه للمعارضه، وسيظل مستقبل هذه خطوه ونتائجها وتداعياتها علي مسار ازمه سوريه محل تقييم علي مدي منظور.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية