متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

المبادرات الدولية للحل في سوريا..إعادة صياغة المواقف إزاء الصراع

طباعة

تعددت المبادرات الدولية بشأن التسوية السياسية للصراع في سوريا دون أن تسفر أيا منها عن التوصل لحل سياسى، ومن ثم فإن بقاء الصراع واستمراره حتى تتبلور وتنضج عوامل التسوية السياسية أصبح "أمرا واقعا" يعكسه تعامل القوى الكبرى مع الأزمة، خاصة وأن تلك القوى باتت ترى أن بقاء بشار الأسد كجزء من الحل في سوريا، على الأقل في الوقت الراهن، أصبح طرحا ملحا وضروريا، بل وأقل في مخاطره من مخاطر انتشار جبهة النُصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".

في هذا السياق يمكن تحليل مدى التغير في المواقف الدولية من الأزمة، وهل هناك إعادة صياغة لهذه المواقف يمكن رصدها، وإن وجدت فما هى الأسباب وراء هذا التغيير؟

أولا- إعادة صياغة المواقف الدولية:

تطور مبادرات التسوية لم يكن يعبر عن نمط وحيد من أنماط التعامل الدولي مع الأزمة السورية منذ اندلاعها قبل خمسة سنوات من الآن، بل كان معبرا عن "تغير" متصاعد في مواقف تلك الدول من مسببات الصراع وفي مقدمتها معضلة بقاء نظام بشار الأسد من عدمها، بدءا من المطالبة بتخليه عن السلطة ونهاية بقبول بقائه في أى مرحلة انتقالية محتملة تحت مبررات اعتباره شريكا في محاربة الإرهاب، وعدم توفر البديل بالنظر إلى تشتت المعارضة وتشرذمها واختلاف مرجعيتها الإقليمية، بالإضافة إلى انقسام رؤيتها السياسية حول عملية الانتقال السياسي نفسها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التغير الملحوظ في مواقف القوى الدولية بدأ فعليا منذ العام الماضى وتحديدا في أكتوبر 2015، وأن هذا التغير جاء نتيجة لعدة "مستجدات" طرأت على الصراع السورى:

أولها، يتعلق بتمدد وانتشار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" داخل الأراضي السورية منذ مايو 2014، وسيطرته على مساحات واسعة فيها وتحديدا محافظة الرقة وتدميره لمدينة تدمر الأثرية، بالإضافة لتمدده في مناطق تمركزه في العراق وبالقرب من الحدود السورية مما شكل جسرا بريا للتواصل بين عناصر التنظيم في العراق وسوريا، الأمر الذى رفع من أسهم الاختيار الأمريكي الأوروبي بين تداعيات استمرار بقاء بشار الأسد في السلطة، وبين تداعيات تمدد داعش وصولا إلى فكرة أن محاربة الأخير لن تأتي بثمارها إلا بإشراك النظام، أى أصبح ثمة شبه إجماع دولي على أن الإطاحة بنظام الأسد لا يجب أن يقابلها انتصار التنظيمات المتطرفة وتحديدا داعش وجبهة النُصرة.

ثانيها، يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني مع دول 5+1، وإتاحة الفرصة أمام إيران لدفع الحليف السوري نحو حل سياسي لاسيما بعد التنازلات التي قدمها الغرب لها مقابل الاتفاق النووى؛ وفي مقدمتها الاعتراف بدورها الإقليمي في المنطقة ورفع العقوبات المالية والمصرفية والنفطية عنها.

ثالثها، يشير إلى تحول مجريات الصراع على الأرض بدءا من نهاية عام 2015 وحتى الآن لصالح النظام بعد التدخل الروسي العسكري المباشر في الصراع ، الأمر الذى أوجد فرضية جديدة تقوم على صعوبة هزيمة نظام الأسد عسكريا، ومن ثم قبول باقي القوى الدولية بالتدخل الروسي من باب إمكانية التوصل إلى حل سياسي، وهو ما حاولت روسيا الدفع به عند إعلان انسحابها العسكري الجزئي، وممارسة نوع من الضغط على بشار الأسد لحمله على إبداء مرونة في أي عملية تفاوضية جديدة.

ثانيا - احتمالات وجود رؤية أمريكية روسية للحل السياسي:

مؤشرات عديدة شهدها الصراع السوري منذ نهاية عام 2015 تشير إلى وجود مسار توافقي متناغم في الرؤى بين الولايات المتحدة وروسيا، هذا التوافق يدفع إلى التساؤل بشأن احتمالية وجود رؤية مشتركة بين الطرفين للحل في سوريا ؟ بالفعل هناك من يشير إلى تسريبات من أروقة الدبلوماسية الأمريكية والروسية تفيد بوجود "خطة" مشتركة للحل بدأت تتشكل في أعقاب الجولة الثانية من مباحثات جنيف- 3 وبالتحديد في أواخر مارس الماضي، وتتضمن الخطة ثلاث نقاط رئيسية:

الأولى، إجراء انتخابات برلمانية تحت إشراف الأمم المتحدة، لم يتم توضيح توقيت إجرائها وإن كانت التسريبات تشير إلى شهر أغسطس القادم.

والثانية، صياغة دستور جديد ينص على علمانية الدولة السورية بإشراف أممي، على أن يراعي الدستور الجديد التركيبة الجديدة للبرلمان الذي سيتمخض عن خطوة الانتخابات، كما سيعتبر الدين الإسلامي "أحد مصادر التشريع"، وذلك إرضاءً للمكون السني.

أما النقطة الثالثة، فتشير إلى إجراء انتخابات رئاسية دون توضيح لمصير الأسد بالنسبة لهذه الانتخابات هل سيشارك فيها أم لا، وإن رجحت بعض التحليلات التي تناولت تشريح هذه الخطة احتمالات عدم مشاركة الأسد فيها، ولكنها في الوقت نفسه رهنت عدم مشاركته بمدى القدرة على التوصل لاتفاق بشأن تشكيل هيئة حكم قوية وقادرة على المحافظة على مؤسسات الدولة خاصة السيادية والأمنية منها.

ووفقا لهذه المسارات يمكن القول أن الرؤية الأمريكية الروسية تقر ببقاء الأسد لفترة من الزمن خلال المرحلة الانتقالية على أن يكون منقوص الصلاحيات إلى حد كبير لصالح حكومة ذات أغلبية برلمانية.

كما أن الدستور الذي سيتم صياغته غالبا ما سيقر تقاسم السلطة على أساس محاصصي - النموذج اللبنانى تحديدا- تمهيدا لإشراك الجميع في التسوية السياسية، لكن هذه الخطة ستقابل بمعضلة جديدة وهى مدى قبول القوى المتصارعة على الأرض بها.

ثالثا- الرؤى الأوروبية للحل في سوريا: فيما يتعلق بالتغيرات التى طرأت على موقف الدول الأوروبية من الصراع في سوريا، والتى بدأت تحديدا منذ سبتمبر 2015 ، يمكن القول أن مواقف تلك الدول لم تكن على وتيرة واحدة، وتباينات فيما بينها على مدار سنوات الصراع، لكنها وبنهاية العام المذكور بدأت تتغير نحو الطرح الداعي إلى قبول بقاء بشار الأسد في منصبه خلال المرحلة الانتقالية بعد أن كانت رافضة لأى دور سياسي له في مستقبل سوريا؛ وهناك مجموعة من الأسباب التى تفسر هذا التغير؛ بعضها يتعلق بالتدخل الروسي وقبول أوروبا على استحياء بهذا التدخل من قبيل دفعها لحل سياسي يحمل طرفي الصراع على قبوله.

والبعض الآخر يتعلق بالضغوط التى تتعرض لها الدول الأوروبية نتيجة لهجرة السوريين إلى أراضيها عبر تركيا، وهى الهجرة التى جعلت أوروبا طرفا أصيلا في مسألة البحث عن حلول تمكن اللاجئين من العودة لبلادهم، وهو ما انعكس في النصوص التى اشتملت عليها مبادرات الحل بدءا من القرار 2254، ومرورا بمبادرات المبعوث الأممى دى ميستورا والتى أقرت "بتمكين السوريين من العودة لبلدهم بأمان".

والبعض الثالث يتعلق بضغط الأوضاع الإنسانية المتدهورة للشعب السورى والتى دفعت العديد من الحكومات لتغيير قناعاتها بطبيعة الحل المراد ليشمل الأسد مقابل تقليص صلاحياته أو نزعها لصالح حكومة أو هيئة انتقالية.

الأسباب السابقة دعت الدول الأوروبية إلى التوافق على رؤية موحدة تجاه مستجدات الصراع السورى؛ وأولى التغيرات في المواقف بدأ من ألمانيا صاحبة أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، وأكثر الدول تعرضا لموجات هائلة من اللاجئين السوريين؛ حيث أبدت برلين قبولا بفكرة إشراك الأسد في أية مفاوضات من شأنها إنهاء النزاع بعدما كانت رافضة رفضا تاما لفكرة بقاؤه، أيضا وبنهاية جولة مفاوضات جنيف- 3 هيمن القلق على مصير الهدنة الهشة القائمة بين طرفي الصراع على مباحثات القمة الألمانية الأمريكية في مدينة هانوفر في 24 ابريل المنصرم، حيث شهدت تصريحات المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تحولا واضحا بشأن المناطق الآمنة في سوريا، فمن المعروف أن المانيا وتركيا كانتا من أكثر الدول الداعمة لمطلب إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا، بينما توقف هذا الطرح على رفض أمريكي واضح، إلا أن الجديد في الموقف الألماني هو تصريح ميركل بأنها "لا تؤيد إقامة مناطق آمنة تقليدية في سوريا تحميها قوات أجنبية" لكنها تعتقد أن محادثات السلام "قد تنتج اتفاقا على مناطق يمكن أن يشعر فيها السوريون الفارون من الحرب بأنهم في مأمن من القصف".

أما الرؤى البريطانية فتتوافق مع فكرة بقاء الأسد لأجل قصير حتى تسفر المفاوضات عن تشكيل حكومة انتقالية، كما خففت فرنسا من حدة موقفها من النظام السوري على وقع اعتداءات شارل إبدو، وجنوحها للتقارب مع روسيا بشأن دعم موقف الأخيرة من الضربات التى توجهها للمعارضة السورية باعتبارها معارضة غير معتدلة، كما أنها لم تطالب برحيل الأسد كشرط مسبق لأية مفاوضات، ولكنها اتفقت ورؤية الولايات المتحدة باعتبار أن مصير الأسد سيكون قابلا للتفاوض بعد إبرام اتفاق لتطبيق الانتقال السياسي.

مما سبق يتضح أن الدول الأوروبية الفعالة قررت تجاوز مسألة مصير الأسد على الأقل في المرحلة الانتقالية، وهو ما يعنى تماهي الموقف الأوروبي إلى حد ما مع الموقف الروسي الذى يؤجل هذه الخطوة لصالح مواجهة الإرهاب وتقويضه، ولكنها تمايزت عنه في رفضها أن يكون الأسد جزءا من الحل على المدى الطويل.

في سياق هذه الرؤية العامة صدرت دراسة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في نوفمبر 2015 بعنوان: "تجديد الدبلوماسية السورية..

من فيينا إلى الرقة" تناولت كيفية تعامل أوروبا مع الحل السياسي لإنهاء الصراع في سوريا، والتى يمكن تلخيص مجملها في عدة محاور: الأول، استمرارية دعم الدول الأوروبية لمجهودات المبعوث الأممي دى ميستورا لاسيما في مجال مكافحة الإرهاب ووقف تمويله عبر تطبيق كامل للقرار الأممي رقم 2249 المعني بهذا الشأن.

والثاني، ضرورة ممارسة أوروبا لضغوط دبلوماسية على الولايات المتحدة وواشنطن لدفعهما نحو السماح بدخول المساعدات الإنسانية للمدنيين المتضررين من الصراع.

الثالث، الاستفادة من أجواء نجاح إيران في التوقيع على اتفاقها النووى في دفعها لممارسة الضغوط على نظام الأسد، مع التلويح بأن التطبيع الكامل للعلاقات الأوروبية الإيرانية يتوقف على دور فعال لإيران لإنهاء الصراع السوري.

أما بالنسبة للسعودية فقد استفادت أوروبا من المرونة التى أبدتها الرياض تجاه الموافقة على الجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة مع إيران وهى الخطوة التى بدأت في مؤتمر فيينا 2015، مع التلويح لها بإمكانية دعم موقفها السياسي والعسكري في اليمن كوسيلة لحملها نحو دور أكثر إيجابية في سوريا.

المحور الرابع، يتعلق بتركيا حيث تطالب الدراسة بضرورة اقناع أنقرة بتبني حل سياسي في سوريا، وانتهاج سلوك أكثر اعتدالا مع روسيا لاسيما بعد التأكيد على عدم رغبة حلف الناتو الدخول في مواجهة مع روسيا في منطقة الشرق الأوسط.

خلاصة القول أن ثمة تعدد في المبادرات السياسية والمؤتمرات والقرارات الأممية بشأن كيفية حل الصراع في سوريا، لكنها تظل مجرد نصوص غير قابلة للتنفيذ لتعارض ملفات القوى الإقليمية حتى هذه اللحظة فيما يتعلق بهذا الصراع.

فعلى الرغم من التحول في الموقف الدولي الذي يتقدمه حالة التوافق الأمريكية الروسية كما سبق توضيحه، وحالة التقبل الأوروبى لوجود الأسد ضمن المرحلة الانتقالية القادمة، أى أن هناك إعادة صياغة للمواقف الدولية تجاه النزاع في سوريا، بينما لاتزال المواقف الإقليمية متعارضة إلى حد كبير، خاصة تلك المؤيدة للمعارضة والتى ترى أن نظام بشار الأسد هو أكبر الرابحين حتى هذه اللحظة من تطور مسار الصراع وتفاعلات القائمين عليه.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية