متابعات تحليلية - العالم

بين قراري التدخل والانسحاب .. هل وجدت روسيا بديلا للأسد ؟

طباعة

 فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم في سبتمبر الماضي بإعلانه التدخل العسكري في سوريا لمساندة النظام ومحاربة التنظيمات الإرهابية كتنظيمي داعش والنُصرة.

وفي خطوة لا تقل في فجائيتها عن قرار التدخل أعلن بوتين في الرابع عشر من مارس الجاري سحب الجزء الأكبر من القوة الجوية العسكرية الروسية المتواجدة في سوريا, وما بين القرارين مرحلة يمكن تقييمها وعنونتها بنجاح موسكو في قلب موازين الصراع السوري لمصلحة النظام ودعم قدرته على الصمود، وإنهاك المعارضة المسلحة وصد تقدمها في اتجاه مدن الساحل حيث يتمركز النظام، وتعزيز القدرة العسكرية للنظام في عدة مواقع بالقرب من مدينة حلب في محاولة لمحاصرة المعارضة فيها وقطع طرق الإمداد بينها وبين تركيا، دون أن يشمل ذلك القضاء على ذريعة التدخل الرئيسية وهى محاربة التنظيمات الإرهابية إلا في سياقات مكانية محدودة للغاية.

الانسحاب ..ودلالات التوقيت

أعلنت الرئاسة الروسية أن مهمة القوات الروسية في سوريا قد تم إنجازها، وأنها بصدد ترك جزء من خبرائها وقواتها العسكرية في قاعدتيها العسكريتين طرطوس البحرية وحميميم الجوية، والاحتفاظ كذلك بمنظومة صواريخ "أس 400" المضادة للطائرات.

وبقراءة متأنية لمسار التدخل الروسي في الصراع السوري يمكن رصد ما يؤشر على أن القرار الروسي بالانسحاب المفاجئ كان مدفوعا بعدة تطورات طرأت على طبيعة علاقة التحالف الروسية السورية من ناحية، وعلى تعاطي النظام السوري مع نتائج التدخل الروسي لصالحه، ومن ثم تعاطيه مع المسار التفاوضي من ناحية ثانية.

إضافة إلى ما طرأ كذلك على مسار العلاقة بين روسيا وحلفاء المعارضة السورية وبالتحديد مع السعودية من ناحية ثالثة، ثم أخيرا على الوضع الاقتصادي الروسي.

وهى تطورات تدفع إلى الجزم بأن قرار بوتين لم يكن مجرد تراجع تكتيكي مؤقت بقدر ما يمكن اعتباره تراجعا علنيا وفعليا من جانب روسيا عن دعم النظام السوري عسكريا لدفع الأخير نحو التفاوض حول الحل السياسي المأمول.

ففيما يتعلق بتطورات علاقة التحالف الروسية السورية؛ يبدو أن قرار الانسحاب جاء كنتيجة لتراكم عدد من المواقف السورية التي أبدت موسكو انتقادات واضحة بشأنها كان من أبرزها حالة الانتشاء والثقة اللامحدودة بالنفس التي أصبح عليها النظام السوري بعد استعادة قدرته على الصمود والتقدم في مواجهة المعارضة بمساعدة روسيا.

يشير إلى ذلك نبرة الاستعلاء التي تحدث بها كل من وزير الخارجية وليد المعلم ورئيس وفد الحكومة السورية في المفاوضات بشار الجعفري، قبيل بدء مسار التفاوض المعروف بجنيف-3 عن كون بشار الأسد خطا أحمر، الأمر الذي يعيد الأزمة السورية إلى المربع الاول.

ويتعارض هذا الاستعلاء مع الطرح الروسي الذي جرى التسويق له مؤخرا بأن موسكو استهدفت من تدخلها لدعم النظام تعديل الوضع الميداني بهدف تحسين وضعه التفاوضي خلال العملية السياسية التي بدأت منذ مؤتمر فيينا- 2 (أكتوبر 2015)، وما تبعه من قرارات أممية وتحديدا القرار 2254 (ديسمبر 2015)، أي دفعه للتفاوض من منطق القوة، وترجمة توازن القوى الجديد داخل سوريا في المفاوضات لصالحه.

وقد أبدى النظام السوري عكس ذلك حيث تعمد إفشال المسار التفاوضي عبر إغراق الراعيين الدوليين في تفاصيل ومواضيع قتلت بحثا ونقاشا منذ جنيف – 1 (يونيو 2012) وحتى الآن.

ويهدف النظام من ذلك إلى إطالة أمد المفاوضات بل وتفريغها من معناها بما يؤدي في النهاية إلى تثبيت أهدافه في البقاء في السلطة وسحق المعارضة، بل وأعلن مسؤولوه رغبتهم في مواصلة الحرب حتى استعادة كافة الأراضي من المعارضة، وهو أمر يبدو أنه بات خارجا عن سياق التفاهم الأمريكي الروسي منذ بدء سريان الهدنة في أواخر فبراير الماضي.

هذا بالإضافة إلى غضب موسكو من إعلان النظام السوري لموعد إجراؤه انتخابات برلمانية في أبريل المقبل ضاربا بمساعي التسوية عرض الحائط.

ولم تلق موسكو استجابة لطلبها تأجيل تلك الخطوة انتظارا لمفاوضات جنيف - 3، حيث اعتبرها النظام من الأمور السيادية غير القابلة للنقاش حتى من قبل حليفه الروسي.

كما روجت الدبلوماسية الروسية في السياق نفسه وللمرة الأولى لفكرة أن العمليات العسكرية الروسية في سوريا ليس بإمكانها استعادة كافة الأراضي السورية من المعارضة، وأنها حققت هدفها بمساعدة النظام على البقاء والصمود وحاصرت المعارضة وحجمتها وحمته من السقوط، ويتزامن ذلك مع تسريبات من أروقة الدبلوماسية الأمريكية والفرنسية تطالب المسئولين الروس بضرورة إبلاغ بشار الأسد بأن رحيله بات أمرا متفقا عليه مع روسيا.

في هذا السياق تزيد الاحتمالات التي تتوقع اتجاه موسكو لممارسة المزيد من الضغط على بشار الأسد للتنحي، وربما التخلي عنه لصالح حكومة انتقالية تتولى السلطة تكون موالية لروسيا وتضمن مصالحها القديمة والجديدة في سوريا، على أن تضم النظام والمعارضة معا ولا يشترط فيها أن يكون الأسد جزءا منها.

أي يمكن القول أن موسكو بالانسحاب والتلويح بالتخلي عن النظام تريد إعادة ضبط دعمها للأسد في المرحلة المقبلة لدفعه لتقديم تنازلات تفاوضية، بل هناك من يرى أن قرار بوتين جاء بعد دراسة البدائل المتاحة لبشار الأسد سواء من داخل المؤسسة العسكرية أو باقي أجهزة الدولة السيادية.

وتأتى مستجدات العلاقة بين روسيا والمعسكر الداعم للمعارضة لتضيف مزيدا من المدخلات التي بنى عليها الرئيس الروسي قرار سحب جزء من قواته في سوريا.

وبدون الدخول في تفاصيل الخلاف الحاد بين موسكو وانقرة وتداعيات استمرار روسيا في الضغط العسكري على المعارضة في حلب القريبة من الحدود التركية وانعكاسات ذلك على مسار العملية السياسية التفاوضية، يمكن رصد تطورا مهما على مستوى العلاقات الروسية السعودية برز إلى سطح الأحداث مؤخرا.

وتعلق هذا التطور بشأن إمكانية الاتفاق بشأن أسعار النفط بين الجانبين، مما قد يخفف من حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها روسيا، هذا بالإضافة إلى الزيارة المحتملة التي سيقوم بها عاهل السعودية لموسكو خلال الفترة المقبلة، والتي أوقفتها الرياض على ضرورة وقف الضربات العسكرية الروسية في سوريا كبادرة حسن نوايا روسية.

وفي السياق نفسه أثنى وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف على الرياض بشأن الجهود التي بذلتها في تعديل وفد المعارضة المشارك في المفاوضات آخذة في الاعتبار الاعتراضات الروسية على قائمة مؤتمر الرياض للمعارضة، معتبرا أن الموقف السعودي أصبح مغايرا لما كان عليه الوضع في يناير الماضي، واستهدف لافروف من هذا الإطراء على الدور السعودي استعادة دورها كطرف مؤثر على المعارضة السورية، لضمان استمرار الأخيرة في المفاوضات والكف عن التلويح بمقاطعة العملية التفاوضية برمتها نتيجة لتعنت النظام وتسويف من يمثله في المفاوضات.

كما يمثل الوضع الاقتصادي الروسي المنهك- جراء تراجع أسعار النفط واستمرار العقوبات الاقتصادية والمالية الأمريكية الأوروبية- عائقا يصعب معه الاستمرار في تحمل تكلفة الحرب وأعبائها التي تصل إلى 3 ملايين دولار يوميا، خاصة مع استمرار حالة الركود الاقتصادي للعام الثاني على التوالي، ناهيك عن هاجس التورط في أزمات عميقة على غرار التورط الروسي في افغانستان نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

قرار الانسحاب ومسار التفاوض والصراع:

جاء قرار الانسحاب متزامنا مع بدء جولة مفاوضات جنيف -3، وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه تحديد مدى تأثير القرار بصورة فعلية على عملية التفاوض خلال المرحلة القادمة؛ إلا أن القرار في النهاية من المتوقع أن يساهم في إحداث تقدم في عملية الانتقال السياسي في سوريا.

حيث يتضح مما سبق عرضه أن روسيا أدركت أن مستقبل سوريا يجب أن يخلو من الأسد الذي أصبح يمثل عبئا دوليا عليها وعلى مصالح دولتها في المنطقة.

هذه القناعة الروسية الجديدة ترجمتها واقعيا حالة الاختلاف في وجهات النظر بين ما توصل إليه التفاهم الأمريكي الروسي بشأن بشار الأسد منذ بدء الهدنة في 27 فبراير الماضي، وبين محاولات ونوايا وفد النظام السوري المشارك في جنيف -3 لعرقلة المفاوضات وعدم تقديم تنازلات فعلية على طاولتها.

وبدا أن إعادة إنتاج شراكة جديدة مع نظام بشار الأسد، في ظل ما باتت تعاني منه روسيا داخليا وخارجيا لاسيما في الفضاء الجيوسياسي في أوراسيا، أصبحت عملية ذات كلفة مادية وسياسية لا يمكن تحملها.

ولم تتوقف انعكاسات قرار الانسحاب الروسي الجزئي على مسار التفاوض فقط، بل كان التأثير الأكبر على أرض الصراع حيث المواجهة الميدانية؛ فقد أعلنت جبهة النصرة عن استعدادها لشن هجوم على قوات النظام خلال اليومين اللذين تليا قرار الانسحاب مستغلة انشغال روسيا بترتيبات الانسحاب، كما أعلن حزب الله اللبناني الداعم لقوات النظام عن استمرار عملياته في مدينة تدمر، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احتمالية عودة الدور الإيراني بقوة إلى ساحة الصراع السوري، وهو الدور الذي تراجع كثيرا أمام نظيره الروسي واقتصر على دعم النظام بعناصر من الحرس الثوري، خاصة أن تلك العودة ستصبح محكومة بالضغوط الدولية المتزايدة بشأن تطبيق اتفاقها النووي مع الغرب والولايات المتحدة، خاصة بعد الثمار التي بدأت تحصدها وكان أبرزها الرفع التدريجي للعقوبات لاسيما في قطاع النفط.

في النهاية، يمكن القول أن القرار الروسي بسحب معظم القوة الجوية الروسية مثل بلا شك صدمة لنظام الأسد وأنصاره ولحلفائه الإقليميين، وهى صدمة لا ينفيها ما تداوله الإعلام السوري بأن القرار تم بالاتفاق مع النظام، ولا رسائل التطمين التي قامت موسكو بإرسالها للنظام السوري من وقت لآخر.

ويمكن القول أن مهمة روسيا في سوريا قد اصطدمت بقناعة مؤداها أن النظام السوري لم يعد لديه القابلية لتقديم تنازلات تفاوضية فعالة على الرغم من أن المساندة الروسية طوال الخمسة شهور الماضية جعلته يستعيد زمام المبادرة ودعمت من موقفه التفاوضي.

ويبدو أن موسكو باتت ترى حاليا ضرورة وجود حكومة انتقالية تتولى السلطة التنفيذية بمشاركة فعلية من جانب النظام والمعارضة، وهو ما يبدو أن النظام السوري ما زال لا يقبل به حتى الآن.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية