متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

مكاسب إسرائيل من الصراع في سوريا

طباعة

 على مدى خمسة أعوام منذ أن تحولت سوريا إلى ساحة للحرب بالوكالة بين أطراف إقليمية، وبين أطراف دولية ظلت إسرائيل على مسافة بعيدة من هذا الصراع وإن استغلته في بعض الفترات لتحقيق بعض الأهداف المحددة.

وقد تمثلت هذه الأهداف في الضغط من أجل تجريد سوريا من أسلحتها الكيماوية وتوجيه ضربات جوية لطرق إمداد حزب الله بالسلاح داخل سوريا، وتصفية بعض المطلوبين لديها من المتحالفين مع حزب الله أو رجاله (اغتيال جهاد مغنية ومن بعده سمير القنطار).

كما عملت إسرائيل على توريط حزب الله بشكل أكبر في الحرب إلى حد تقديم مساعدات لبعض التنظيمات الأصولية التي تقاتله.

فقد نشر موقع عرب اسرائيل بتاريخ 11 نوفمبر 2014 تصريح للمتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي قال فيه أن الجيش دأب منذ سنتين علي تقديم المساعدات الإنسانية للجرحى الذين يفرون من القتال في سوريا.

واتهمت الطائفة الدرزية في إسرائيل في ردها علي التصريح السابق وفي نفس اليوم بأن هذه المساعدات تشمل أيضا مقاتلي داعش والنصرة، بهدف استنزاف حزب الله وإبعاده عن التركيز على جبهة المواجهة معها في الحدود اللبنانية.

حققت إسرائيل على مدى هذه السنوات معظم أهدافها السابقة، وإن بقى الهدف الأهم وهو الحصول على اعتراف دولي بتبعية هضبة الجولان، التي ضمتها لأراضيها رسميا عام1980 رغم كونها أراضي سورية محتلة بحكم القانون الدولي، محل شك.

إذ سيتوقف مصير الجولان إلى حد كبير على التسوية النهائية للحرب الجارية هناك وشكل الدولة السورية بعدها: سوريا تحت حكم مركزي، أم سوريا فيدرالية، أم دويلات طائفية وعرقية ومناطق فوضى غير مسيطر عليها من أية دولة.

لماذا وقفت إسرائيل بعيدأ عن الصراع السوري: نشبت الأزمة السورية في مارس 2011 في وقت كان ثقل المواجهات بين إسرائيل ومحور إيران- سوريا - حزب الله- حركة حماس قد بات مركزًا في اتجاه الجبهة الجنوبية للدولة العبرية خاصة مع سقوط نظام مبارك وما تلاه من وصول جماعة الإخوان للحكم في مصر.

وكان هذا الأمر يعني أن تهديد حماس التي تعد فرعا من أفرع الجماعة، قد بات مرشحا للتصاعد من الناحية النظرية علي الأقل سواء علي المدى المتوسط أو البعيد وليس علي المدى القريب بسبب إنشغال مصر لفترة في ترتيب أوضاعها الداخلية ( أنظر إٍسرائيل والثورة المصرية علي موقع المركز العربي للأبحاث بتاريخ 2 ابريل 2011).

واذا كان رحيل نظام مبارك قد شكل لإسرائيل مشكلة تتعلق باختبار مدى قدرة الإخوان والجيش في مصر على الحفاظ على معاهدة السلام، فقد شكل اهتزاز النظام السوري أمام معارضيه فرصة لإسرائيل لتخفيف الضغط على الجبهة الشمالية، حيث انشغل النظام السوري بمواجهة أعدائه في الداخل، كما اضطرت حركة حماس تحت ضغط السعودية إلى فك علاقتها بالنظام السوري وشركائه في إيران.

ومع تدهور قدرة الجيش السوري على المحافظة على سيادته على حدود الدولة بعد تمكن الجماعات الجهادية والمنشقين على النظام ومن بعدهما تنظيم داعش من طرد قوات النظام من مناطق شاسعة، اضطر حزب الله بدوره لتغيير وجهته من التركيز على المواجهه مع إسرائيل إلى محاولة حماية النظام السوري من السقوط، وهو ما صب تلقائيا في صالح إسرائيل ومصالحها الأمنية.

في غضون هذه الفترة التي امتدت حتي سبتمبر الماضي حققت إسرائيل معظم أهدافها بدون تكلفة تذكر، حيث تكفل التفاهم الروسي الأمريكي بتجريد سوريا من أسلحتها الكيماوية في عام 2013، كما حال انشغال حزب الله وسوريا بالحرب الداخلية في الأراضي السورية دون الرد على العمليات التي قامت بها إسرائيل في سوريا، ويلاحظ أن سوريا لم تتعرض خلال الستة سنوات الممتدة بين عامي 2001 وحتي 2007 سوى لثلاث غارات فقط بينما تعرضت في الفترة من عام 2013 وحتي أغسطس 2015 إلى أربعة أضعاف هذا العدد على النحو المبين أدناه: 1- 30 يناير 2013: غارة على موقع عسكري قرب دمشق.

2- 5 مايو 2013: غارات إسرائيلية قالت الحكومة السورية إنها استهدفت مركزا للبحث العلمي، فيما قال مسؤول إسرائيلي إنها استهدفت صواريخ إيرانية موجهة لـحزب الله اللبناني.

3- 30 يناير 2014: غارة على مركز للأبحاث العلمية بجمرايا في ريف دمشق.

4- 19مارس 2014: غارات على أهداف عسكرية سورية في الجولان.

5- 3 مايو 2014: غارة على موقع سوري قالت إسرائيل إنها استهدفت شحنة صواريخ كانت في طريقها إلى حزب الله.

6- 6 مايو 2014: غارات على مركز للبحوث العلمية في دمشق.

7 22 -يونيو 2014: غارات على مواقع عسكرية سورية ردا على مقتل طفل إسرائيلي (15 عاما) في انفجار بالجولان.

8 - 15 يوليو 2014: غارة على مقر اللواء 90 في هضبة الجولان.

9- 7 ديسمبر 2014: غارتان على مناطق عسكرية بمحيط منطقة الديماس وعلى مستودع للصادرات والواردات بمطار دمشق الدولي.

10 - في 19 يناير 2015 أطلقت مروحية إسرائيلية صاروخين تجاه منطقة القنيطرة المجاورة للجولان قتل في هذا القصف ستة من عناصر حزب الله من بينهم جهاد مغنية نجل القيادي الذي اغتالته إسرائيل قبل ذلك (عماد مغنية) 11- 20 أغسطس 2015: غارة على مواقع للجيش السوري في منطقة خط وقف إطلاق النار المحدد باتفاقية فصل القوات عام 1974.

12- 21 أغسطس 2015: غارة استهدفت منطقة القنيطرة السورية في هضبة الجولان.

لقد استغلت إسرائيل الحرب الأهلية في سوريا ليس فقط من أجل ضرب القدرات العسكرية غير التقليدية في سوريا، ومنع وصول المزيد من السلاح إلى حزب الله في لبنان كما اتضح سابقا، بل أيضا استغلت الوضع نفسه لتقديم الدعم لتنظيم النصرة السوري المعادي لحزب الله.

ومع تزايد تدخل الأخير في الصراع الدائر في سوريا، برهنت إسرائيل على صحة ادعاءاتها بأن حزب الله ليس منظمة مقاومة لبنانية بل هو أحد أوراق إيران الساعية إلى هز استقرار المنطقة، كما حرصت إسرائيل على تصوير الحزب كطرف رئيسي في الصراعات العربية - العربية بشقيها المذهبي والسياسي مما أفقده التقدير الذي حظي به شعبيا في العالم العربي في وقت سابق بوصفة قوة مقاومة وردع ضد الدولة العبرية.

عدم اليقين كسبب لعدم التدخل الإسرائيلي علاوة على ما سبق والذي منح لإسرائيل القدرة على تحقيق أهدافها دون التدخل المباشر في الصراع السوري، ثمة سبب آخر لعدم التدخل وهو ما أسمته بعض مراكز البحوث الإسرائيلية ب "حقبة اللايقين" فيما يتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط والتي تجلت خصائصها بوضوح في الفشل الاستخباراتي لإسرائيل في التنبؤ بمسار الأحداث في سوريا قبل وبعد نشوب الحرب الأهلية هناك.

فقد اعتقد كثير من الخبراء الأمنيون في إسرائيل ان الفشل الاستخباراتي كان كارثيا طيلة السنوات الخمس الماضية فيما يتعلق بهذا المسار تحديدا.

وقد عبر عن ذلك مؤخرا عضو الكنيست ورئيس جهاز الشاباك الأسبق آفي ديختر بقوله "يجب أن نتذكر أن خط التفكير خلال سنوات كان أن سوريا هي دولة مستقرة، مع نظام مركزي قوي.

في المقابل، بعد أن بدأت الحرب كان خط التفكير هو أن سقوط الأسد يحتاج إلى بضعة أشهر فعليا.

هذه التقديرات كانت خاطئة تماما".

(موقع واللا الأخباري الإسرائيلي 20 مارس 2016) يضاف إلى ذلك التصريح الذي أدلي به جادي إيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي تعليقا على قرار روسيا بسحب قواتها من سوريا قائلا "مثلما لم نتوقع تدخل روسيا عسكريا، لم نتوقع أيضا قرار انسحابها ولم نحط به علما من جانبها".

(المصدر نفسه ) في مثل هذه البيئة غير المواتية لاتخاذ قرارات كبرى، لم يكن بوسع صانع القرار الإسرائيلي سوى الابتعاد قدر الإمكان عن اتخاذ قرار بالتدخل المباشر في الصراع السوري، مع الابقاء على سياسة العمليات النوعية لتحقيق أهداف أمنية، والضغط الدبلوماسي على القوى الكبرى لأخذ المصالح الإسرائيلية في سوريا بعين الأعتبار.

وكتب المحلل الإسرائيلي "أمير تيفون" في موقع واللا الأخباري الإسرائيلي في 20 مارس الجاري قائلا "إن مايكل أورن الذي كان سفيرا لإسرائيل في واشنطن خلال الفترة 2009-2013 ادعى في كتاب نشره في الصيف الماضي، أن فكرة إخراج السلاح الكيميائي من سوريا مقابل امتناع الولايات المتحدة عن قصف قوات الأسد كانت مبادرة إسرائيلية، وبشكل محدد مبادرة وزير أجهزة الاستخبارات يوفال شتاينيتس.

الجولان هي الهدف البعيد رغم أن سوريا حتى قبل سقوطها في مستنقع الحرب الأهلية كانت فاقدة لأية قدرة عسكرية لشن حرب ضد إسرائيل بهدف استعادة هضبة الجولان المحتلة، إلا أن الدولة العبرية كانت تدرك أن ذلك لن يرتب تغييرا في وضعها كأراضٍ محتلة وفقا للقانون الدولي.

وطالما أن سوريا كانت قد أبدت منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1992 استعدادها للدخول في مفاوضات مع إسرائيل لأجل تسوية الصراع معها، فأن احتفاظها (أي إسرائيل) بالجولان إلى الأبد سيظل محل شك كبير، إلا اذا تفككت الدولة السورية وأصبح من الصعب أو المستحيل تحديد الجهة التي يمكن أن تطالب بهذه المنطقة مستقبلا.

من هذا المدخل رأت إسرائيل أن دفع سوريا نحو الانقسام والتفتت وإن كان سيزيد من المخاطر الأمنية على حدودها الشمالية لفترة طويلة، إلا أنه سيضمن التشكيك في المشروعية القانونية لمطالبة أي من الدويلات التي ستنشأ-حال تفكك سوريا- بالجولان، وبالتالي يصبح ضمها ليس فقط أمر واقع بحكم الاحتلال الإسرائيلي لها منذ عام 1967، بل أمر بالإمكان اعطاءه شكلأ شرعيا وفق القانون الدولي في مرحلة لاحقة.

ولم يرتب الطموح الإسرائيلي في هذا الصدد التدخل المباشر لتحقيقه، حيث تكفلت أطراف أخرى بالقيام بهذا الدور، فالولايات المتحدة التي كانت قريبة من توجيه ضربه عسكرية لسوريا لإسقاط نظام الأسد في أغسطس عام 2013 لم تكن واثقة من أن هذا التدخل سينهي الحرب الأهلية هناك، بل أظهرت النقاشات التي جرت بين أوباما ومعاونيه والتي سربتها الصحف الأمريكية في حينها، أن إدارة اوباما كانت تخشى حال تدخلها عسكريا في سوريا من تكرار ظواهر الفوضى وانتشار الميلشيات الجهادية هناك كما حدث في العراق وليبيا، وانتهي الأمر بتراجع أوباما عن تهديداته بضرب نظام الأسد.

وعلى فرض أن الولايات المتحدة كانت قد غامرت بتنفيذ ضربة عسكرية أدت إلى إسقاط النظام، فأن انتشار الفوضى في جوار إسرائيل الإقليمي وأن كان سيزيد من مشكلاتها الأمنية، إلا أنه كان سيحقق لها ضمان تفكك الدولة السورية، وبالتالي الاستمرار في السيطرة على الجولان لسنوات طويلة حتي تستقر الأوضاع هناك، وقد يكون السيناريو الأقرب لحالة الاستقرار هو نشؤ دويلات على أنقاض سوريا الموحدة، وبالتالي يصبح من السهل المحاججه بحق إسرائيل قانونيا في ضم الجولان إليها بشكل نهائي.

أما عدم التدخل الأمريكي والذي بات أمرأ واقعا فقد أفاد إسرائيل من حيث إطالة أمد الحرب واستمرار عملية تورط حزب الله وإيران فيها، وهو في الوقت ذاته لم يلغ إمكانية تفكك سوريا مستقبلا وتحقيق الهدف النهائي لإسرائيل بضم الجولان بشكل قانوني.

خلاصة ونتائج يبدو أن قرار إسرائيل بعدم التدخل المباشر في الصراع الدائر في سوريا منذ عام 2011 كان قرارا حصيفا، إذ جنبها الكثير من المشكلات والصدامات مع المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي.

كما كان تحركها في اتجاه الدعم المحسوب لتنظيم النصرة، وعدم الإسراع بتغيير سياساتها في بعض الفترات التي شهدت اقتراب حرب الميلشيات السورية والنظام الأسد من حدودها الشمالية شهادة على قدرتها على التعامل بهدؤ مع أزمات هددت أمنها بشكل كبير، دون أن يؤثر هذا على المكاسب التي حصدتها من الحرب عبر أطراف أخرى.

وتظل مطامع إسرائيل في تقنيين ضم الجولان إليها أحد اكثر الخسائر التي قد تحيق بالعرب، خاصة إذا ما تحقق الحلم الإسرائيلي بتفتيت سوريا إلى دويلات مستقلة.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية